رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن السعي وراء الكسب
- رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن السعي وراء الكسب
- بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
- مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
- رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن السعي وراء الكسب
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
إِنَّ السَّعْيَ وَرَاءَ الْكَسْبِ وَجَمْعِ الْمَالِ خُلُقٌ مَرْكُوزٌ عِنْدَ بَنِي الْبَشَرِ، الْكُلُّ يَهْرُبُ مِنَ الْإِفْلَاسِ، وَالْجَمِيعُ يَحْذَرُ عَيْشَ الْإِبْلَاسِ؛ إِفْلَاسُ الدُّنْيَا أَلِيمٌ وَمَرِيرٌ، وَمُؤَثِّرٌ عَلَى الْعَقْلِ وَشَيْءٌ خَطِيرٌ، مُؤَثِّرٌ عَلَى الصِّحَّةِ، مُؤَثِّرٌ عَلَى الْبَدَنِ، مُؤَثِّرٌ عَلَى الْحَيَاةِ، غَيْرَ أَنَّ هَذَا الْإِفْلَاسَ عِبَادَ اللهِ يَظَلُّ مَحْدُودًا، يُمْكِنُ تَعْوِيضُهُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، هَذَا الْإِفْلَاسُ يَتَصَاغَرُ أَمَامَ إِفْلَاسِ الْآخِرَةِ، هَذَا الْإِفْلَاسُ يَتَصَاغَرُ أَمَامَ الْإِفْلَاسِ الْخَطِيرِ الَّذِي لَا يُعَوَّضُ، إِنَّهُ إِفْلَاسُ ضَيَاعِ الْعَمَلِ وَالْحَسَنَاتِ، وَضَلَالِ السَّعْيِ وَالْقُرُبَاتِ.
أَجَلْ، فَلَا تَسْأَلْ، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حَسْرَةِ مَنْ أَتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ كَأَمْثَالِ الْجِبَالِ! فَفَرِحَ بِهَا وَاسْتَبْشَرَ، وَلَكِنَّهُ يَرَاهَا تَذْهَبُ فِي دِيوَانِ هَذَا وَذَاكَ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ قُوَّةً وَلَا حَوْلًا حَتَّى أَضْحَى مِنَ الْمُفْلِسِينَ الْخَاسِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ!
أَجَلْ ، إِلَيْكُمْ هَذَا النَّصَّ النَّبَوِيَّ الَّذِي يَرْتَجِفُ لَهُ الْوِجْدَانُ؛ فَهَذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ صَحَابَتَهُ الْكِرَامَ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ فَيَقُولُ لَهُمْ: «أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟ أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟» فَقَالَ الصَّحَابَةُ: «الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ»، الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ حَصَرُوا الْإِفْلَاسَ فِي الْمَادَّةِ فَحَسْبُ، وَجَعَلُوهُ مُقْتَصِرًا عَلَى الْمَالِ وَالْمَتَاعِ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَحِّحَ لَهُمْ هَذَا الْمَفْهُومَ، فَكَشَفَ لَهُمُ الْغِطَاءَ عَنْ مَفْهُومٍ جَدِيدٍ لِلْإِفْلَاسِ، نَقَلَهُمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَى أَبْعَدَ مِنَ الدُّنْيَا وَحُطَامِهَا، حَوَّلَ أَبْصَارَهُمْ وَقُلُوبَهُمْ إِلَى إِفْلَاسٍ مِنْ نَوْعٍ رَهِيبٍ وَخَطِيرٍ فِي يَوْمٍ شَدِيدٍ وَعَسِيرٍ!
فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -وَاسْمَعُوا : «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَزَكَاةٍ وَصِيَامٍ، يَأْتِي وَقَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا؛ فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ»، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ!
هَذَا الْإِفْلَاسُ الْخَطِيرُ ، هَذَا الْإِفْلَاسُ الْحَقِيقِيُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ أَسْبَابٌ عَدِيدَةٌ، وَلَكِنْ يَجْمَعُهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، يَجْمَعُهَا لَفْظُ الِاعْتِدَاءِ؛ نَعَمْ، الِاعْتِدَاءُ عَلَى الْآخَرِينَ بِاللِّسَانِ، وَالْبَغْيُ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَأَخْذُ أَمْوَالِهِمْ بِالْبَاطِلِ بِلَا حَقٍّ وَلَا بُرْهَانٍ.
أَجَلْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ -وَاسْمَعُوا لِهَذَا الْحَدِيثِ بِقُلُوبِكُمْ عِبَادَ اللهِ- قَالَ: «وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ» -يَقُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ»، وَرَدْغَةُ الْخَبَالِ عِبَادَ اللهِ جَاءَ تَفْسِيرُهَا فِي رِوَايَاتٍ أُخْرَى بِأَنَّهَا عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ وَصَدِيدُهُمْ! عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ! يَتَجَرَّعُ صَدِيدَ أَهْلِ النَّارِ مِنْ قَيْحٍ وَدَمٍ!
فَكَمْ هُوَ مِسْكِينٌ وَاللهِ ذَلِكَ اللَّذَّاعُ بِالشَّتِيمَةِ وَاللَّعْنِ! كَمْ هُوَ وَاللهِ مِسْكِينٌ ذَلِكَ اللَّدَّاغُ بِالْفُحْشِ وَالطَّعْنِ! أَمَا عَلِمَ هَذَا الْمِسْكِينُ مَا يَنْتَظِرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟! أَمَا عَلِمَ أَنَّهُ تَقَلَّدَ مَنْزِلَةً بَغِيضَةً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟! يَقُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ -أَتَدْرُونَ مَنْ؟- إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ»، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ!
فَكَمْ هُوَ مِسْكِينٌ ذَلِكَ الْمُفْلِسُ الْمُعْتَدِي الَّذِي جَعَلَ ظُلْمَ النَّاسِ آخِرَ مَا يَهُمُّهُ، الَّذِي جَعَلَ الِاعْتِدَاءَ عَلَى النَّاسِ آخِرَ مَا يَهْتَمُّ لَهُ؛ فَلَا يَلْتَفِتُ لِقَهْرِهِمْ وَلَا لِآهَاتِهِمْ، وَلَا يَعْبَأُ بِحُرْقَتِهِمْ وَلَا بِظُلْمِهِمْ!
كَمْ هُوَ مِسْكِينٌ هَذَا الْإِنْسَانُ! زَيَّنَ لَهُ الشَّيْطَانُ سُوءَ عَمَلِهِ حَتَّى رَأَى الْبَغْيَ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ دَهَاءً، وَقُوَّةً، وَحُسْنَ تَدْبِيرٍ، يَرَى ذَلِكَ شَجَاعَةً!
يَمْنَعُ هَذَا مِنْ عَرَقِهِ وَمُسْتَحَقِّهِ.
وَيَعْتَدِي عَلَى هَذَا فِي مُعَامَلَتِهِ وَحَقِّهِ.
يَجُورُ عَلَى زَوْجَتِهِ، وَلَا يَعْدِلُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ فِي عَطِيَّتِهِ وَهِبَتِهِ.
يَظْلِمُ الْمَسَاكِينَ الَّذِينَ تَحْتَ سُلْطَتِهِ وَسَطْوَتِهِ.
وَمَا عَلِمَ هَذَا الْمِسْكِينُ أَنَّ الظُّلْمَ عَارٌ وَشَنَارٌ، وَخُلُقٌ لِلْمُسْتَكْبِرِينَ وَالْفُجَّارِ! وَمَا عَرَفَ هَذَا الْمُسْرِفُ الْمُفْلِسُ وَمَا دَرَى أَنَّ الْمَظْلُومَ بِيَدِهِ دُعَاءٌ وَدَعْوَةٌ، وَلِسَانُ حَالِهِ:
سَتَعْلَمُ يَا ظَلُومُ إِذَا الْتَقَيْنَا … غَدًا عِنْدَ الْإِلَهِ مَنِ الظَّلُومُ
أَمَا وَاللهِ إِنَّ الظُّلْمَ شُؤْمٌ … وَمَا زَالَ الظَّلُومُ هُوَ الْمَلُومُ
إِلَى دَيَّانِ يَوْمِ الدِّينِ نَمْضِي … وَعِنْدَ اللهِ تَجْتَمِعُ الْخُصُومُ
نَعَمْ، دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ عِبَادَ اللهِ تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاوَاتِ، وَيَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: «وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ»!
