رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الغيبة في الشريعة الإسلامية
- رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الغيبة في الشريعة الإسلامية
- بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
- مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
- رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الغيبة في الشريعة الإسلامية
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
الغيبة في الشريعة الإسلامية: حقيقتها، وحكمها، والمواضع الستة المستثناة من التحريم
الغيبة من الذنوب العظيمة التي توافرت النصوص الشرعية في الدلالة على حرمتها والتنفير منها، وقد نقل العلماء الإجماع على تحريمها، وعدَّها المحققون من كبائر الذنوب؛ لما يترتب عليها من تمزيق وشائج المحبة، وإشاعة البغضاء في المجتمع.
بيد أن الشريعة الإسلامية – بما فيها من يسر ورفع للحرج، ومراعاة للمصالح ودفع للمفاسد – لم تُغلق باب التيسير على الناس، بل جعلت للغيبة مواضعَ تباح فيها لغرضٍ صحيحٍ شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها.
وسوف نقف مع هذا الموضوع من خلال العناصر التالية:
العنصر الأول: تعريف الغيبة لغةً وشرعًا، وبيان حكمها الأصلي في الشريعة
● أولًا: تعريف الغيبة لغةً
الغَيبة: بالفتح مصدر غاب، يقال: غاب الشيء يغيب غيبًا وغيبة وغيابًا، أي: بَعُدَ. والغِيبة: بالكسر أن يتكلم خلف إنسان مستور بما يغمه لو سمعه. فإن كان صدقًا سمي غيبة، وإن كان كذبًا سمي بهتانًا. <مختار الصحاح لزين الدين الرازي، ص: ٢٣١، ط. المكتبة العصرية؛ ولسان العرب لابن منظور، ١/ ٦٥٦، ط. دار صادر؛ وعمدة القاري للإمام بدر الدين العيني، ٢٢/ ١٢٧، ط. إحياء التراث العربي>.
● ثانيًا: تعريف الغيبة شرعًا
قال الإمام النووي في «الأذكار»: «الغيبة: هي ذِكرُك الإنسان بما فيه ممَّا يكره؛ سواء كان في بدنه أو دينه أو دنياه أو نفسه أو خَلْقه أو خُلُقه أو ماله أو ولده أو والده أو زوجه أو خادمه أو مملوكه أو عمامته أو ثوبه أو مشيته وحركته وبشاشته وخلاعته وعبوسه وطلاقته أو غير ذلك ممَّا يتعلق به؛ سواء ذكرتَه بلفظك أو كتابك أو رمزت أو أشرت إليه بعينك أو يدك أو رأسك أو نحو ذلك» <الأذكار للنووي، ص: ٥٣٥، ط. دار ابن حزم>.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري: «الحاصل أن الغيبة: وهي ذِكْرُ الإنسان بما فيه مما يكره ولو في ماله أو ولده أو زوجه أو نَحوِهَا مُحَرَّمَةٌ؛ سواء أذكره بلفظ أم كتابة أم إشارة بعين أو رأس أو يد أو نحوها» <أسنى المطالب لزكريا الأنصاري، ٣/ ١١٧، ط. دار الكتاب الإسلامي>.
● ثالثًا: حكم الغيبة الأصلي، وأدلته.
– الغيبة مُحَرَّمة بالقرآن والسُّنَّة والإجماع.
• أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَّعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات، رقم: ١٢].
قال الإمام الطبري في تفسيره: «حرَّم الله على المؤمن أن يغتاب المؤمن بشيء، كما حرَّم المَيْتة» <جامع البيان للطبري، ٢٢/ ٣٠٨، ط. مؤسسة الرسالة>.
وقال أيضًا عند تفسيره للآية الكريمة في خطابه تعالى للمؤمنين منزِّلًا الحسيَّ منزلة المعنوي: «أيحبّ أحدكم أيها القوم أن يأكل لحم أخيه بعد مماته ميتًا، فإن لم تحبوا ذلك وكرهتموه؛ لأن الله حرَّم ذلك عليكم، فكذلك لا تحبوا أن تغتابوه في حياته، فاكرهوا غيبته حيًّا كما كرهتم لحمه ميتًا؛ فإن الله حرَّم غيبته حيًّا، كما حرَّم أكل لحمه ميتًا» <جامع البيان للطبري، ٢٢/ ٣٠٨، ط. مؤسسة الرسالة>.
