رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فقه سورة القارعة

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فقه سورة القارعة
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
قال تعالى تعالى: {الْقَارِعَة (1) مَا الْقَارِعَة (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَة (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوث (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوش (5) فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُه (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَة (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُه (
فَأُمُّهُ هَاوِيَة (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَه (10) نَارٌ حَامِيَة (11)} [القارعة].
من سور القرآن العظيم التي تتكرر على أسماعنا، وتحتاج منا إلى تأمل وتدبر: سورة القارعة
تعريف سورة القارعة وبيان عظمتها .
– سورة القارعة من السور المكية التي نزلت لتهز القلوب وتزلزل النفوس بتصوير أهوال يوم القيامة، وهي قصيرة الآيات عظيمة المعاني، افتتحها الله بلفظ “القارعة” الذي يُرعب السامع ويوقظ الغافل.
● سبب التسمية:
“سميت القارعة لأنها تقرع الناس بأهوالها، أي تضربهم وتزلزلهم”.
القارعة هي التي تقرع الناس بالأهوال والإفزاع ، وذلك في السماوات بالانشقاق والانفطار ، وفي الشمس والقمر بالتكور ، وفي الكواكب بالانتثار ، وفي الجبال بالدك والنسف ، وفي الأرض بالطي والتبديل ، وهو قول الكلبي
● مكانتها في القرآن:
بعد سورة قريش، وقيل: سورة القيامة.
، وتعالج قضية البعث والجزاء بأسلوب يركز على مفاجأة القيامة التي لا يتوقعها الغافلون.
أولاً: معنى “القارعة” وأهوالها في القرآن والسنة
قال سبحانه: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة، رقم: ١-٣].
● المعنى اللغوي:
“القارعة” اسم من أسماء يوم القيامة، مأخوذة من القَرع وهو الطرق الشديد، وكأنها تقرع القلوب بفزعها، وتقرع الأسماع بضوضائها.
و “القارعة: الداهية العظيمة، ومنه سميت سورة القارعة لما فيها من ذكر أهوال القيامة”.
و«قوله تعالى: {الْقَارِعَة (1)}: المراد التي تفزع القلوب وتقرعها وذلك عند النفخ في الصور، كما قال تعالى: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِين (87)} [النمل]. فهي تفزع القلوب بعد قرع الأسماع، وهذه القارعة قارعة عظيمة لا نظير لها قبل ذلك، وهي من أسماء يوم القيامة؛ كما تسمى الغاشية، والحاقة، والطامة الكبرى، والصاخة، وغيرها».
وقوله تعالى: {مَا الْقَارِعَة (2)}: «استفهام بمعنى التعظيم والتفخيم، يعني: ما هي القارعة التي ينوه عنها؟!»
● التكرار في الآيات:
كرر الله الاسم ثلاث مرات للتأكيد والتهويل، ثم قال ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ أي: أي شيء أعلمك بحقيقتها؟ فهي فوق تصور البشر، لا يحيط بعظمتها إلا خالقها.
فقوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَة (3)}: « هذا زيادة في التفخيم والتعظيم والتهويل، يعني: أي شيء أعلمك عن هذه القارعة؟ أي ما أعظمها! وما أشدها! ».
ثانياً: تصوير مشاهد القيامة الكونية المدمرة
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة، رقم: ٤-٥].
● تشبيه الناس بالفراش المبثوث:
“الفراش” هي الحشرات الصغيرة التي تتزاحم عند وجود النار في الليل
“المبثوث” أي المتفرق المنتشر. يشبه الله الناس يومئذ بالفراش الذي يضطرب ويتحير لا يدري أين يذهب من شدة الهول. قال ابن كثير: “يتساقطون في النار سقوط الفراش، وهم حائرون مذعورون”.
