💰 الذهب: 5,680 ج.م
سعر الذهب عيار 21
5,680 ج.م
كافة الأسعار ←
💱 العملات
🇺🇸 دولار 48.50
🇪🇺 يورو 52.15
الجدول بالكامل
🕌 الصلاة: الظهر
مواقيت الصلاة
الفجر 04:02
الظهر 11:55
العصر 15:31
المغرب 18:23
العشاء 19:44
☀️ القاهرة: 32°

طقس القاهرة الآن: صافي

طقس المحافظات ←
عاجل
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
منوعات

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الحكم الشرعي لتزويج المرأة نفسها

خلاصة الخبر في نقاط
  • رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الحكم الشرعي لتزويج المرأة نفسها
  • بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
  • مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
  • رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الحكم الشرعي لتزويج المرأة نفسها

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

هل تزوج المرأة نفسها ؟
(الْوِلَايَةُ فِي النِّكَاحِ: أَحْكَامُهَا، وَحِكَمُهَا، وَأَثَرُ الْخِلَافِ الْفِقْهِيِّ فِيهَا عَلَى وَاقِعِ الْأُسْرَةِ الْمُسْلِمَةِ
دِرَاسَةٌ فِقْهِيَّةٌ مُقَارَنَةٌ فِي ضَوْءِ النُّصُوصِ وَالْمَذَاهِبِ وَالْقَوَانِينِ الْمُعَاصِرَةِ)

📝 السؤال: ما حكمُ زواجِ المرأةِ البالغةِ الرشيدةِ – بِكرًا كانت أو ثيِّبًا – مِن غيرِ وليٍّ؟ وما موقفُ الفقهاءِ مِن ذلك؟ وما الذي استقرَّ عليهِ العملُ في ديارِ الإفتاءِ والقضاءِ المعاصرةِ؟ وما الحكمةُ مِن تشريعِ الولايةِ أصلًا؟ وكيفَ نُوازنُ بينَ النصوصِ الشرعيةِ وواقعِ الناسِ ومصالحِهم؟
📜 الجواب 📜
▪️ الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله، أمَّا بعدُ.
فإنَّ النكاحَ في شريعةِ الإسلامِ ليسَ عقدًا مِن عقودِ الأموالِ التي يُكتفى فيها بتراضي العاقدينِ فحسب، بل هو ميثاقٌ غليظٌ، وعقدٌ شرعيٌّ ذو أبعادٍ تعبّديةٍ وأسريةٍ واجتماعيةٍ، جعلَهُ اللهُ تعالى آيةً مِن آياتِه، وربطَ بهِ بناءَ البيوتِ، وحفظَ الأنسابِ، وصيانةَ الأعراضِ، وإقامةَ المودّةِ والرحمةِ بينَ الزوجين. قال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا لِّتَسْكُنُوٓا۟ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [ الروم، رقم: 21].
ولمّا كانَ النكاحُ بهذهِ المنزلةِ، فقد أحاطَهُ الشرعُ الحنيفُ بسياجٍ مِن الأحكامِ والضوابطِ التي تضمنُ لهُ القيامَ بوظائفِه، وتدفعُ عنهُ ما قد يعتريهِ مِن خللٍ أو عبثٍ، وكانَ مِن أبرزِ تلكَ الضوابطِ اشتراطُ الوليِّ في عقدِ الزواجِ عندَ جمهورِ الفقهاء، أو اعتبارُهُ مستحبًّا عندَ آخرين. وهذا الموضوعُ مِن الموضوعاتِ التي كثرَ فيها الجدلُ قديمًا وحديثًا، واشتبهتْ فيهِ الأفهامُ، وتعددتْ فيهِ الفتاوى بتعددِ المذاهبِ والاجتهاداتِ، ولا سيّما في عصرِنا الذي تيسرتْ فيهِ سُبلُ التواصلِ، واختلطتْ فيهِ الأنظمةُ القانونيةُ بالاجتهاداتِ الشرعيةِ، حتى صارَ لزامًا على طالبِ العلمِ أن يُحكمَ النظرَ في هذهِ المسألةِ، وأن يعرفَ مآخذَ الأقوالِ فيها، ليكونَ على بصيرةٍ مِن أمرِه.