• وأما السُّنَّة: فعن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ». قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ، قَالَ: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ» <أخرجه مسلم في صحيحه>.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَمَّا عرج بي ربي مررت بقومٍ لهم أظفارٌ من نحاسٍ، يخمشون وجوههم وصدورهم. فقلت: مَن هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم النَّاس، ويقعون في أعراضهم» <أخرجه أبو داود في السنن، والإمام أحمد في المسند>.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ أكل لحم أخيه في الدنيا، قُرِّبَ إليه يوم القيامة، فيُقَالُ له: كُلْهُ حيًّا كما أكلته ميتًا؛ فيأكله، ويكْلَحُ ويصيحُ» <رواه الإمام الطبراني في المعجم الأوسط>.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: «وهذا الوعيد في هذه الأحاديث يدل على أن الغيبة من الكبائر» <فتح الباري لابن حجر العسقلاني، ١٠/ ٤٧٠، ط. دار المعرفة>.
• وأما الإجماع: فقد نقل الإمام النووي الإجماع على تحريم الغيبة؛ فقال في «الأذكار» عند تعرضه لحكم الغيبة والنميمة: «هما محرمتان بإجماع المسلمين» <الأذكار للنووي، ص: ٣٣٦، ط. دار الفكر>.
وعدَّها العلامة ابن حجر الهيتمي من الكبائر؛ حيث قال: «الكبيرة الثامنة والتاسعة والأربعون بعد المائتين: الغيبة والسكوت عليها رضًا وتقريرًا» <الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي، ٢/ ٨، ط. دار الفكر>.
العنصر الثاني: المواضع الستة التي تجوز فيها الغيبة، ودليل كل موضع
قال الإمام النووي رحمه الله: «اعلم أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها وهو ستة أسباب» <رياض الصالحين للنووي، ص: ٤٥٠-٤٥١>.
وقد نظمها الإمام كمال الدين ابن أبي شريف في قوله:
الذَّمُّ لَيْسَ بِغِيبَةٍ فِي سِتَّةٍ *** مُتَظَلِّمٍ وَمُعَرِّفٍ وَمُحَذِّرِ
وَلِمُظْهِرٍ فِسْقًا وَمُسْتَفْتٍ وَمَنْ *** طَلَبَ الْإِعَانَةَ فِي إِزَالَةِ مُنْكَرِ
فهذه ستة أسباب ذكرها العلماء وأكثرها مجمع عليه، ودلائلها من الأحاديث الصحيحة المشهورة <رياض الصالحين للنووي، ص: ٤٥١>.
● الأول: التَّظَلُّم
فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية أو قدرة على إنصافه من ظالمه، فيقول: ظلمني فلان بكذا <رياض الصالحين للنووي، ص: ٤٥٠>.
• دليله: قال تعالى: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء، رقم: ١٤٨].
قال الإمام النووي: «ودليل جواز إباحة الغيبة للمتظلم قوله تعالى: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٨]» <رياض الصالحين للنووي، ص: ٤٥١>.
● الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر
ويكون برد العاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا فازجره عنه ونحو ذلك، ويكون مقصوده التوصل إلى إزالة المنكر، فإن لم يقصد ذلك كان حرامًا <رياض الصالحين للنووي، ص: ٤٥٠>.
• دليله: حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر أصاب الناس فيه شدة فقال عبد الله بن أبي: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك فأرسل إلى عبد الله بن أبي فاجتهد يمينه ما فعل، فقالوا: كذب زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقع في نفسي مما قالوه شدة حتى أنزل الله تعالى تصديقي: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون، رقم: ١] ثم دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم فلووا رؤوسهم. <متفق عليه>.
● الثالث: الاستفتاء
• فيقول للمفتي: ظلمني أبي، أو أخي، أو زوجي، أو فلان بكذا، فهل له ذلك؟ وما طريقي في الخلاص منه، وتحصيل حقي، ودفع الظلم؟ ونحو ذلك، فهذا جائز للحاجة <رياض الصالحين للنووي، ص: ٤٥٠>.
• والأحوط والأفضل: أن يقول: ما تقول في رجلٍ أو شخصٍ أو زوجٍ كان مِن أمره كذا، فإنه يحصل به الغرض من غير تعيين، ومع ذلك فالتعيين جائز <رياض الصالحين للنووي، ص: ٤٥٠>.
