رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن نعمة الإنجاب وإبتلاء الحرمان

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن نعمة الإنجاب وإبتلاء الحرمان
بقلم \ المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن قضيةَ الإنجابِ هي السرُّ الإلهيُّ المكنونُ لكلمةِ “كُنْ”، هيَ خفقاتُ قلوبٍ تَتوقُ لِضمِّ الصغارِ، ودعواتٌ تَرتفعُ في جُنحِ الليلِ لتُلامسَ أبوابَ السماءِ.
إنَّ اللهَ حينَ يَهبُ، يَهبُ ليختبرَ الشكرَ، وحينَ يمنعُ، يمنعُ ليمتحنَ الصبرَ ويُعليَ الذكرَ.
ليسَ العقمُ جفافاً في الروحِ، ولا هوَ نَقصٌ في الكرامةِ عندَ اللهِ، بل هوَ “اصطفاءٌ للابتلاءِ”؛ ليرى اللهُ في قلبِ عبدِهِ رِضاً لا يُزَعزِعُهُ الفقدُ، ويقيناً لا يُكَدِّرُهُ الحرمانُ. في هذه السطورِ، نُبحرُ في فقهِ القلوبِ قبلَ فقهِ الأبدانِ، لِنَزرعَ السكينةَ في نفسِ كُلِّ مَن لم يُرزقْ بالوَلَدِ، ونُعلِمَهُ أنَّ عطاءَ اللهِ ممتدٌّ، وأنَّ مَن لم يُرزَقْ ولداً مِن صُلْبِهِ، فقد جَعلَ اللهُ له في صالِحِ أعمالِهِ ونَفْعِهِ للخلقِ خلوداً لا يَنقطعُ.
حقيقة الإنجاب في المنظور الإسلامي (هبة لا استحقاق)
الإنجاب في الإسلام ليس حقاً مكتسباً بجهد البشر، بل هو محض عطاء إلهي، قسمه الله بين عباده وفق علم أزلي ومصلحة يراها الخالق لا يراها المخلوق.
● التقسيم الرباعي للأرزاق في الإنجاب
لقد لخص القرآن الكريم أحوال البشر مع الذرية في أربعة أصناف، ليقطع الطريق على الاعتراض أو المقارنة المحزنة.
• يقول الله تعالى: ﴿لِّلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ۖ وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: 49-50].
• تأمل في كلمة (يهب)، فالهبة عطاء بلا مقابل، وتأمل تذييل الآية بصفتي (العليم القدير)؛ فهو “عليم” بما ينفعك، “قدير” على إعطائك، لكن علمه سبق قدرته في اختيار الأصلح لك.
● الأولادُ
نعمةٌ إلهيةٌ، وهبةٌ ربانيةٌ، فهم زينةُ الحياةِ الدنيا، قالَ ربُّنَا: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ الكهف: 46)
أي المال من أي نوع، سواء كان من العروض أو النقود أو الآدميين أو البهائم ﴿ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
وعن علي بن أبي طالب، قال: المال والبنون حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد يجمعهما الله لأقوام”
﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ معناها كما سُئِلَ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَان بْن عَفَّان عَنْ الْبَاقِيَات الصَّالِحَات مَا هِيَ ؟ فَقَالَ : هِيَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَسُبْحَان اللَّه وَالْحَمْد لِلَّهِ وَاَللَّه أَكْبَر وَلَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيّ الْعَظِيم . رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد
فلابُدَّ مِن شكرِ اللهِ جلَّ وعلا على نعمةِ الأولادِ.
إذا كنـتَ في نعمـةٍ فارعَـهَا***فإنَّ الذنـوبَ تـزيلُ النعـم
واحفظهَـا بطاعةِ ربِّ العبـادِ***فربُّ العـبادِ سريـعُ النـقـم.
● نعمة الإنجاب .