وفي هذهِ الفتوى نقفُ معَ هذهِ المسألةِ وقفاتٍ منهجيةً متأنيةً، نستعرضُ فيها النصوصَ، ونحررُ مواطنَ الاتفاقِ والاختلافِ، ونبينُ أدلةَ كلِّ فريقٍ، ونخلصُ إلى ما تطمئنُ إليهِ النفسُ مِن قولٍ يُوافقُ الدليلَ ويُراعي المصلحةَ، معَ الاعتناءِ بالجانبِ الوعظيِّ والتربويِّ الذي يُعينُ على تنزيلِ هذهِ الأحكامِ في واقعِ الناسِ.
وقبلَ الشروعِ في التفصيلِ، نُقدّمُ بينَ يديِ المسألةِ تمهيدًا في بيانِ معنى الولايةِ في النكاحِ وحكمتِها، ثم نعرّجُ على الأقوالِ الفقهيةِ وأدلتِها، ثم نُبيّنُ موقفَ القوانينِ المعاصرةِ ودُورِ الإفتاءِ، ثم نختمُ بجملةٍ مِن الفوائدِ والتنبيهاتِ.
ويأتي حديثنا في العناصر التالية.
⚫ العنصرُ الأولُ: تعريفُ الولايةِ في النكاحِ وبيانُ حكمتِها وأقسامِها
● معنى الولايةِ في النكاحِ لغةً واصطلاحًا
الولايةُ في اللغةِ: مأخوذةٌ مِن الوَليِ، وهو القُربُ والنصرةُ وتولّي الأمرِ. والوَليُ: القائمُ على الشيءِ المتكفلُ بهِ.
وفي الاصطلاحِ الفقهيِّ: الولايةُ في النكاحِ هي: “تنفيذُ القولِ على الغيرِ شاءَ أو أبى”، أي سلطةٌ شرعيةٌ جعلَها الشارعُ للوليِّ على المولّى عليهِ في إبرامِ عقدِ النكاحِ أو الإذنِ فيهِ، رعايةً لمصلحةِ المولّى عليهِ، ودفعًا للضررِ عنهُ.
وقد قررَ الفقهاءُ أنَّ الولايةَ في النكاحِ نوعُ رعايةٍ كفلَها الشرعُ الشريفُ للمرأةِ، حفاظًا عليها وهي تبدأُ مرحلةً كبرى في حياتِها، وقد راعى الشرعُ عندَ وضعِ أحكامِ هذهِ الولايةِ أن تقومَ على معاني الشفقةِ على المرأةِ ونصرتِها وعونِها، كما في الفتاوى المعتمدةِ لدى دارِ الإفتاءِ المصريةِ.
● حكمةُ تشريعِ الولايةِ في النكاحِ
لم تكنِ الولايةُ في النكاحِ تكليفًا تعسفيًّا ولا قيدًا مفروضًا على المرأةِ يُرادُ بهِ الانتقاصُ مِن أهلِيتِها، بل هي تشريعٌ حكيمٌ ينطوي على مصالحَ جليلةٍ، ومقاصدَ نبيلةٍ، نُجملُها فيما يأتي:
• أولًا: مراعاةُ طبيعةِ المرأةِ العاطفيةِ وما قد يعتريها مِن الاندفاعِ: فالمرأةُ – بحكمِ طبيعَتِها – قد تطغى عليها العاطفةُ، فيدفعُها ذلكَ إلى الإقدامِ على قراراتٍ مصيريةٍ كالزواجِ دونَ تروٍّ أو استشارةٍ، فكانَ وجودُ الوليِّ ضمانةً لاتزانِ القرارِ، ووقايةً مِن استغلالِ ضعافِ النفوسِ لها.
• ثانيًا: صيانةُ المرأةِ وحفظُ كرامتِها: فالوليُّ – أبًا كانَ أو أخًا أو قريبًا – هو أدرى الناسِ بأحوالِ الخاطبينَ، وأحرصُهم على مصلحةِ مولّيتِه، ووجودُهُ في العقدِ يقطعُ الطريقَ على مَن تسوّلُ لهُ نفسُهُ التلاعبَ بالمرأةِ أو الانتقاصَ مِن حقوقِها، وقد جاءَ في الحديثِ المرفوعِ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ» <سنن أبي داود، كتاب النكاح، باب في الولي، وصححه الألباني>.