• دليله: حديث هند وقولها للنبي صلى الله عليه وسلم: «إن أبا سفيان رجل شحيح» <أخرجه البخاري في صحيحه>.
● الرابع: تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم
• وذلك من وجوهٍ <رياض الصالحين للنووي، ص: ٤٥٠>:
• الوجه الأول: جرح المجروحين من الرواة والشهود، وذلك جائز بإجماع المسلمين، بل واجب للحاجة <رياض الصالحين للنووي، ص: ٤٥٠>.
• الوجه الثاني: المشاورة في مصاهرة إنسان، أو مشاركته، أو إيداعه، أو معاملته، أو غير ذلك، أو مجاورته، ويجب على المُشاوَرِ ألا يُخفيَ حالَه، بل يذكر المساوئ التي فيه بنيَّةِ النصيحة <رياض الصالحين للنووي، ص: ٤٥٠>.
• الوجه الثالث: إذا رأى متفقهًا يتردد إلى مبتدعٍ أو فاسقٍ يأخذ عنه العلمَ، وخاف أن يتضرَّر المتفقِّه بذلك، فعليه نصيحته؛ ببيان حاله، بشرط أن يقصِدَ النصيحة، وهذا مما يُغلَط فيه، وقد يحمل المتكلم بذلك الحسد، ويلبس الشيطان عليه ذلك، ويخيل إليه أنه نصيحة، فليتفطَّن لذلك! <رياض الصالحين للنووي، ص: ٤٥٠>.
• الوجه الرابع: أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها، إما بألا يكونَ صالحًا لها، وإما بأن يكون فاسقًا، أو مغفلًا، ونحو ذلك، فيجب ذِكر ذلك لمن له عليه ولاية عامة ليزيله، ويولي من يصلح، أو يعلم ذلك منه ليعامله بمقتضى حاله، ولا يغتر به، وأن يسعى في أن يحثه على الاستقامة، أو يستبدل به <رياض الصالحين للنووي، ص: ٤٥٠>.
• أدلته: عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة» <أخرجه مسلم في صحيحه>، وقوله صلى الله عليه وسلم: «ائذنوا له بئس أخو العشيرة» <أخرجه البخاري في صحيحه>، وقوله لفاطمة بنت قيس: «أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه» <أخرجه مسلم في صحيحه، وانظر: رياض الصالحين للنووي، ص: ٤٥١>.
● الخامس: أن يكون مجاهرًا بفسقه أو بدعته
• كالمجاهر بشُرب الخمر، ومصادرة الناس، وأخذ المكس، وجباية الأموال ظلمًا، وتولي الأمور الباطلة، فيجوز ذكره بما يجاهر به، ويحرُمُ ذِكره بغيره من العيوب، إلا أن يكون لجوازه سبب آخر مما ذكرناه <رياض الصالحين للنووي، ص: ٤٥٠>.
• دليله: قوله صلى الله عليه وسلم: «ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئا» <رواه البخاري>، وقوله صلى الله عليه وسلم في المرأة التي كانت تظهر السوء في الإسلام: «لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمت هذه» <أخرجه مسلم في صحيحه، وانظر: رياض الصالحين للنووي، ص: ٤٥١>.
● السادس: التعريف
• فإذا كان الإنسان معروفًا بلقبٍ، كالأعمش، والأعرج، والأصم، والأعمى، والأحول، وغيرهم، جاز تعريفُهم بذلك، ويحرُمُ إطلاقُه على جهة التنقُّص، ولو أمكن تعريفهم بغير ذلك كان أَوْلى <رياض الصالحين للنووي، ص: ٤٥٠-٤٥١>.
• دليله: حديث: فقام رجل يقال له ذو اليدين <أخرجه البخاري في صحيحه>، واتفاق العلماء على ذكر الرواة ونحوهم بأوصافهم التي يعرفون بها وإن كانت مذمومة كالأحول والأعرج والأعمش ونظائر ذلك كثيرة <رياض الصالحين للنووي، ص: ٤٥١>.
العنصر الثالث: ضابط الغيبة المحرمة، وحكم سامعها، وحكم الفضفضة
● أولًا: ضابط الغيبة المنهي عنها
ضابط الغيبة المنهي عنها في الآية الكريمة هو ذكر المرء بِمَا فيه مما يَكْرَهُ في دينه أو دنياه أو أهله أو غير ذلك مما يتعلق به؛ سواء كان ذلك باللفظ أو بالإشارة أو الرمز، وإذا ذكره بما ليس فيه كان بهتانًا؛ وهي محرمة شرعًا <ضابط الغيبة في قوله تعالى: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا)، دار الإفتاء المصرية، بتاريخ: 2023-03-05>.
