مقالات
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن الكلمة رسول العقل وسفير القلب

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن الكلمة رسول العقل وسفير القلب
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن الكَلِمَةَ هِيَ رَسُولُ العَقْلِ إِلَى العَقْلِ، وَسَفِيرُ القَلْبِ إِلَى القَلْبِ، وَهِيَ المِيزَانُ الدَّقِيقُ الَّذِي تُوزَنُ بِهِ رَجَاحَةُ العُقُولِ وَطَهَارَةُ النُّفُوسِ. إِنَّ حَدِيثَنَا اليَوْمَ لَيْسَ عَنْ مُجَرَّدِ حُرُوفٍ تُنْطَقُ، بَلْ عَنْ “قُوَّةٍ نَاعِمَةٍ” تَمْتَلِكُ القُدْرَةَ عَلَى صِيَاغَةِ الوجْدَانِ، وَتَهْذِيبِ السُّلوُكِ، وَبِنَاءِ الحَضَارَاتِ؛ إِنَّهَا (الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ) الَّتِي جَعَلَهَا الإِسْلَامُ صَدَقَةً يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى مَوْلَى المَوَالِي، وَسَبِيلًا لِنَيْلِ الرِّضْوَانِ في العَالَمِ البَاقِي.
* امتنَّ الله على الإنسان بنعمة البيان، وجعل اللسان ترجمانًا للجنان.
والكلمةُ بذورٌ تُغرس في حقول النفوس، فإما أن تثمر حبًا وسلامًا، وإما أن تنبت شوكًا وضغينة.
إنَّ الإسلامَ لم ينظر إلى الكلمة على أنَّها مجرَّدُ أصواتٍ تُنطَق، أو حروفٍ تُكتَب، بل جعلها ميزانًا للأخلاق، ودليلًا على ما في القلوب، وجسرًا بين النفوس؛ فبالكلمة الطيبة تُبنى الأرواح، وتُرمَّم النفوس، وتستقيم العلاقات، وبالكلمة الخبيثة تُهدَم المعاني، وتُجرَح القلوب، وتتفكَّك الأواصر.
* وقد ربط القرآنُ والسُّنَّة بين القول والإيمان، وبين اللسان وسلامة الصدر، فجعل الكلمة الطيبة عبادةً، وأثرَها ممتدًّا إلى أعماق النفس الإنسانية.
وفي هذه المحاضرة، سنبحر في رحاب الكلمة الطيبة، مستمدين النور من الوحيين، لنستكشف أثرها العميق في بناء الإنسان والمجتمع.
● تعريف الكلمة الطيبة
• هي كلُّ قولٍ وافق الحقَّ، وسَلِمَ من الأذى، وقُصِدَ به الخير، وأثمر أثرًا حسنًا في النفس.
قال الله تعالى:
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾
[سورة فاطر: الآية 10]
• فدلَّت الآية على أنَّ الكلمة الطيبة عبادةٌ قلبية ولسانية، تصعد إلى الله، وتُزكِّي صاحبها.
وقال النبي ﷺ:
«وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ».
● حكم الكلمة الطيبة شرعًا
• الكلمة الطيبة:
اما ان تكون:
• واجبة إذا توقَّف عليها دفعُ أذى
• مستحبَّة إذا ترتَّب عليها تأليف القلوب
• محرَّمة إذا كانت أذًى أو غيبة أو سخرية
قال تعالى:
﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾[سورة الحجرات: الآية 11]
● تشبيه قرآني بليغ لأثرها العميق
قال الله تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ • تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
[سورة إبراهيم: الآيتان 24–25]
لقد ضرب الله عز وجل أروع الأمثال للكلمة الطيبة، وصورها كشجرة وارفة الظلال، عميقة الجذور، دائمة العطاء.
وقوله (أصلها ثابت)، يعني أن الكلمة الطيبة تبني قناعات راسخة لا تزعزعها عواصف الفتن، (وفرعها في السماء)، إشارة إلى رفعة شأن قائلها عند الله.
• ففي هذا المثل بيانٌ أنَّ الكلمة الطيبة:
تثبِّت النفس
وترفع الهمَّة
وتُثمر طمأنينةً دائمة
● الارتباط الوثيق بين الإيمان وحصائد الألسن:
الكلمة الطيبة ليست مجرد “إتيكيت” اجتماعي، بل هي فرع من فروع الإيمان الراسخ.
• فقد روى البخاري في صحيحه ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ».
• وهذا يقرر قاعدة فقهية أخلاقية: “الصمت عبادة عند تعذر الخير في الكلام”.
تمتلك الكلمة الطيبة قوةً خفيةً قادرة على ترميم الانكسارات النفسية وتوجيه السلوك البشري نحو السمو.
● تطييب الخواطر وجبر النفوس المنكسرة:
إن الكلمة اللينة تعمل كبلسم للجراح، وقد أمر الله بها حتى في أشد المواقف حساسية، كحال التعامل مع اليتامى والمساكين. قال تعالى:
﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [النساء: 8].
• إذا عجزت يدك عن العطاء المادي، فلا يعجز لسانك عن العطاء المعنوي؛ فالكلمة الطيبة صدقة جارية في قلوب المحتاجين.
● الكلمة الطيبة كوقاية من كيد الشيطان:
الشيطان يترصد ثغرات الكلام ليفسد ذات البين، والكلمة الطيبة هي الدرع الحصين ضد نزغاته. قال تعالى:
﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ [الأسراء: 53].
• روى البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ».
• هذا حديث يرفع القيمة التشريعية للكلمة لتصل إلى مرتبة “المنجي من النار”.