• ثالثًا: حفظُ الأنسابِ وعدمُ اختلاطِها: فإنَّ الزواجَ الشرعيَّ المنضبطَ بالوليِّ والشهودِ والإعلانِ هو الكفيلُ بحفظِ الأنسابِ مِن الضياعِ، وحمايةِ المجتمعِ مِن ويلاتِ الزنا والعلاقاتِ السريةِ التي تتنكرُ أحيانًا في ثوبِ الزواجِ العرفيِّ أو غيرِ الموثقِ.
• رابعًا: حمايةُ الأسرةِ مِن الانهيارِ: فالوليُّ بصلاحِهِ وخبرتِه يختارُ الكُفءَ، ويشاركُ في تقويمِ أساسِ الأسرةِ الناشئةِ، فإذا غابَ الوليُّ ضعُفَ هذا الأساسُ، وكثرتْ حالاتُ الزواجِ المتعجلِ الذي سرعانَ ما ينتهي إلى الفراقِ والضياعِ.
• خامسًا: شرفُ المرأةِ ومكانتُها: خلافًا لما قد يتبادرُ إلى بعضِ الأذهانِ مِن أنَّ اشتراطَ الوليِّ انتقاصٌ للمرأةِ، فإنَّ الشريعةَ الغراءَ إنما أرادتْ بذلكَ تكريمَها وصيانتَها، فجعلتْ زواجَها يتمُّ بإشرافِ أهلِها وموافقتِهم، إعلاءً لشأنِها، وإظهارًا لحرصِهم عليها، لا كما تُتداولُ في بعضِ الأوساطِ مِن أنها سلعةٌ تُباعُ وتُشترى، حاشا للهِ.
● أقسامُ الولايةِ في النكاحِ
قسّمَ الفقهاءُ الولايةَ في النكاحِ باعتباراتٍ متعددةٍ، مِن أهمها:
• الولايةُ المجبرةُ: وهي التي تثبتُ للوليِّ على الصغيرِ والصغيرةِ وناقصِ الأهليةِ، فيُبرمُ العقدَ عليهما دونَ توقفٍ على رضاهما، لعدمِ اعتدادِ الشرعِ بإرادتِهما قبلَ البلوغِ والرشدِ.
• الولايةُ غيرُ المجبرةِ: وهي التي تثبتُ على البالغةِ العاقلةِ، فلا يملكُ الوليُّ إجبارَها على الزواجِ، بل لا يصحُّ العقدُ إلا برضاها الصريحِ، وقد وردَ في الحديثِ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» <صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت، رقم: 1421>.
وبناءً على هذا التقسيمِ ينبني الخلافُ في مسألتِنا: هل ولايةُ البالغةِ الرشيدةِ ولايةُ إجبارٍ أم ولايةُ ندبٍ واستحبابٍ؟ وهل يصحُّ زواجُها لنفسِها مباشرةً أم لا بدَّ مِن وليٍّ يتولى العقدَ؟ وهذا ما سنفصلُهُ في العنصرِ التالي.
⚫ العنصرُ الثاني: تحريرُ محلِّ النزاعِ في المسألةِ وبيانُ أقوالِ الفقهاءِ وأدلتِهم
وقبلَ بيانِ الأقوالِ، لا بدَّ مِن تحريرِ محلِّ النزاعِ بدقةٍ؛ فإنَّ تحريرَ محلِّ النزاعِ هو مفتاحُ الفهمِ، وبهِ تزولُ أوهامٌ كثيرةٌ. فالمسألةُ التي كثرَ فيها الكلامُ هي: زواجُ المرأةِ الحرةِ البالغةِ العاقلةِ الرشيدةِ بنفسِها دونَ وليٍّ. أما الصغيرةُ، والمجنونةُ، وناقصةُ الأهليةِ، فلا نزاعَ بينَ أهلِ العلمِ في أنَّ الوليّ هو الذي يتولى عقدَها، وأنه لا يصحُّ منها مباشرةُ العقدِ بحالٍ.