قال العلامة ابن حجر الهيتمي: «لا فرق في الغيبة بين أن تكون في غيبة المغتاب أو بحضرته، هو المعتمد» <الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي، ٢/ ٢٦، ط. دار الفكر>.
● ثانيًا: حكم سامع الغيبة
قال الإمام المناوي: « كما يحرم على المغتاب يحرم على السامع سماعها وإقرارها؛ فيلزم السامع نهيه إن لم يخف ضررًا، فإن خافه لزمه الإنكار بقلبه، ومفارقة المجلس» <فيض القدير للمناوي، ٦/ ٧٧، ط. دار المعرفة>.
● ثالثًا: حكم ما يُسمى بالفضفضة أو التنفيس عن النفس
أما حديث الإنسان مع غيره بما يضيق به صدره ويصعب عليه تحمله -وهو ما يسمى بالتنفيس عن النفس أو الفضفضة-؛ فلا يدخل في معنى الغيبة المحرمة ما دام أنَّه من قبيل الاستشارة المنضبطة لغرض إيجاد الحلول وطلب النصيحة. فقول الإنسان: فلان ظلمني أو آذاني أو غير ذلك: قائم مقام قوله: ماذا أفعل؟ أو كيف أتصرف؟ وكلُّ هذا جائز شرعًا، لكن بشرط أن يقتصر على ما يحقق المطلوب ولا يتعدَّى؛ فيقع في دائرة اللغو الذي لا فائدة منه <ضابط الغيبة في قوله تعالى: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا)، دار الإفتاء المصرية، بتاريخ: 2023-03-05>.
العنصر الرابع: حكم التوبة من الغيبة وكيفيتها، والخلاف في التحلل ممن اغتيب
● أولًا: وجوب التوبة من الغيبة
التوبة من المعصية واجبة شرعًا باتفاق الفقهاء؛ لأنها من أهم قواعد الإسلام. قال الإمام القرطبي عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور، رقم: ٣١]: «قوله تعالى ﴿وَتُوبُوا﴾: أمر، ولا خلاف بين الأمة في وجوب التوبة، وأنها فرض متعين» <الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ١٢/ ٢٣٨>.
وقال أيضًا: «لا خلاف أنَّ الغيبة من الكبائر، وأنَّ مَن اغتاب أحدًا عليه أن يتوبَ إلى الله عزَّ وجلَّ» <الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ١٦/ ٣٣٧، ط. دار الكتب المصرية>.
● ثانيًا: شروط التوبة من الغيبة
تتحقق التوبة من الغيبة بشروط؛ الندم على ما صدر من غيبة، والإقلاع عنها، والاستغفار من هذا الذنب الجسيم، والإخلاص في التوبة إلى الله عزَّ وجلَّ منه، مع العزم على عدم الرجوع إليه مرة أخرى، حتى تكون التوبة توبة نصوحًا، كما يلزم الدعاء والاستغفار لِمَن وقعت عليه الغيبة، ومحاولة ذكر محاسنه ومدحه في مواطن غيبته <كيفية التوبة من الغيبة، دار الإفتاء المصرية، بتاريخ: 2023-04-20>.
ودليل قبول التوبة عمومًا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء، رقم: ١١٠].
وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى، رقم: ٢٥].
وعن أبي عبيدة بن عبد الله عن أبيه رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» <أخرجه ابن ماجه والبيهقي في السنن، والطبراني في الكبير>.
● ثالثًا: الخلاف الفقهي في اشتراط التحلل ممن اغتيب، وأدلة كل رأي
الرأي الأول: ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة في رواية إلى أن مَن اغتيب إذا لم يعلم بالغيبة: فلا يلزم المغتاب التحلل منه، بل يكفي الاستغفار له؛ لأن إعلامه مما يدخل الغم والكدر على قلبه، وربما كان سببًا لعدم عفوه وصفحه عن المغتاب، بخلاف ما لو علم بالغيبة: لزم المغتاب التحلل ممن اغتيب <كيفية التوبة من الغيبة، دار الإفتاء المصرية، بتاريخ: 2023-04-20>.