كَمْ هُوَ مِسْكِينٌ ذَلِكَ الْمُفْلِسُ الْمُعْتَدِي الَّذِي امْتَهَنَ التَّكَسُّبَ بِالْحَرَامِ! يُسَوِّقُ بَضَائِعَهُ بِالْأَيْمَانِ الْكَاذِبَةِ فَيَخْدَعُ الْأَنَامَ، لَا يَتَوَرَّعُ عَنِ الْغِشِّ، وَلَا يَفْرُقُ قَلْبُهُ مِنَ الرِّبَا، الْحَلَالُ عِنْدَهُ مَا دَخَلَ فِي جَيْبِهِ بِأَيِّ وَسِيلَةٍ كَانَتْ، طَغَى عَلَيْهِ الْجَشَعُ فَأَكَلَ الْحَرَامَ وَمَا شَبِعَ، أَطْغَاهُ حُبُّ الْمَالِ وَنَسِيَ سُنَّةَ الْإِمْهَالِ!
مَا عَلِمَ الْمِسْكِينُ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُمْهِلُ وَلَا يُهْمِلُ! مَا عَلِمَ الْمِسْكِينُ أَنَّ هَذَا الْمَالَ عَارِيَةٌ مُسْتَرَدَّةٌ: مَنْ أَخَذَهُ بِالْكَسْبِ الْحَلَالِ فَعَلَيْهِ حِسَابٌ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِالْكَسْبِ الْحَرَامِ فَهُوَ شُؤْمٌ عَلَيْهِ وَعَذَابٌ.
وَمِنْ ذَلِكَ : هَذَا الْمَالُ الَّذِي تَكْسِبُهُ بِالْحَلَالِ مِنْ ذَلِكَ الْعَذَابُ النَّفْسِيُّ فِي الْآخِرَةِ وَأَنْتَ تَرَاهُ يُذْهَبُ بِهِ لِغَيْرِكَ الَّذِينَ اعْتَدَيْتَ عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَظَلَمْتَهُمْ!
فَكَمْ هُوَ مِسْكِينٌ وَاللهِ عِبَادَ اللهِ هَذَا الْمُفْلِسُ الْمُعْتَدِي! يَقْدَمُ عَلَى رَبِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَمِينُهُ مُلَطَّخَةٌ بِالْآثَامِ: أَخَذَ مَالَ هَذَا، وَشَتَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَشَوَّهَ سُمْعَةَ هَذَا، وَبَصَقَ عَلَى هَذَا، وَتَعَدَّى عَلَى هَذَا! كَمْ هُوَ مِسْكِينٌ وَاللهِ هَذَا الْإِنْسَانُ!
أَخْبِرُوهُ وَأَعْلِمُوهُ:
أَنَّ الْحِسَابَ غَدًا عَسِيرٌ.
وَالِاسْتِيفَاءَ بِالْقِطْمِيرِ.
وَأَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ؛ فَالْأَمْرُ خَطِيرٌ جِدُّ خَطِيرٍ!
فَلَيْسَ هُنَاكَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنَّمَا هِيَ سَيِّئَاتٌ وَحَسَنَاتٌ!
فَمَا أَعْظَمَ حَسْرَةَ الْمُفْلِسِينَ عِبَادَ اللهِ! وَمَا أَشَدَّ لَوْعَتَهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ! يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر: 17].
فَفِي غَدَاةِ غَزْوَةِ بَدْرٍ جَعَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَدِّلُ صُفُوفَ أَصْحَابِهِ لِلْقِتَالِ وَبِيَدِهِ سَهْمٌ، فَمَرَّ بِأَحَدِ أَصْحَابِهِ، مَرَّ بِسَوَادِ بْنِ غَزِيَّةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ وَهُوَ مُسْتَنْصِلٌ مِنَ الصَّفِّ -أَيْ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الصَّفِّ- فَطَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَطْنِهِ وَقَالَ لَهُ: «اسْتَوِ يَا سَوَادُ، قِفْ بِالصَّفِّ»، فَقَالَ سَوَادُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ أَوْجَعْتَنِي، إِنَّكَ أَوْجَعْتَنِي وَقَدْ بَعَثَكَ اللهُ بِالْعَدْلِ فَأَقِدْنِي -أَيْ أَعْطِنِي حَقِّي-.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اسْتَقِدْ يَا سَوَادُ، خُذْ حَقَّكَ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ طَعَنْتَنِي وَلَيْسَ عَلَيَّ قَمِيصٌ -أَيِ اكْشِفْ لِي عَنْ بَطْنِكَ-، فَكَشَفَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَطْنِهِ وَقَالَ لَهُ: «اسْتَقِدْ يَا سَوَادُ، خُذْ حَقَّكَ».