وفي حكمِ زواجِ البالغةِ الرشيدةِ بنفسِها دونَ وليٍّ، ذهبَ الفقهاءُ في المسألةِ اتجاهاتٌ ثلاثةٌ رئيسةٌ:
● الاتجاهُ الأولُ: مذهبُ الجمهورِ (المالكيةِ والشافعيةِ والحنابلةِ): الوليُّ شرطٌ لصحةِ النكاحِ مطلقًا، بكرًا كانتِ المرأةُ أو ثيبًا
وهو مذهبُ جمهورِ الفقهاءِ مِن المالكيةِ والشافعيةِ والحنابلةِ، وعليه أكثرُ أهلِ العلمِ، وبهِ قالَ جمعٌ مِن السلفِ. ففي هذا الاتجاهِ لا يصحُّ النكاحُ بدونِ وليٍّ أصلًا، سواءٌ كانتِ المرأةُ بكرًا أو ثيبًا، صغيرةً أو كبيرةً، إذ لا فرقَ عندَهم في ذلك. وقد نقلَ غيرُ واحدٍ مِن أهلِ العلمِ أنَّ الوليَ شرطٌ في صحةِ عقدِ الزواجِ للبكرِ باتفاقِ العلماءِ، لا يصحُّ الزواجُ بدونِهِ، وقالَ جمهورُهم بذلكَ في حقِّ الثيبِ.
وقد اعتمدَ أصحابُ هذا الاتجاهِ على أدلةٍ قويةٍ مِن الكتابِ والسنةِ وآثارِ الصحابةِ والنظرِ الصحيحِ، نذكرُ منها:
• الدليلُ الأولُ: قولُه تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا۟ ٱلْأَيَٰمَىٰ مِنكُمْ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَآئِكُمْ﴾ [ النور، رقم: 32].
ووجهُ الدلالةِ: أنَّ اللهَ تعالى خاطبَ الأولياءَ بالأمرِ بإنكاحِ الأيامى، ولم يخاطبِ النساءَ أنفسَهن بتزويجِ أنفسِهن، فدلَّ ذلكَ على أنَّ الأمرَ موكولٌ إلى الأولياءِ، وأنهنَّ لا يُباشرنَ العقدَ بأنفسِهن.
• الدليلُ الثاني: قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا۟﴾ [ البقرة، رقم: 221].
ووجهُ الدلالةِ: أنَّ الخطابَ في قولِهِ: ﴿وَلَا تُنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ موجهٌ إلى الأولياءِ، فدلَّ على أنَّ التزويجَ بيدِ الأولياءِ لا بيدِ النساءِ؛ إذ لو كانَ التزويجُ بيدِ المرأةِ لكانَ الخطابُ موجَّهًا إليها.
• الدليلُ الثالثُ: قولُه تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَٰجَهُنَّ إِذَا تَرَٰضَوْا۟ بَيْنَهُم بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ [ البقرة، رقم: 232].
ووجهُ الدلالةِ: أنَّ اللهَ تعالى نهى الأولياءَ عن العضلِ، أي منعِ النساءِ مِن الزواجِ، ولو لم يكنْ للوليّ حقٌّ في العقدِ لما كانَ لعضلِهِ معنى، فلما نهيَ عن العضلِ دلَّ على أنَّ له ولايةً في العقدِ.
• الدليلُ الرابعُ: الأحاديثُ النبويةُ الصحيحةُ الصريحةُ: ومنها ما يلي:
· قولُه ﷺ: «لَا نِكاَحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» <سنن أبي داود، كتاب النكاح، باب في الولي، وصححه الألباني>.
· وقولُه ﷺ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» <سنن أبي داود، كتاب النكاح، باب في الولي، وصححه الألباني>، وفي روايةٍ: «ثَلاَثَ مَرَّاتٍ».
· وقولُه ﷺ: «لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا» <سنن ابن ماجة، كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي، وصححه الألباني>.
فهذهِ الأحاديثُ نصوصٌ صريحةٌ في نفيِ صحةِ النكاحِ بلا وليٍّ، وفي إبطالِ نكاحِ المرأةِ إذا نكحتْ بغيرِ إذنِ مواليها، وفي منعِ المرأةِ مِن أن تُزوجَ نفسَها. وهذهِ النصوصُ لا يُعارضُها عندَ التحقيقِ إلا ما لا يثبتُ أو ما يُحملُ على وجوهٍ أخرى.