إنَّ مِن أعظمِ النِّعمِ التي ينعمُ اللهُ بها على عِبادِه نعمةَ الإنجابِ
وقد جاءتْ كثيرٌ مِن الآياتِ القرآنيةِ والأحاديثِ النبويةِ في بيانِ أهميةِ النسلِ
قالَ جلَّ وعلَا:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ﴾ (النساء: 1)، وقالَ جلَّ وعلا: ﴿ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾ الشورى: 49، 50.
الاولاد هبه ونعمة عظيمة ورزق من الله
وقالَ جلَّ وعلا: ﴿ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ البقرة: 187. قال الطبريُّ رحمَهُ اللهُ تعالى: وابتغّوا ما كتبَ اللهّ في مباشرتِكُم إيَّاهُنَّ مِن الولدِ والنسلِ، ونعمةُ الأولادِ إذا صلحُوا فهم عملٌ صالحٌ يستمرُّ للأبوينِ حتى بعدَ موتِهِمَا،
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي اللهُ عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ” إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ” رواه مسلم.
فالأولادُ نعمةٌ إلهيةٌ، ومنحةٌ ربانيةٌ
تتعلقُ بها قلوبُ البشرِ وترجوهَا، لتأنسَ بها مِن الوحشةِ، وتقوَى بها عندَ الوحدةِ، وتكونُ قرةَ عينٍ لهَا في الدنيا والآخرةِ،
• ولذلك طلبَهَا إبراهيمُ الخليلُ عليهِ وعلى نبيِّنَا السلامُ، فقالَ: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ (الصافات: 100) .
• وطلبَهَا زكريَّا ـ عليهِ السلامُ ـ مِن ربِّه، فقالَ تعالًى: ﴿ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾ (الأنبياء: 89) .
• وأثنَى اللهُ سبحانَهُ وتعالَى على عبادِهِ الصالحين، فقالَ جلَّ وعلا عن صفاتِ عبادِ الرحمنِ: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ الفرقان: 74.
وعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ ﷺ “تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ”
لماذا يمنع الله الإنجاب؟ (أسرار المنع وفلسفة الابتلاء)
قد يتساءل المرء في لحظة ضعف: “لماذا أنا؟”. والجواب يكمن في إدراك أن “المنع” من الله هو في حقيقته “عطاء” بصورة أخرى.
● الحماية من فتنة الولد
قد يكون الولد سبباً في شقاء الوالدين في الدنيا أو هلاكهما في الآخرة، فصرف الله هذه الذرية رحمة بهما.
• والدليل من قصة الخضر: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: 80].
• فالله يعلم مآلات الأمور، وما يبدو لنا شراً (فقد الولد أو عدمه) قد يكون في باطنه الرحمة الكبرى.
● الابتلاء لرفع الدرجات
• الجنة درجات، ومنها ما لا يبلغه العبد بعمله، فيبتليه الله في أحب أمانيه (الذرية) ليرفعه بالصبر.
• عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ» (رواه البخاري، رقم 5645).
• وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «عِظَمُ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ» (رواه الترمذي، رقم 2396).
أقول للذين حُرِموا نعمةَ الإنجابِ !!! ![]()
• الحرمان من الإنجاب ليس سخطا من الله .
إن العطايا والمنح والنعم والمنن في الدنيا والأولاد ليست دليلاً على رضا الله على الإنسان، لأن الدنيا رخيصة فإن الله يعطيها للكافر والمؤمن، فقد نجد كافرًا منعمًا عنده أولاد {وبنين شُهودًا}، فهذا ليس دليلاً على أن الله راضٍ عنه، لأن الله ما رضي الدنيا ثوابًا لأوليائه،
• وهذه الدنيا جاع فيها كليم الله موسى، وجلس محتاجًا متعبًا تحت ظل شجرة، وقال: {رب إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير}، فهذه الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة .
• جاع فيها رسولنا وتعب، وربط على بطنه الحجر من شدة الجوع – عليه صلاة الله وسلامه
● الحرمان قد يكون نعمة
اللهُ عزَّ وجلَّ قد بيَّنَ لنَا أنَّ أولادَنَا نعمةٌ أو نقمةٌ:
قالَ جلَّ وعلا: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ} [التغابن: 14]
وقالَ جلَّ وعلا: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن: 15]
هذا في جانبِ الخطرِ.