هُنَاكَ اعْتَنَقَهُ سَوَادُ وَجَعَلَ يُقَبِّلُ بَطْنَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: «مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا يَا سَوَادُ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، حَضَرَ مَا تَرَى، وَلَمْ آمَنِ الْقَتْلَ، فَأَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ الْعَهْدِ بِكَ أَنْ يَمَسَّ جِلْدِي جِلْدَكَ! لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ!
وَاللهِ كَمْ يَتَعَجَّبُ الْمَرْءُ مِنْ صَنِيعِ هَؤُلَاءِ الْكِرَامِ! كَمْ يَتَعَجَّبُ الْمَرْءُ مِنْ صَنِيعِ هَؤُلَاءِ! فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَيْرٍ.
وَهَكَذَا كَمْ يَتَعَجَّبُ الْمَرْءُ مِنَ الْعُظَمَاءِ! مَاذَا نَقُولُ عَنِ الْعُظَمَاءِ؟! مَاذَا نَقُولُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟!
الْعُظَمَاءِ الَّذِينَ لَا يَأْنَفُونَ مِنَ الِاقْتِصَاصِ وَإِرْجَاعِ الْحُقُوقِ لِأَهْلِهَا.
الْعُظَمَاءِ الَّذِينَ يَسْعَوْنَ لِسَلَامَةِ أَنْفُسِهِمْ وَالتَّحَلُّلِ مِنْ خُصُومِهِمْ.
الْعُظَمَاءِ الَّذِينَ يَتَسَامَحُونَ هُنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا قَبْلَ أَنْ يَقُولَ الْقَضَاءُ كَلِمَتَهُ هُنَاكَ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
تَحَلَّلِ الْيَوْمَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مِنْ كُلِّ كَلِمَةٍ جَارِحَةٍ قِيلَتْ، وَلَوْ صَغُرَتْ فِي عَيْنِكَ وَبَدَتْ.
تَحَلَّلِ الْيَوْمَ، وَانْزِعْ مِنْ نَفْسِكَ غُرُورَهَا قَبْلَ أَنْ تُنْزَعَ مِنْكَ حَسَنَاتُكَ وَأَنْتَ تَرَاهَا!
لِهَذَا بَيَّنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطُورَةَ هَذَا الْأَمْرِ، بَيَّنَ لَنَا خُطُورَةَ الْإِفْلَاسِ الْحَقِيقِيِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ الْمُسْلِمُ الَّذِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ كَأَمْثَالِ الْجِبَالِ؛ يَأْتِي بِصَلَاةٍ، وَزَكَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَصَدَقَاتٍ، وَغَيْرِهَا مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَالْخَيْرِ وَالْقُرُبَاتِ، وَلَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يَتَوَقَّفْ عِنْدَ حُدُودِ اللهِ، بَلْ تَرَكَ الْبَابَ مَفْتُوحًا أَمَامَ السَّيِّئَاتِ! يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَدِ اقْتَرَفَ الذُّنُوبَ فِي حَقِّ الْعِبَادِ، يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَدْ شَتَمَ النَّاسَ، وَظَلَمَهُمْ، وَقَذَفَهُمْ، وَسَلَبَ أَمْوَالَهُمْ، وَقَتَلَهُمْ! يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَذَا الظَّالِمُ، وَيَقِفُ هَذَا الْمُسْرِفُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ الْأَرْبَابِ لِلسُّؤَالِ وَالْحِسَابِ، كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24].
﴿وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ تَصَوَّرُوا مَعِي عِبَادَ اللهِ، تَصَوَّرُوا! وَبَيْنَ يَدَيِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يَقِفُ هَذَا الظَّالِمُ، هَذَا الْمُعْتَدِي، وَيَقِفُ حَوْلَهُ خُصُومُهُ الَّذِينَ ظَلَمَهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَاعْتَدَى عَلَيْهِمْ:
فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: رَبِّ هَذَا ظَلَمَنِي!
وَآخَرُ يَقُولُ: رَبِّ هَذَا شَتَمَنِي!