«قوله تعالى: {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوث (4)} أي: أنها تكون في ذلك الوقت يوم يكون الناس كالفراش المبثوث حين يخرجون من قبورهم، قال العلماء: يكونون كالفراش المبثوث، والفراش هي الحشرات الصغيرة التي تتزاحم عند وجود النار في الليل، وهي ضعيفة وتكاد تمشي بدون هدى وتتراكم، وربما لطيشها تقع في النار وهي لا تدري؛ فهم يشبهون الفراش في ضعفه وحيرته وتراكمه وسيره إلى غير هدى؛ {الْمَبْثُوث} يعني: المنتشر، فهو كقوله تعالى: {خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِر (7)} [القمر]. يعني: لو تصوَّرتَ هذا المشهد يخرج الناس من قبورهم على هذا الوجه، لتصوَّرتَ أمراً عظيمًا لا نظير له.
هذا العالم من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة: كلهم يخرجون خروج رجل واحد في آن واحد من هذه القبور المبعثرة في مشارق الأرض ومغاربها، ومن غير القبور كالذي أُلقي في لجة البحر، أو أكلته الحيتان، أو في فلوات الأرض وأكلته السباع أو احترق جسده، أو ما أشبه ذلك: كلهم سيخرجون مرة واحدة إلى أرض الحشر.»
● تشبيه الجبال بالعهن المنفوش:
“العهن” هو الصوف المصبوغ .
“المنفوش” أي المضروب المنتفش.
الجبال الشامخة الصلبة تصير يوم القيامة كالصوف الخفيف الذي تذريه الرياح. وهذا تأكيد لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه، رقم: ١٠٥]
«وقوله تعالى: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوش (5)}، هذه الجبال العظيمة الراسية تكون كالعهن أي الصوف، وقيل: القطن المنفوش أي المبعثر سواء نفشته بيدك أو بالمنداف، فإنه يكون خفيفًا يتطاير مع أدنى ريح، كما قال تعالى: {وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا (6)} [الواقعة]. وكما قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106)} [طه].»
«تُبْدَلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ، ويُبْعَثُ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِمْ»
ثالثاً: تفصيل الميزان ومفاجأة الثقيل والخفي
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة، رقم: ٦-١١].
قوله{مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُه}: فهو الذي رجحت حسناته على سيئاته
● مفهوم الموازين:
الموازين جمع ميزان، وهو آلة العدل الإلهي التي توزن بها الأعمال والإجسام يوم القيامة. ليست موازين مادية فقط، بل هي عدل الله المطلق، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء، رقم: ٤٧].
● ثقل الموازين:
من ثقلت موازينه بحسناته ورجحت على سيئاته، فهو في “عيشة راضية” أي حياة مرضية يرضاها صاحبها، وهي عيشة الجنة التي لا نصب فيها ولا تعب.
فقوله {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَة (7)} أي حياة طيبة ليس فيها نكد ولا صخب، بل هي كاملة من جميع الوجوه، قال تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُور (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوب (35)} [فاطر].
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّة (7) جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّه (8)} [البينة].
● خفة الموازين:
وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُه (8)}: وهو الذي رجحت سيئاته على حسناته،
أو كثرت سيئاته، أو الذي ليست له حسنات أصلاً كالكافر، لأنه يجازى على حسناته في الدنيا، فإذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له عند اللَّه نصيب؛ روى مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي اللهُ عنه: أن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ؛ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا للَّهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ، لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا» <مسلم برقم 2808)>
فمأواه “هاوية” وهي من أسماء جهنم لأنها تهوي بصاحبها إلى أسفل سافلين.
وقوله تعالى: {فَأُمُّهُ هَاوِيَة (9)}: « أي أن مآله إلى نار جهنم والهاوية من أسماء النار، وقيل: المراد بالأم هنا أم الدماغ، والمعنى أنه يلقى في النار على أم رأسه؛ ولا مانع من اجتماع الأمرين، فيقال: يرمى في النار على أم رأسه، وليس له مأوى ولا مقصد إلا النار.»
● بيان الهاوية:
ثم قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ تهويل ثان، ثم بينها: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ أي شديدة الحرارة.
وقوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَه (10) نَارٌ حَامِيَة (11)}، هذا من باب التفخيم والتعظيم لهذه الهاوية: يسأل ما هي؟ ثم يجيب: إنها نار حامية في غاية ما يكون من الحرارة، وقد قال النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي اللهُ عنه: «إنها فُضِّلَتْ عَلَى نَارِ الدُّنيَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا» <البخاري برقم 3265، وصحيح مسلم ص 1141 برقم 2843)>.
وإذا تأملت نار الدنيا كلها سواء نار الحطب أو الورق أو الفرن أو أشد من ذلك، فإن نار جهنم مفضَّلة عليها بتسعة وستين جزءًا، نسأل اللَّه السلامة والعافية.
قال تعالى: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ صفة دالة على شدة الإحراق.
لقد أعد اللَّه لأعدائه من العذاب والنكال الكثير ، ففي هذه السورة أخبر عن شدة حرارتها، وفي آية أخرى عن هولها وشدة عذابها، فقال: {كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى (16) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (18)} [المعارج].
وأخبر في آية أخرى أن حطب النار التي توقد بها جثث بني آدم هي حجارة من الكبريت الأسود، فقال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون (6)} [التحريم]. وقال سبحانه: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلاتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيد (30)} [ق].
روى مسلم في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن مسعود رضي اللهُ عنه: أن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا» <مسلم برقم 2842)>
خامساً: التطبيقات الإيمانية والسلوكية من السورة
● أولاً: استحضار هول يوم القارعة:
ينبغي للمؤمن أن يعيش قلبه مع أهوال القيامة، لا كما يعيش الغافلون الذين قال الله عنهم: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى، رقم: ١٦-١٧].
● ثانياً: العمل لثقل الموازين:
· الإكثار من الحسنات، خاصة التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير.
· الصدقة ولو بالقليل، فإنها تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار.
· صلة الرحم وحسن الخلق، فقد قال النبي ﷺ: «مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ» <أخرجه أبو داود (4799)، وأحمد (27517) مختصراً، والترمذي (2002) باختلاف يسير من حديث أبي الدرداء >
●ينبغي للمؤمن أن يقي نفسه من عذاب اللَّه، وهذه الوقاية تكون بفعل الخير ولو بأقل القليل؛ روى مسلم في صحيحه من حديث عدي بن حاتم رضي اللهُ عنه: أن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» < مسلم برقم 1016)>.
● ثالثاً: الخوف من خفة الموازين:
ومن خفت موازينه بسبب المعاصي، فعليه بالتوبة والاستغفار، فإن الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.
● رابعاً: الدعاء بخشية يوم القارعة:
كان النبي ﷺ يدعو: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» <أخرجه البخاري (1377)، ومسلم (588)>
● السورة الكريمة سكتت عمن تساوت حسناته وسيئاته، ولكن بيَّن اللَّه تعالى في سورة الأعراف أنهم لا يدخلون النار، وإنما يحبسون في مكان يقال له: الأعراف؛ وذكر اللَّه تعالى في سورة الأعراف ما يجري بينهم وبين المؤمنين، قال تعالى: {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين (47)} [الأعراف].
الخاتمة:
– وبعد هذا التأمل في سورة القارعة، نقف على خلاصة ما تضمنته هذه السورة العظيمة من حقائق كونية وإيمانية، فقد رسمت لنا مشهداً مهيباً ليوم ترجف فيه الأرض والجبال، وتذوب فيه القلوب من الخوف، وتضطرب فيه الأبصار. لقد بيّنت السورة أن الحياة الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، ومهما تزينت فهي زائلة، وأن وراءها داراً أخرى لا بد من دخولها، إما إلى عيشة راضية في جنات النعيم، وإما إلى نار حامية في هاوية الجحيم.
– سورة القارعة تعلمنا أن الدنيا ليست دار قرار، وأن هناك يوماً عظيماً تتبدل فيه الأرض والسماء، وتصير الجبال كالصوف المنفوش، والناس كالفراش المبثوث.
وهي تحثنا على الاستعداد لذلك اليوم بثقل الموازين بطاعة الله ورسوله، والإخلاص في العمل، والتوبة النصوح، وحسن الظن بالله.