وفي الجانبِ الآخرِ قالَ جلَّ وعلا:
{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الطور: 21]
وقالَ سبحانَهُ: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74]
فالولدُ إمَّا أنْ يكونَ قرةَ عينٍ يسرُّكَ أنْ تلقاهُ في الدنيا وتجتمعَ بهِ في الجنةِ في الآخرةِ
وإمَّا أنْ يكونَ فتنةً وعدوًّا تقولُ: {يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ} [الزخرف: 38].
وللهِ درُّ القائلِ
وَإنما أوْلاَدُنَا بَيْنَنا *** أكْبَادُنَا تَمْشِي عَلى الأرْضِ
لَوْ هَبَّتِ الرِّيحُ عَلى بَعْضِهِمْ *** لاَمْتَنَعَتْ عَيْني مِنَ الْغَمضِ
● الحرمان قد يكون ابتلاء
قد يحرمك الله تعالى الإنسان من الولد أو الرزق لحكمة أخرى كالابتلاء، فإن صبرت وحمدت الله تعالى نلت الرفعة والأجر، وإن سخطت كان لك السخط، وقد بين الله تعالى في كتابه خطأ من ظن أن ضيق الرزق يعتبر إهانة في جميع الحالات، وأن سعة الرزق يعتبر إكراماً في جميع الحالات، وبين الله تعالى أنه قد يوسع على الكافر ويضيق على المؤمن،
قال سبحانه وتعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ* وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ* كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ [الفجر:15-16-17]،
جاء في تفسير الجلالين ما نصه: (فأما الإنسان) الكافر (إذا ما ابتلاه) اختبره (ربه فأكرمه) بالمال وغيره (ونعمه فيقول ربي أكرمن)، (وأما إذا ما ابتلاه) ربه (فقدر) ضيق (عليه رزقه فيقول ربي أهانن). (كلا) ردع، أي ليس الإكرام بالغنى، والإهانة بالفقر، وإنما هو بالطاعة والمعصية، لذلك.
● الحرمان قد يكون بسبب الذنوب .
• الإنجاب رزق من الله، قال الله تعالى: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ* أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ {الشورى:49-50}، والرزق قد يحرم الله منه العبد بسبب ذنب أذنبه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه. رواه ابن ماجه وقال في الزوائد: إسناد حسن، وصححه السيوطي.
● النعم مقسمة .
• لابد أن تدرك وتُدركي أن نعم الله مقسمة، ففكر وففكري دائمًا في النعم التي عندك أنت، فالله تبارك وتعالى قد يعطي المرأة زوجا ويعطيها أطفالا ولكن يحرمها من المال، يحرمها من الوظيفة، يحرمها من العافية، فنعم الله مقسمة، والسعيد هو الذي يتعرف على نعم الله عليه، نعمة العافية، نعمة العمل، نعمة الأهل، نعمة الزواج، {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}..
وبشكرنا ننال المزيد، فالشكر هو الجالب للنعم، والحافظ للنعم،
والإنسان يتعرف على النعم التي يتقلب فيها ثم يؤدي شكرها، وبهذا الشكر ينال المزيد عند الله تبارك وتعالى، فتذكري أن نعم الله مقسمة، وأن هناك من عندها أطفال لكن تتمنى لو أنها لم يكن عندها أطفال، هناك من عندها زوج لكن تعيسة تتمنى لو أنها لم تتزوج أصلاً، لذلك ينبغي أن يُدرك الإنسان أن السعادة لا ترتبط بهذه الأمور، بل السعادة هي نبع النفوس المؤمنة بالله، الراضية بقضائه وقدره، المواظبة على ذكره وشكره وحسن عبادته.