• الدليلُ الخامسُ: آثارُ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهم: فقد ثبتَ عن عمرَ بنِ الخطابِ وعليٍّ وابنِ عباسٍ وأبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهم وغيرِهم مِن الصحابةِ ما يدلُّ على اشتراطِ الوليّ، حتى قالَ بعضُ أهلِ العلمِ: لا يُعرفُ عن الصحابةِ خلافٌ في ذلك. فقد رويَ عن عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ أنه قال: “لا تُنكحُ المرأةُ إلا بإذنِ وليها أو ذي الرأيِ مِن أهلِها أو السلطانِ”.
• الدليلُ السادسُ: النظرُ الصحيحُ والمصلحةُ المرسلةُ: فإنَّ في اشتراطِ الوليّ سدًّا لذريعةِ الفسادِ، وحفظًا للأنسابِ، وصيانةً للمرأةِ عن التغريرِ بها، وقطعًا لأطماعِ ضعافِ النفوسِ، وهذا كلُّه مقصدٌ شرعيٌّ معتبرٌ. “وذلكَ مِن بابِ حفظِ مصالحِ المرأةِ”.
● الاتجاهُ الثاني: مذهبُ الحنفيةِ: للمرأةِ البالغةِ الرشيدةِ أن تُزوجَ نفسَها دونَ وليٍّ، والولايةُ عندَهم ولايةُ ندبٍ لا وجوبٍ في حقِّها
ذهبَ أصحابُ هذا الاتجاهِ – وهو مذهبُ الحنفيةِ، وروايةٌ عن أبي يوسفَ، وقولٌ لبعضِ السلفِ – إلى أنَّ الحرةَ البالغةَ العاقلةَ الرشيدةَ لها أن تُباشرَ عقدَ نكاحِها بنفسِها، وأنَّ عقدَها صحيحٌ نافذٌ إذا تزوَّجتْ مِن كفءٍ بمهرِ المثلِ، سواءٌ كانتْ بكرًا أم ثيبًا، وأنَّ الولايةَ في حقِّها ولايةُ استحبابٍ لا ولايةُ إجبارٍ، وحصروا الولايةَ الحقيقيةَ الإجباريةَ في الصغيرةِ غيرِ البالغةِ، وجعلوا الولايةَ على البالغةِ الرشيدةِ وكالةً وليستْ ولايةً، أي أنَّ الوليَّ إنما يتصرفُ بتوكيلٍ منها ورضًا، لا بسلطةٍ شرعيةٍ أصليةٍ.
وقد اعتمدَ أصحابُ هذا الاتجاهِ على أدلةٍ نذكرُ أهمَّها:
• الدليلُ الأولُ: قولُه تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ [ البقرة، رقم: 234]. ووجهُ الدلالةِ: أنَّ اللهَ تعالى أضافَ الفعلَ إلى النساءِ أنفسِهن، وأسقطَ الجناحَ عنهنَّ فيما فعلنَ في أنفسِهن بالمعروفِ، وزواجُها مِن نفسِها مِن جملةِ ما تفعلُهُ في نفسِها، فدلَّ على صحةِ مباشرتِها للعقدِ.
• الدليلُ الثاني: قولُه تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَٰجَهُنَّ إِذَا تَرَٰضَوْا۟ بَيْنَهُم بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ [ البقرة، رقم: 232].
ووجهُ الدلالةِ عندَهم: أنَّ الآيةَ أضافتِ النكاحَ إلى النساءِ فقالت: ﴿أَن يَنكِحْنَ﴾، فأثبتَ لهنَّ مباشرةَ النكاحِ، وإنما نهى الأولياءَ عن عضلِهن ومنعِهن، ولو لم يكنْ لهنَّ حقُّ مباشرةِ العقدِ لما كانَ لعضلِ الولي أثرٌ.
• الدليلُ الثالثُ: حديثُ الثيبِ: قولُه ﷺ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» <صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت، رقم: 1421>.
ووجهُ الدلالةِ: أنَّ الثيبَ أحقُّ بنفسِها مِن وليِّها، فإذا كانتْ أحقَّ بنفسِها مِن وليِّها فلها أن تُزوجَ نفسَها بلا وليٍّ، لأنَّ ثبوتَ أحقيتِها بنفسِها يقتضي استقلالَها بالتصرفِ.