• أدلتهم:
· قال علاء الدين الحصكفي الحنفي في «الدر المختار» في أحكام الغيبة: «إذا لم تبلغه يكفيه الندم، وإلا شرط بيان كل ما اغتابه به» <الدر المختار للحصكفي، ٦/ ٤١٠، ط. دار الفكر>.
· وقال العلامة ابن عابدين في «رد المحتار» محشّيًا عليه: «(قوله وإلا شرط بيان كل ما اغتابه به): أي مع الاستغفار والتوبة، والمراد أن يبين له ذلك ويعتذر إليه ليسمح عنه بأن يبالغ في الثناء عليه والتودد إليه ويلازم ذلك حتى يطيب قلبه، وإن لم يطب قلبه كان اعتذاره وتودده حسنة يقابل بها سيئة الغيبة في الآخرة، وعليه أن يخلص في الاعتذار، وإلا فهو ذنب آخر ويحتمل أن يبقى لخصمه عليه مطالبة في الآخرة، لأنه لو علم أنه غير مخلص لما رضي به» <رد المحتار لابن عابدين، ٦/ ٤١٠، ط. دار الفكر>.
· وقال أبو الليث السمرقندي الحنفي في «تنبيه الغافلين»: «قد تكلم الناس في توبة المغتاب، هل تجوز من غير أن يستحل من صاحبه؟ قال بعضهم: يجوز، وقال بعضهم: لا يجوز ما لم يستحل من صاحبه. وهو عندنا على وجهين: إن كان ذلك القول قد بلغ إلى الذي اغتابه؛ فتوبته أن يستحل منه، وإن لم يبلغ: فليستغفر الله تعالى ويضمر أن لا يعود إلى مثله» <تنبيه الغافلين للسمرقندي، ص: ١٦٦، ط. دار ابن كثير>.
· وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في «أسنى المطالب»: «(ويستغفر الله) تعالى (من الغيبة) إن لم يعلم صاحبها بها (فإن علم صاحبها) بها (استحل منه لا من وارثه) بعد موته. عبارة الأصل: فإن تعذر استحلاله لموته، أو تعسر لغيبته البعيدة: اسْتَغْفَرَ الله تعالى، ولا اعتبار بتحليل الورثة» <أسنى المطالب لزكريا الأنصاري، ٤/ ٣٥٧، ط. دار الكتاب الإسلامي>.
· وقال الشيخ البهوتي الحنبلي في «كشاف القناع»: «(وقيل:) يشترط إعلامه (إن علم به المظلوم، وإلا دعا له واستغفر ولم يعلمه. ذكره الشيخ عن أكثر العلماء)» <كشاف القناع للبهوتي، ٦/ ١١٥، ط. دار الكتب العلمية>.
· وقال نجم الدين ابن قدامة الحنبلي في «مختصر منهاج القاصدين»: «وأما كفارة الغيبة، فاعلم أن المغتاب قد جنى جنايتين: إحداهما: على حق الله تعالى، إذ فعل ما نهاه عنه، فكفارة ذلك التوبة والندم. والجناية الثانية: على محارم المخلوق؛ فإن كانت الغيبة قد بلغت الرجل جاء إليه واستحله وأظهر له الندم على فعله. وإن كانت الغيبة لم تبلغ الرجل جعل مكان استحلاله: الاستغفار له؛ لئلا يخبره بما لا يعلمه، فيُوغر صدره، وقد ورد في الحديث: «كَفَّارَةُ مَن اغْتَبتَ أَن تَسْتَغْفِرَ لَهُ»» <مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة، ص: ١٧٣-١٧٤، ط. دار البيان>.
الرأي الثاني:
ذهب المالكية إلى وجوب التحلل ممن اغتيب سواء علم بالغيبة أو لم يعلم، ولو بالبراءة المجهول متعلقها، نحو قول المغتاب للذي اغتيب: قد اغتبتك فاجعلني في حِلٍّ دون أن يبين له ما اغتابه به <كيفية التوبة من الغيبة، دار الإفتاء المصرية، بتاريخ: 2023-04-20>.
• دليلهم:
· قال شهاب الدين النفراوي المالكي في «الفواكه الدواني»: «الغيبة لها جهتان: إحداهما من حيث الإقدام عليها، والأخرى من حيث أذية المغتاب، فالأولى: تنفع فيها التوبة بمجردها، والثانية: لا بد فيها مع التوبة من طلب عفو المغتاب عن صاحبها، ولو بالبراءة المجهول متعلقها عندنا» <الفواكه الدواني للنفراوي، ٢/ ٢٨٠، ط. دار الفكر>.