واعلم واعلمي أن الحال سيتغير عندك عندما يمتلأ قلبك بالرضا عن الله وبالرضا بالله وبشكر نعم الله تبارك وتعالى الكثيرة جدًّا عليك، وننصحك بأن تنظري إلى من هم دونك في العافية، في الوظيفة، في الحياة، في الجمال، في كل شيء (انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، كي لا تزدروا نعمة الله عليكم)..
كذلك إذا وجدت أو وجدتِ نعمة الله تنزل على الزميلات فاسألي من وهبهنَّ أن يعطيك، فالإنسان ينبغي كما قال نبي الله زكريا لما دخل على مريم ووجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وهو المتكلف بطعامها، قال: {يا مريم أنَّى لك هذا * قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} ماذا فعل نبي الله زكريا؟ المؤمن يفرح بنعمة الله على إخوانه وعلى أخواته، ثم يتوجه إلى العظيم {هنالك دعا زكريا ربه} يا من أعطيت مريم، يا من أعطيت هذه المسكينة أعطني سُؤْلي، {هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء}، وأدعية نبي الله زكريا مما ندعوك للمواظبة عليها {رب لا تذرني فردًا وأنت خير الوارثين}.
خارطة الطريق لمن لم يرزق بالذرية (كيف يصنع؟)
إذا تأخر الإنجاب أو انقطع الأمل طبياً، فإن المسلم لا ينكسر، بل يتحرك في ثلاثة مسارات متوازية:
المسار الأول: التعبد بالأسباب (الأخذ بالطب)
● التداوي .
السعي للعلاج ليس اعتراضاً على القدر، بل هو امتثال لأمر الله.
• عن أسامة بن شريك يقول النبي ﷺ: «تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ» (رواه أبو داود، رقم 3855).
إن التداوي وطلب الدواء من أقدار الله، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:- ما أنزل اللهُ داءً إلا أنزل له شفاءً علمَهُ من علمه وجهلَه من جهِله”
< صحيح البخاري، رقم: 5678) من حديث أبي هريرة>
المسار الثاني: الالتجاء إلى الله .
نذكرك بأهمية التزام الدعاء لله -سبحانه وتعالى-، فإن الله تعالى يُقلِّب الأمور، ويُغيِّر الأحوال بالدعوات، وقد قصَّ الله علينا في كتابه الكريم بعض أخبار أنبيائه ورسله الذين تأخَّر الإنجاب منهم إلى أزمنة متأخرة من أعمارهم، وهم يدعون الله أن يرزقهم الذرية الطيبة، ومن أولئك إبراهيم – عليه السلام – وقد رزقه الله الولد على كِبَرِ سِنِّه، حتى قصَّ علينا القرآن استغراب زوجته للإنجاب مع كِبَر سِنِّها وسِنِّه، كما قال الله -عز وجل- عنها أنها قالت: {أألد وأنا عجوزٌ وهذا بعلي شيخًا إنَّ هذا لشيءٌ عجيب}.
وقصَّ الله علينا خبر نبيِّه زكريا – عليه السلام – وأنه لمَّا رأى من عجائب صُنع الله تعالى ما رأى من فعله بمريم من أنه يرزقها الطعام والشراب في غير موسمه، كما قال الله: {كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقًا قال يا مريمُ أنَا لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} قال الله: {هنالك دعا زكريا ربَّه قال ربِّ هبْ لي من لدنك ذُريَّة طيبةً إنك سميع الدعاء}.
فاستجاب الله لهذه الدعوات، ولهذا ينبغي لك أن لا تيأسي أبدًا، وكذلك زوجك، ينبغي ألا ييأس الواحد منكما من رحمة الله وفضله، فيُكثر من دعاء الله، وهو بهذا الدعاء قائمٌ بعبودية جليلة من العبودية لله ، قد يُعطيه الله الولد، إذا علم الله أن الخير له في ذلك، وقد لا يُعطيه الولد وإنما يصرف عنه من المكروه والسوء بمثل ما دعا، وقد يَدَّخر له أجر هذه الدعوات فيجد ثوابها وعواقبها الحسنة في الآخرة، وفي كل الأحوال هو على خيرٍ عظيم.