• الدليلُ الرابعُ: القياسُ على سائرِ العقودِ: فالمرأةُ البالغةُ الرشيدةُ تُباشرُ سائرَ عقودِها بنفسِها: تبيعُ وتشتري وتؤجرُ وتستأجرُ وتهبُ وتتصدقُ، ولا يُشترطُ في شيءٍ مِن ذلكَ وليٌّ، فكذلكَ النكاحُ؛ إذ لا فرقَ بينَهُ وبينَ سائرِ العقودِ، بل هي مالكةٌ لأمرِها، نافذةُ التصرفِ في حقِّها.
• الدليلُ الخامسُ: أنَّ مناطَ الولايةِ هو نقصُ الأهليةِ، فإذا زالَ زالَ حكمُه: والأهليةُ إنما تختلُّ بالصغرِ أو الجنونِ أو السفهِ، فإذا بلغتِ المرأةُ رشيدةً عاقلةً فلا معنى لبقاءِ الولايةِ عليها، إذ العلةُ تدورُ معَ معلولِها وجودًا وعدمًا.
● الاتجاهُ الثالثُ: التفريقُ بينَ البكرِ والثيبِ
وهو قولٌ وسطٌ بينَ القولينِ السابقينِ، حكاهُ بعضُ أهلِ العلمِ عن بعضِ السلفِ، ومالَ إليهِ بعضُ المحققينَ، وخلاصتُهُ: أنَّ البكرَ لا يصحُّ زواجُها دونَ وليٍّ، لأنَّ الحياءَ يمنعُها مِن مباشرةِ العقدِ ومفاوضةِ الرجالِ، وأمَّا الثيبُ فقد زالَ عنها ذلكَ بمعاشرتِها الأزواجَ وخبرتِها بأحوالِ الرجالِ، فيصحُّ زواجُها لنفسِها دونَ وليٍّ.
واستدلَّ أصحابُ هذا الاتجاهِ بحديثِ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا» <صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت، رقم: 1421>، وبأنَّ البكرَ لم تُجرَّبِ الرجالَ فقد يُخدعُها الخاطبُ، بخلافِ الثيبِ التي جرَّبتْ وخبرتْ.
● مناقشةُ الأدلةِ والترجيحُ
بعدَ عرضِ الاتجاهاتِ الثلاثةِ وأدلتِها، نُشيرُ إلى أنَّ أهلَ العلمِ قد تصدَّوا لمناقشةِ هذهِ الأدلةِ كلِّها، وأجابوا عن استدلالاتِ الحنفيةِ وغيرِهم، ونحنُ نُوجزُ بعضَ ذلكَ في نقاطٍ:
• أمَّا الاستدلالُ بالآيتينِ الكريمتينِ: فقد أجابَ الجمهورُ بأنَّ الإضافةَ في قولِه: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِىٓ أَنفُسِهِنَّ﴾ لا تقتضي استقلالَهنَّ بالعقدِ، وإنما المرادُ ما فعلنَ في أنفسِهنَّ مِن التزينِ والتعرضِ للخطابِ ونحوِ ذلكَ، وأما العقدُ فموكولٌ إلى الأولياءِ، بدليلِ أنَّ اللهَ خاطبَ الأولياءَ في آياتٍ أخرى بالأمرِ بالإنكاحِ والنهيِ عن العضلِ، ولو كانتِ المرأةُ تستقلُّ بالعقدِ لما كانَ لخطابِ الأولياءِ معنى.
• وأمَّا حديثُ الثيبِ: فقد أجابَ الجمهورُ بأنَّ معنى: «أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا» أي أنها أحقُّ في اختيارِ الزوجِ والرضا بهِ، لا في مباشرةِ العقدِ، بدليلِ أنَّ بقيةَ الأحاديثِ الصحيحةِ تنفي صحةَ النكاحِ بلا وليٍّ، ولا يمكنُ أن تتعارضَ النصوصُ الصحيحةُ، فوجبَ الجمعُ بينَها بحملِ هذا الحديثِ على إثباتِ حقِّ المرأةِ في اختيارِ زوجِها وعدمِ إجبارِها، وتلكَ الأحاديثِ على اشتراطِ الوليّ في إنشاءِ العقدِ.