إن الميزان الذي ورد في السورة ليس مجرد رمز، بل هو حقيقة عدل الله المطلق، توزن فيه الذرات قبل الجبال، وتوزن فيه النيات قبل الأعمال، فلا يظلم ربك أحداً.
ومن رحمة الله بعباده أنه أعلمهم بهذا اليوم، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وجعل القرآن تذكرة لمن شاء أن يتذكر، وبشرى للمتقين، ونذيراً للكافرين.
فيا أيها المؤمنون، اتقوا الله حق تقاته، واعلموا أن القارعة آتية لا محالة، فثقِّلوا موازينكم قبل أن تُعرض أعمالكم، واجعلوا زادكم التقوى، وعدتكم العمل الصالح، وطريقكم اتباع سنة نبيكم محمد ﷺ. لا تغرنكم الدنيا بزخرفها، ولا تلهكم الأموال والأولاد عن ذكر الله، فإن ما عند الله خير وأبقى.
![]()
الدعاء ![]()
![]()
نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يثبتنا عند الميزان، وأن يثقل موازيننا بالحسنات، وأن يجعلنا من الفائزين بالعيشة الراضية، لا من الخاسرين في الهاوية.
كما نسأله أن يثقل موازيننا بالحسنات، وأن يجعلنا من الذين يُعطون كتابهم باليمين، وينجينا من هول القارعة وحر الهاوية، إنه سميع قريب مجيب.
اللهم يا من تُقلب القلوب والأبصار، ويا من تزلزل الأرض والجبال يوم القارعة، ويا من توزن الأعمال بالميزان الحق، ويا من تجعل العيشة الراضية لمن ثقلت موازينه، والهاوية لمن خفت موازينه، نسألك اللهم بأسمائك الحسنى وما تضمنته من صفات الجلال والجمال، وبأنك أنت الله لا إله إلا أنت، الحي القيوم، بديع السماوات والأرض، ذو الجلال والإكرام.
اللهم اجعلنا يوم القارعة من الآمنين، ولا تجعلنا من الخائفين المستكبرين. اللهم ثقّل موازيننا بالحسنات، وأعذنا من خفة الموازين يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
اللهم اجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم، واجعلها ثقيلة في موازيننا، واجعلها شفيعة لنا عندك، ولا تجعلها حجة علينا.
اللهم إنا نعوذ بك من هول القارعة الذي تصير فيه الجبال كالعهن المنفوش، والناس كالفراش المبثوث. اللهم نجنا من الهاوية التي أعددتها للظالمين، وهي النار الحامية التي تذيب الأكباد والأحشاء.
اللهم أجرنا من النار بفضلك ورحمتك، وادخلنا الجنة بغير حساب ولا سابقة عذاب.
اللهم اجعل عيشنا في الدنيا عيشة المتقين، واجعل مماتنا على سنة خاتم النبيين، ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا، غفور رحيم فاغفر لنا، تواب فتب علينا، لطيف خبير فالطف بنا في أمرنا كله.
اللهم لا تجعلنا من الذين خفت موازينهم يوم القيامة، الذين ينادون بأعمالهم فلا يجدون لها وزناً، الذين جعلوا الدين لعباً ولهواً، واتبعوا أهواءهم في الحياة الدنيا. اللهم اجعل القرآن العظيم حجة لنا لا علينا، واجعله نوراً في قلوبنا، وجلاء لأحزاننا، وشفاء لأبداننا، وثقلاً في موازيننا.
اللهم إنا نسألك الثبات عند الميزان يوم توزن الصحائف وتتطاير الكتب، اللهم أعطنا كتابنا باليمين، وحاسبنا حساباً يسيراً، وتجاوز عن سيئاتنا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والأموات.
اللهم قنا عذاب القبر وعذاب النار، وأدخلنا الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا تكلنا إلى الناس، واكفنا ما أهمنا، ويسر لنا أمرنا، واجعل عاقبتنا خيراً
.







لا توجد تعليقات بعد.