● الاستغفار .
الاستغفار هو “مفتاح الخزائن” المعطلة، والقرآن صريح في الربط بين الاستغفار والذرية.
• يقول الله تعالى على لسان نوح عليه السلام: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: 10-12].
عليكُم بكثرةِ الاستغفارِ، واشغل واشغلي نفسك بالاستغفار، وبالصلاة على رسولنا المختار.
● الصبر .
يا من حرمتم اصبرُوا واحتسبُوا قال تعالى
وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}.
{البقرة:155ـ156
ويقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾{الزمر: 10}
وعليكم أن تفوضُوا الأمرَ إلى اللهِ وخذُوا بالأسبابِ المشروعةِ للإنجابِ وليَجْتَهدُوا فِي الدعاءِ لرَبِّهِم جلَّ وعلا أَنْ يرزقَهُم الْوَلَدَ الصَّالِحَ، وَمَا ذلك على الله بِعزِيز، فَقَدْ أَصْلَحَ الله ُجلَّ وعلا الْمَرْأَةَ الْعَقِيمَ الَّتِي لَا تَلِدُ، وَرَزَقَ الشَّيْخَ الْكَبِيرَ الَّذِي يظنُّ ألَّا ينجب.
● مساعدة المحتاجين
حاول وحاولي دائمًا أن تكوني عونًا للمحتاجين ليكون العظيم في حاجتك، فإن الإنسان إذا كان في حاجة إخوانه وأخواته كان العظيم في حاجته تبارك وتعالى.
● الطاعة .
احرص واحرصي دائمًا على أن تشغل وتشغلي نفسك بطاعة الله، واعلمي أن ما يختاره الله لك أفضل وأحسن، وأن الذرية ستأتيك في الوقت الذي قدره الله، والسعادة ليست في الذرية، وليست في المال، وليست في الوظيفة، ولكن كل هؤلاء يبحثون عن السعادة ولكنهم أخطأوا طريقها.
فالسعادة في طاعة الله، وفي الرضا بالله، في الرضا عن الله، قال عمر بن عبد العزيز: (كنا نرى سعادتنا في مواطن الأقدار) فاشغلي نفسك بما يُرضي الله تبارك وتعالى
● الرضا بقسمة الخالق
• اعلمْ أنَّ الله جلَّ وعلا: يقول﴿ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾ الشورى: 49، 50.
وبعد هذه الآية لا يقل أحد: إن فلاناً لا ينجب أو فلانه لا تنجب؛ لأن هذه مرادات عليا لله تعالى، ولو أن العقيم احترم قَدَر الله في العقم لجعل الله كل مَنْ يراهم من الأولاد أولاده، وما دام الله تعالى قال {يَهَبُ} [الشورى: 49]
فالمسألة في كل حالاتها هبة من الله تعالى لا دَخْلَ لأحد في الذكورة أو الأنوثة أو العقم.
فلماذا- إذن- قبلتَ هبة الله في الذكور، ولم تقبل هبة الله في العقم؟
و البنت كانت لا تركب الخيل، ولا تدافع عن قومها، ولا تحمل السلاح.
إلخ، فلما جاء الإسلام حرم ذلك وكرَّم المرأة، وأعلى من شأنها، لكن ما زالت المفاضلة قائمة بين الولد والبنت.
والآن احتدم صراع مفتعل بين أنصار الرجل وأنصار المرأة، والإسلام بريء من هذا الصراع؛ لأن الرجل والمرأة في الإسلام متكاملان لا متضادان، وعجيب أنْ نرى من النساء مَنْ تتعصب ضد الرجال وهي تُجَنّ إنْ لم تنجب الولد، وهذه شهادة منهن بأفضليته.