الرأي الثالث:
– ذهب الحسن البصري ومجاهد وأبو عبد الله الحناطي من الشافعية والحنابلة في الصحيح عندهم إلى: أنه لا يلزم المغتاب التحلل ممن اغتيب مطلقًا سواء علم أو لم يعلم، بل تكفي التوبة والندم والاستغفار <كيفية التوبة من الغيبة، دار الإفتاء المصرية، بتاريخ: 2023-04-20>.
• أدلتهم:
· قال محيي الدين النووي الشافعي في «روضة الطالبين»: «وأما الغيبة إذا لم تبلغ المغتاب، فرأيت في «فتاوى الحناطي» أنه يكفيه الندم والاستغفار وإن بلغته» <روضة الطالبين للنووي، ٨/ ٢٢١، ط. دار الكتب العلمية>.
· وقال حجة الإسلام الغزالي الشافعي في «إحياء علوم الدين»: «اعلم أن الواجب على المغتاب أن يندم ويتوب ويتأسف على ما فعله ليخرج به من حق الله سبحانه، ثم يستحل المغتاب ليحله فيخرج من مظلمته.. وقال الحسن: يكفيه الاستغفار دون الاستحلال، وربما استدل في ذلك بما روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «كَفَّارَةُ مَن اغْتَبْتَه أَن تَسْتَغْفِرَ لَهُ» وقال مجاهد: كفارة أكلك لحم أخيك أن تثني عليه وتدعو له بخير» <إحياء علوم الدين للغزالي، ٣/ ١٥٣، ط. دار المعرفة>.
· وقال علاء الدين المرداوي الحنبلي في «الإنصاف»: «لا يشترط لصحة توبة من قذف وغيبته ونحوهما: إعلامه، والتحلل منه على الصحيح من المذهب» <الإنصاف للمرداوي، ١٠/ ٢٢٥، ط. دار إحياء التراث العربي>.
· وقال الشيخ البهوتي الحنبلي في «كشاف القناع»: «(فصل) (وتجب التوبة) فورًا (من القذف والغيبة وغيرهما) ظاهره ولو من صغيرة، وإن كانت تكفر باجتناب الكبائر؛ لعموم الأدلة (ولا يشترط لصحتها) أي: التوبة (من ذلك) أي: القذف والغيبة ونحوهما (إعلامُه) أي: المقذوف أو المغتاب ونحوه» <كشاف القناع للبهوتي، ٦/ ١١٥، ط. دار الكتب العلمية>.
● رابعًا: المختار للفتوى
الذي نختاره للفتوى وعليه العمل: أنه لا يشترط لصحة التوبة من الغيبة تحلل المغتاب ممن اغتيب؛ كما هو مذهب الحسن البصري، ومجاهد، وأبو عبد الله الحناطي من الشافعية والحنابلة في صحيح مذهبهم، واختاره الشيخ ابن تيمية؛ لأن إعلامه مما يدخل الكدر والغم على قلبه، وربما أورث ضررًا وعداوة بينهما تولد شرًّا أكبر من الغيبة، وهذا مما يناقض مقصود الشارع في تحقق التعاطف والتراحم والمحبة بين الناس؛ إذ اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات، فكانت المفسدة في إعلام من اغتيب بالغيبة أعظم من التحلل منها، وقد تقرر في قواعد الشرع الشريف: «دَرْءُ الْمَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ»؛ كما في «الأشباه والنظائر» للحافظ السيوطي (ص: ٨٧، ط. دار الكتب العلمية) <كيفية التوبة من الغيبة، دار الإفتاء المصرية، بتاريخ: 2023-04-20>.