• وأمَّا القياسُ على سائرِ العقودِ: فمردودٌ بأنَّ النكاحَ ليسَ كسائرِ العقودِ الماليةِ؛ فإنَّهُ عقدٌ تعبّديٌّ تترتبُ عليهِ حقوقٌ وواجباتٌ شرعيةٌ واجتماعيةٌ، وقد فرَّقَ الشرعُ بينَهُ وبينَ غيرِهِ في أحكامٍ كثيرةٍ، كاشتراطِ الشهودِ والإعلانِ، وحرمةِ التفاوضِ فيهِ بطرقٍ غيرِ مشروعةٍ، فلم يصحَّ إلحاقُهُ بالعقودِ الماليةِ.
• وأمَّا القولُ بزوالِ العلةِ ببلوغِ الرشدِ: فمردودٌ بأنَّ علةَ الولايةِ في النكاحِ ليستْ قاصرةً على نقصِ الأهليةِ، بل منها صيانةُ المرأةِ وحفظُ شرفِها وقطعُ أطماعِ الطامعينَ، وهذهِ علةٌ قائمةٌ حتى بعدَ بلوغِ الرشدِ.
ولهذا كلِّهِ، فإنَّ مذهبَ الجمهورِ هو الراجحُ عندَ كثيرٍ مِن أهلِ العلمِ لقوةِ أدلتِه وصحةِ نصوصِه، وقد صرَّحَ بترجيحِهِ غيرُ واحدٍ مِن المحققينَ، ومِن ذلكَ ما جاءَ في فتوى مركزِ الفتوى بإسلامِ ويب: “فإذا كانَ هذا الرجلُ قد تزوجَكِ دونَ وليٍّ، فزواجُهُ باطلٌ عندَ جمهورِ العلماءِ. ولا فرقَ في ذلكَ بينَ الصغيرةِ والكبيرةِ والبكرِ والثيبِ، خلافًا للإمامِ أبي حنيفةَ (رحمهُ اللهُ) الذي يرى صحةَ تزويجِ المرأةِ نفسَها، ومذهبُ الجمهورِ هو الراجحُ لقوةِ أدلتِه”. وقالَ سماحةُ الشيخُ محمدٌ أحمد حسين: “الأصلُ أنَّ زواجَ المرأةِ بغيرِ وليٍّ باطلٌ، عندَ جمهورِ العلماءِ، سواءٌ أكانتِ المرأةُ ثيبًا أم بكرًا”.
ومعَ ذلكَ، فإنَّ الفقهَ الإسلاميَّ يُقدّرُ سعةَ الاجتهادِ، ويحترمُ أقوالَ الفقهاءِ المعتبرةَ، ولذلكَ نجدُ في بعضِ دُورِ الإفتاءِ والقوانينِ المعاصرةِ اعتمادًا لمذهبِ الحنفيةِ في هذهِ المسألةِ، خاصَّةً في البلادِ التي تأخذُ بمذهبِ أبي حنيفةَ في الأحوالِ الشخصيةِ، كما سنبيّنُ في العنصرِ التالي.
⚫ العنصرُ الثالث: موقفُ القوانينِ المعاصرةِ ودُورِ الإفتاءِ مِن زواجِ المرأةِ دونَ وليٍّ
● موقفُ القانونِ المصريِّ ودارِ الإفتاءِ المصريةِ
يُعدُّ القانونُ المصريُّ مِن أبرزِ القوانينِ التي اعتمدتْ مذهبَ الحنفيةِ في مسائلِ الأحوالِ الشخصيةِ، حيثُ أخذَ القانونُ المصريُّ بمذهبِ السادةِ الحنفيةِ، فجعلَ للمرأةِ البالغةِ حقَّ تزويجِ نفسِها، ويُعدُّ زواجُها صحيحًا إذا تزوَّجتْ مِن كفءٍ بمهرِ مثلِها. وقد نصَّ على ذلكَ المفتي السابقُ الأستاذُ الدكتورُ علي جمعة محمد في فتواهُ المؤرخةِ بتاريخِ 22 أغسطس 2005م، فقال: “عقدُ الزواجِ المذكورُ صحيحٌ شرعًا على مذهبِ السادةِ الحنفيةِ ما دامَ الزوجُ كُفئًا لمن تزوَّجَ بها وأعطاها مهرَ مثلِها مِن النساءِ، وهذا ما عليهِ العملُ والفتوى في الديارِ المصريةِ” <حكم زواج المرأة الثيب دون ولي، فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة محمد، تاريخ النشر: 22 أغسطس 2005 م، موقع: دار الإفتاء المصرية>.