وكأن الله تبارك وتعالى يعلمنا أن مَنْ يحترم قدره في إنجاب البنات يقول الله له: لقد احترمتَ قدري فسوف أعطيك على قدرْي، فيعطيه الله البنين، أو يُيسِّر لبناته أزواجاً يكونون أبرَّ به من أولاده وأطوع.
ثم أَلاَ ترى أن الله تعالى قدم البنات، في الهبة، فقال: {يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذكور} [الشورى: 49]
لماذا؟ لأنه سبحانه يعلم محبة الناس للذكور: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ يتوارى مِنَ القوم مِن سواء مَا بُشِّرَ بِهِ} [النحل: 58-59]
● واعلمْ أنَّ هذا ابتلاءٌ واختبارٌ مِن اللهِ جلَّ وعلا ( فمَن رضِيَ فلهُ الرضَا ومَن سخطَ فعليهِ السخط ).
وتجنب ، وتجنبي التسخط على أقدار الله وعدم الرضا عما قدره الله
واعلمْ إنْ كان اللهُ قد حرمَكَ مِن شيءٍ فقد اعطاكَ شيءٍ آخرَ هو أنفعُ لكَ وأنتَ لا تدرِي !!!
فالحمد لله على ما أعطى، والحمد لله على ما منع .
أخِي
كُن عَن هُمُومِكَ مُعْرِضًا *** وَدَع الأُمُورَ إِلَى القَضَا
وَانعَم بِطُولِ سَلَامَةٍ *** تُسْلِيكَ عَمَّا قَدْ مَضَى
فَلَرُبَّمَا اتَّسَعَ المَضِيقُ *** وَ لَرُبَّمَا ضَاقَ الفَضَا
اللهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ *** فَلَا تَكُن مُتَعَرِّضَـــــا
● الرضا كقيمة فقهية ونفسية
الرضا ليس مجرد سكوت، بل هو “فرح القلب بمجرى القضاء”.
• فقهياً: يجب على الزوجين عدم جعل العقم سبباً لخراب البيوت، فالعلاقة الزوجية مودة ورحمة وليست مجرد ماكينة إنتاج.
• يقول النبي ﷺ: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ» <رواه مسلم، رقم 1054). من حديث عبد الله بن عمرو>
● أجرُ الإنسان الذي لا يُنجب .
• جاء في الحديث الصحيح أن أمر المؤمن كله له خير، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (
عَجِبْتُ لأمرِ المؤمنِ ، إنَّ أمرَهُ كُلَّهُ خيرٌ ، إن أصابَهُ ما يحبُّ حمدَ اللَّهَ وَكانَ لَهُ خيرٌ ، وإن أصابَهُ ما يَكْرَهُ فصبرَ كانَ لَهُ خيرٌ ، وليسَ كلُّ أحدٍ أمرُهُ كلُّهُ خيرٌ إلَّا المؤمنُ ).
<أخرجه أحمد (23930) مطولاً باختلاف يسير، وأخرجه مسلم (2999) بنحوه من حديث صهيب بن سنان الرومي>
فهذا الحديث بعمومه يُبيِّن لنا فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- أن أمر المؤمن كله إلى خيرٍ يُثاب عليه، سواء فيما أحبَّ أو فيما كره إذا قابل ما يكره بالرضا والاحتساب كان ذلك خيرا، كما أنه إذا قابل ما يُحب بالشكر والقيام بحق النعمة كان ذلك خيرا، فهذا حال المؤمن على الدوام، ينبغي له أن يرضى بما قدَّره الله له، ويعلم بأن الله أرحم به من نفسه، وأنه لا يختار له إلا ما فيه مصلحته وخيره، وأنه قد لا يعلم هو الخير والمصلحة على الوجه التام، ولهذا قال الله تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم وعسى أن تُحبوا شيئًا وهو شرٌ لكم
والله يعلم وأنتم لا تعلمون}.
المسار الثالث: الكفالة والرعاية (الأمومة والأبوة الروحية)
إن لم يخرج من صلبك ولد، فاجعل من عملك وتأثيرك في المجتمع “أبناءً” لك.