● القول الحسن غذاءٌ للروح
قال الله تعالى:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾
[سورة البقرة: الآية 83]
• فالأمر بالقول الحسن وقايةٌ نفسية قبل أن يكون توجيهًا اجتماعيًّا.
وقال النبي ﷺ:
«مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ».
• وفي الحديث ربطٌ مباشر بين الإيمان وسلامة اللسان، لما للكلمة من أثرٍ عميق في النفس.
● القول اللين دواءٌ للألم الداخلي
قال الله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام:
﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾
[سورة طه: الآية 44]
• فإذا كان القول اللين مأمورًا به مع الطغاة،
• فكيف بالمكسورين، والمجروحين، وأهل الهموم؟
وعن عائشة أم المؤمنين
قال النبي ﷺ:
«إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ»
خرجه البخاري ومسلم
● القول الحسن أساس الألفة الاجتماعية
قال الله تعالى:
﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [سورة الإسراء: الآية 53]
• فالكلمة الطيبة سياجٌ نفسيٌّ يمنع تسلُّل الشيطان إلى القلوب.
وعن عبدالله بن عمر
قال النبي ﷺ:
«تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ».
أخرجه البزار مفرقاً، والطبراني في المعجم الأوسط باختلاف يسير
• فإذا كان التبسُّم صدقة، فكيف بالكلمة التي تُحيي القلب؟
● سلامة اللسان عنوان صفاء القلب
قال الله تعالى:
﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [سورة ق: الآية 18]
وعن سهل بن سعد الساعدي ، قال النبي ﷺ:
«مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ»
أخرجه البخاري، والترمذي، وأحمد باختلاف يسير.
• فصلاح اللسان صلاحٌ للنفس كلِّها.
في ميدان التربية والدعوة، الكلمة هي المفتاح الوحيد للولوج إلى القلوب قبل العقول.
● اللين في الخطاب مع المخالف والمعاند:
حتى في مواجهة الطغيان، أمر الله بالقول اللين، لأن الغلظة تنفر القلوب.
قال تعالى في أمره لموسى وهارون عليهما السلام عند ذهابهما لفرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ [طه: 44].
• إذا كان هذا مع فرعون الذي قال “أنا ربكم الأعلى”، فكيف يجب أن يكون خطابنا مع من يوحد الله ويسجد له؟
● أثر الكلمة في بناء الشخصية (التربية بالحب):
الرسول ﷺ كان أعظم المربين بالكلمة، حيث كان ينادي أصحابه بأحب الأسماء إليهم ويكنيهم.
• روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وكانَ لي أخٌ يُقَالُ له أبو عُمَيْرٍ -قَالَ: أحْسِبُهُ فَطِيمًا- وكانَ إذَا جَاءَ قَالَ: يَا أبا عُمَيْرٍ، ما فَعَلَ النُّغَيْرُ؟».
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود واللفظ له، وأحمد
• نجد هنا كيف نزل النبي ﷺ لمستوى الطفل بكلمة تلاطف مشاعره، مما يبني ثقة نفسية هائلة.
* لا تقتصر آثار الكلمة على الدنيا، بل تمتد لتكون ثقلاً في الميزان وسببًا في رفعة الدرجات.
● الكلمة الطيبة سبيل إلى الجنة:
• عن عبدالله بن عمرو، قال النبي ﷺ: « إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِمَنْ أَلَانَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَتَابَعَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ».
• لاحظ اقتران “إلانة الكلام” بالصلاة والصيام، مما يدل على محوريتها في المنظومة التعبدية.
● الكلمة الطيبة سبب لرضوان الله:
* قد يتكلم العبد بكلمة لا يلقي لها بالاً، ترفعه في درجات الجنة آمادًا بعيدة.
• عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن رِضْوانِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بها دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن سَخَطِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بالًا، يَهْوِي بها في جَهَنَّمَ ».
أخرجه مسلم مختصراً بنحوه،من حديث أبي هريرة
إنَّ الكلمة الطيبة هي “هندسة الروح” وإعادة بناء للإنسان من الداخل. هي استثمارٌ لا يحتاج لرأس مال سوى قلب طاهر ولسان رطب بذكر الله ومحبة خلقه.
فاجعلوا كلماتكم جسورًا تعبرون بها إلى قلوب الناس، ومفاتيح تفتحون بها أبواب الجنان.
● إنَّ الكلمة الطيبة:
• نورٌ في القلب
• وطمأنينةٌ في النفس
• وعبادةٌ في الميزان
• وأثرُها لا يزول، وإن نُسِيَ قائلُها
فطوبى لمن طهَّر لسانه،
وأحيا القلوب بكلمةٍ صادقةٍ رفيقة،
وجعل حديثه ذكرًا، وصمته فكرًا، وكلامه حياةً للنفوس.
فالكلمة الطيبة لا تموت،
لأنها تخرج من قلبٍ حيّ،
وتقع في قلبٍ محتاج،
وترتفع إلى ربٍّ كريم..
اللهم اجعل ألسنتنا بذكرك رطبة، وقلوبنا بحبك عامرة، ونفوسنا من السوء طاهرة. اللهم ارزقنا طيب المنطق وحسن البيان، واجعل كلماتنا بلسماً للجراح، وجبراً للخواطر، ومفاتيح للخير، ومغاليق للشر. اللهم طهّر ألسنتنا من الغيبة والنميمة والفحش، واجعلنا ممن يقولون للناس حُسناً، واجعل كل حرفٍ ننطق به شاهداً لنا لا علينا، وسبباً في رفعة درجاتنا في جنات النعيم.. يا حي يا قيوم.”
تم نسخ الرابط بنجاح!







لا توجد تعليقات بعد.