وَثَالِثٌ يَقُولُ: كَذَبَ عَلَيَّ وَخَدَعَنِي!
وَيَقُولُ غَيْرُهُ: جَاوَرَنِي فَأَسَاءَ الْجِوَارَ!
وَغَيْرُهُ يَقُولُ: سَرَقَ مِنِّي الْمَالَ وَالدَّارَ!
وَهَكَذَا يَتَعَلَّقُ الْمَظْلُومُونَ بِالظَّالِمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِبَادَ اللهِ؛ يَتَعَلَّقُونَ بِهِ وَيَجُرُّونَهُ جَرًّا لِيُوقِفُوهُ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ سُبْحَانَهُ جَلَّ فِي عُلَاهُ: هَذَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ يَدِهِ، وَهَذَا يَجُرُّهُ مِنْ ظَهْرِهِ، وَهَذَا آخِذٌ بِرَأْسِهِ، كُلُّهُمْ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ: «رَبَّنَا سَلْ هَذَا فِيمَا ظَلَمَنَا!».
فَمَا أَعْظَمَ الْحَسَرَاتِ فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ! تَصَوَّرْ يَا عَبْدَ اللهِ، تَصَوَّرْ وَأَنْتَ عَلَى بِسَاطِ الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ السَّمَاوَاتِ، بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، يَأْتِي عَلَيْكَ أَحَدُهُمْ: أَنْتَ ظَلَمْتَنِي، وَآخَرُ: أَنْتَ اغْتَبْتَنِي، وَآخَرُ: أَنْتَ قَذَفْتَنِي! هَكَذَا، فَكَمْ سَيَتَحَسَّرُ الظَّالِمُ؟! كَمْ سَيَتَحَسَّرُ الْمُعْتَدِي يَوْمَئِذٍ؟!
حِينَهَا يَتَحَيَّرُ هَذَا الْمِسْكِينُ بِكَثْرَتِهِمْ وَكَثْرَةِ مَطَالِبِهِمْ، وَعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْهُمْ؛ تُؤْخَذُ مِنْهُ حَسَنَاتُهُ الَّتِي تَعِبَ فِيهَا فِي الدُّنْيَا تُعْطَى لَهُمْ أَمَامَ عَيْنِهِ، وَلَا حَوْلَ لَهُ وَلَا قُوَّةَ! فَإِنْ فَنِيَتْ هَذِهِ الْحَسَنَاتُ وَبَقِيَ لَهُ خُصَمَاءُ أُخِذَ عِبَادَ اللهِ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ!
فَمَا أَشَدَّهَا مِنْ حَسْرَةٍ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ! لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ! مَا أَعْظَمَ الْكُرُبَاتِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ! يَوْمٌ لَا تَنْفَعُ فِيهِ الدَّمَعَاتُ، وَلَا الصَّرَخَاتُ، مِسْكِينٌ يَقِفُ هَذَا الْمُعْتَدِي مَهِينٌ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُظْهِرَ عُذْرًا، كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التحريم: 7].
لِذَا اعْلَمُوا أَنَّ أَعْرَاضَ الْمُسْلِمِينَ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ:
إِيَّاكُمْ أَنْ تَقِفُوا عَلَى شَفِيرِهَا بِالشَّتْمِ!
إِيَّاكُمْ أَنْ تَقِفُوا عَلَى شَفِيرِهَا بِالْقَذْفِ!
إِيَّاكُمْ أَنْ تَقِفُوا عَلَى شَفِيرِهَا بِالْغِيبَةِ!
إِيَّاكُمْ أَنْ تَقِفُوا عَلَى شَفِيرِهَا بِالنَّمِيمَةِ!
إِيَّاكُمْ بِالطَّعْنِ الْجَائِرِ وَالتَّصْنِيفِ الْمَائِلِ! إِيَّاكُمْ؛ فَكُلُّ ذَلِكَ وَاللهِ نُفُوقٌ فِي دَرَكَاتِ الْإِفْلَاسِ!
لِذَا يَتَوَجَّبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَاللهِ يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ وَيُؤْمِنُ بِيَوْمِ الدِّينِ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى حَسَنَاتِهِ مِنَ الضَّيَاعِ، نَعَمْ، وَذَلِكَ بِتَرْكِهِ لِلظُّلْمِ وَالتَّعَدِّي