قال ابن القيم في «مدارج السالكين»: «والقول الآخر: أنه لا يشترط الإعلام بما نال من عرضه وقذفه واغتيابه، بل يكفي توبته بينه وبين الله، وأن يذكر المغتاب والمقذوف في مواضع غيبته وقذفه بضد ما ذكره به من الغيبة، فيبدل غيبته بمدحه والثناء عليه، وذكر محاسنه، وقذفه بذكر عفته وإحصانه، ويستغفر له بقدر ما اغتابه، وهذا اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية، قدس الله روحه. واحتج أصحاب هذه المقالة بأن إعلامه مفسدة محضة لا تتضمن مصلحة، فإنه لا يزيده إلا أذى وحنقًا وغمًّا، وقد كان مستريًحا قبل سماعه، فإذا سمعه ربما لم يصبر على حمله، وأورثته ضررًا في نفسه أو بدنه، كما قال الشاعر: فإن الذي يؤذيك منه سماعه … وإن الذي قالوا وراءك لم يقل وما كان هكذا فإن الشارع لا يبيحه، فضلًا عن أن يوجبه ويأمر به. قالوا: وربما كان إعلامه به سببًا للعداوة والحرب بينه وبين القائل، فلا يصفو له أبدًا، ويورثه علمُه به عداوةً وبغضاءً مولِّدَةً لِشَرٍّ أكبر من شر الغيبة والقذف، وهذا ضد مقصود الشارع من تأليف القلوب، والتراحم والتعاطف والتحابب» <مدارج السالكين لابن القيم، ١/ ٣٠٠-٣٠١، ط. دار الكتاب العربي>.
وقال الشيخ البهوتي في «كشاف القناع»: «وقال) الشيخ -يعني: ابن تيمية- (وعلى الصحيح من الروايتين: لا يجب الاعتراف) للمظلوم» <كشاف القناع للبهوتي، ٦/ ١١٥، ط. دار الكتب العلمية>.
العنصر الخامس: تنبيهات مهمة وضوابط جامعة في الغيبة المباحة
● أولًا: الغيبة تباح لغرضٍ صحيحٍ شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها، فمتى تحقق الغرض بدونها حرمت <رياض الصالحين للنووي، ص: ٤٥٠>.
● ثانيًا: هذه المواضع الستة ذكرها العلماء وأكثرها مجمع عليه، ودلائلها من الأحاديث الصحيحة المشهورة <رياض الصالحين للنووي، ص: ٤٥١>.
● ثالثًا: يجب على المتكلم في هذه المواضع أن يقصد النصيحة، لا الإيذاء والإفساد؛ فإن الشيطان قد يحمل المتكلم على الحسد ويلبس عليه ذلك، ويخيل إليه أنه نصيحة، فليتفطن لذلك <رياض الصالحين للنووي، ص: ٤٥٠>.
● رابعًا: من تكلم في الاستعانة على إزالة المنكر بغير قصد التوصل إلى إزالة المنكر كان كلامه حرامًا <رياض الصالحين للنووي، ص: ٤٥٠>.
● خامسًا: المجاهر بفسقه يجوز ذكره بما يجاهر به فقط، ويحرم ذكره بغيره من العيوب، إلا أن يكون لجوازه سبب آخر <رياض الصالحين للنووي، ص: ٤٥٠>.
● سادسًا: التعريف باللقب جائز، ويحرم إطلاقه على جهة التنقص، ولو أمكن التعريف بغير ذلك كان أولى <رياض الصالحين للنووي، ص: ٤٥٠-٤٥١>.
● سابعًا: ومن صور التحذير: إذا رأيت من يشتري شيئًا معيبًا، أو شخصًا يصاحب إنسانًا سارقًا أو زانيًا أو ينكحه قريبة له، أو نحو ذلك، فإنك تذكر لهم ذلك على وجه النصيحة، لا بقصد الإيذاء والإفساد <متى تجوز الغيبة؟، الإسلام سؤال وجواب، بتاريخ: 2007-11-16>.
● ثامنًا: ومن الصور المعاصرة للتحذير: إذا سُئلت عن شخص تقدم لخطبة فتاة، وأنت تعلم أنه مستمر في ارتكاب فعل غير أخلاقي حتى الآن ولم يقتلع عنه، وتعلم أن هذه المشكلة قد يترتب عليها بعد ذلك فساد الحياة الزوجية، فلا بد أن تكون أمينًا في قولك <6 حالات تكون الغيبة فيها مباحة، مصراوي، بتاريخ: 2019-01-02>.
● تاسعًا: الفضفضة والتنفيس عن النفس لا يدخل في الغيبة المحرمة إذا كان من قبيل الاستشارة المنضبطة لغرض إيجاد الحلول وطلب النصيحة <ضابط الغيبة في قوله تعالى: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا)، دار الإفتاء المصرية، بتاريخ: 2023-03-05>.
اللهم طهِّر ألسنتنا من الغيبة والنميمة، وقلوبنا من الحسد والضغينة، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًّا للذين آمنوا إنك رءوف رحيم.