• كفالة اليتيم هي الطريق الأقصر لمرافقة النبي ﷺ في الجنة. عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا» وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى
أخرجه 918) واللفظ له، وأخرجه البخاري (6005) باختلاف يسير
(رواه البخاري، رقم 6005).
• إن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، لم تنجب قط، ومع ذلك كانت “أماً” للأمة بعلمها وتربيتها للأجيال، وهذا هو الخلود الحقيقي.
رابعاً: العوض الإلهي والجزاء الأوفى .
الله لا يأخذ شيئاً من المؤمن إلا ليعطيه ما هو خير منه في الوقت المناسب.
● أولادك في الجنة .
المؤمن الذي يصبر على الحرمان في الدنيا، له في الجنة ما تشتهيه الأنفس.
• عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الْمُؤْمِنُ إِذَا اشْتَهَى الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وَسِنُّهُ فِي سَاعَةٍ كَمَا يَشْتَهِي»
<أخرجه الترمذي (2563) ، وابن ماجه (4338)، وأحمد (11078) >
● رسالة إلى القلب المحزون .
إن الله لم يحرمك عجزاً، ولم يمنعك بخلاً، بل ادخر لك ما هو أبقى. إن كانت الدنيا دار فقد، فالآخرة دار اجتماع. فاجعل من صبرك صلاة، ومن دعائك قربة، واعلم أن “العقيم” الحقيقي في ميزان الشرع ليس من لا يولد له، بل هو من لا عمل صالح له يتبعه بعد موته.
• اشتغل بعبادة “الرضا عن الله”، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط.


(تضرع واستغاثة)
”اللهمَّ يا مَن أَمْرُهُ بينَ الكافِ والنونِ، يا مَن يَقُولُ لِلشيءِ كُنْ فيكونُ، يا بَديعَ السماواتِ والأرضِ، يا ذا الجلالِ والإكرامِ. اللهمَّ يا مَن رَزقتَ زكريا بعدَ الكِبَرِ، ويا مَن وهبتَ لإبراهيمَ إسماعيلَ وإسحاقَ على القنوطِ، ويا مَن جَعلتَ عيسى بكلمةٍ منكَ آيةً للعالمينَ.
اللهمَّ إنَّ قلوبَنا تَتوقُ، وأعينَنا تَدمعُ، ونفوسَنا تَنكسرُ ببابِ جودِكَ، فلا تردَّنا خائبينَ.
اللهمَّ يا وهَّابُ، هَبْ لكلِّ مَن حُرِمَ الذريةَ خَلَفاً صالحاً، وبَشِّرْ كُلَّ مَن طالَ انتظارُهُ بما يَسُرُّ خاطرَهُ ويَشرحُ صَدْرَهُ.
اللهمَّ إنْ كانَ قد سَبقَ في علمِكَ الغيبِيِّ أنَّ المنعَ خيرٌ لنا، فأفرغْ علينا صبراً، واملأ قلوبَنا رِضاً ويقيناً، واجعلنا نرى جَمالَ صُنعِكَ في حِرمانِنا كما نراهُ في عَطائِنا.
اللهمَّ لا تَجعلِ الدنيا أكبرَ هَمِّنا، ولا مَبْلغَ عِلمِنا، واجعلنا “آباءً وأمهاتٍ” للأيتامِ والمساكينِ، واجعلْ أثرَنا في العلمِ والخيرِ يَبقى ما بَقِيَ الليلُ والنهارُ. اللهمَّ ارضَ عَنَّا رِضاً لا سَخَطَ بَعدَهُ، وأَغنِنا بفضلكَ عَمَّن سِواكَ، واجعلْ قُرَّةَ أعيُنِنا في الصلاةِ والذكرِ والقُربِ منكَ. اللهمَّ استجبْ دعاءً تَرَقْرَقَ في العيونِ ولم تَنْطِقْ به الألسنُ، يا سَميعُ يا مُجيب.








لا توجد تعليقات بعد.