وأوضحَ فضيلتُهُ أنَّ الولايةَ في النكاحِ نوعُ رعايةٍ كفلَها الشرعُ الشريفُ للمرأةِ حفاظًا عليها، وأنَّ أبا حنيفةَ رأى أنَّ البالغةَ الرشيدةَ لا ولايةَ لأحدٍ عليها، وعليهِ فلها أن تُزوجَ نفسَها بأن تُباشرَ عقدَ نكاحِها بكرًا كانتْ أم ثيبًا، وحصرَ الولايةَ الحقيقيةَ في الصغيرةِ غيرِ البالغةِ، وجعلَ الولايةَ على البالغةِ الرشيدةِ وكالةً وليستْ ولايةً.
وفي الاتجاهِ نفسِهِ، أصدرتْ دارُ الإفتاءِ المصريةِ فتوى حديثةً بتاريخِ 27 فبراير 2024م عن الأستاذِ الدكتورِ شوقي إبراهيم علام، أكدتْ فيها أنَّ الراجحَ مِن مذهبِ الحنفيةِ في هذهِ المسألةِ – وهو المعمولُ بهِ في الديارِ المصريةِ إفتاءً وقضاءً – أنَّ المرأةَ إذا بلغتْ سنَّ الرشدِ عاقلةً كاملةَ الأهليةِ بكرًا كانتْ أو ثيبًا، فإنَّ الولايةَ عليها حينئذٍ تكونُ ولايةَ استحبابٍ لا ولايةَ إجبارٍ، وأنها إن زوَّجتْ نفسَها فإنَّ هذا الزواجَ يكونُ صحيحًا ونافذًا شرعًا وإن كانَ خلافَ المستحبِّ <حكم ولي المرأة في الزواج، الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام، تاريخ النشر: 27 فبراير 2024 م، موقع: دار الإفتاء المصرية>.
واستندتِ الفتوى إلى المادةِ رقم (3) مِن قانونِ الأحوالِ الشخصيةِ المصريِّ الصادرِ برقمِ (1) لسنةِ 2000م، وإلى أحكامِ محكمةِ النقضِ المصريةِ التي جاءَ فيها: “الراجحُ في المذهبِ الحنفيِّ وفقًا لرأيِ أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ، أنه إذا تزوَّجتِ المرأةُ البالغةُ العاقلةُ بدونِ إذنِ وليِّها، فإنَّ العقدَ يكونُ صحيحًا، سواءٌ كانتْ بكرًا أم ثيبًا، ويكونُ نافذًا ولازمًا متى تزوَّجتْ بكفءٍ على صداقِ مثلِها أو أكثرَ، رضيَ الوليُّ أو لم يرضَ”.
ومعَ ذلكَ، فإنَّ دارَ الإفتاءِ المصريةَ في بعضِ فتاواهَا الأخرى أشارتْ إلى أنَّ الأصلَ المتبعَ لديها هو أنَّ الزواجَ لا يكونُ إلا بوليٍّ، كما في فتوى أمينِ الفتوى الشيخِ محمد عبد السميع التي نشرَها موقعُ صدى البلدِ بتاريخِ 28 سبتمبر 2021م، حيثُ قالَ: “حكمُ الزواجِ بإجماعِ الآراءِ الفقهيةِ أنه لا يجوزُ دونَ وليٍّ، ولم يخالفْ هذا سوى السادةِ الحنفيةِ، وهذا الزواجُ غيرُ صحيحٍ وهو الرأيُ المتبعُ في دارِ الإفتاءِ المصريةِ حيثُ الأصلُ لديها أنَّ الزواجَ لا يكونُ إلا بوليٍّ” <حكم الزواج بدون ولي .. دار الإفتاء تجيب، محمد الغريب، تاريخ النشر: الثلاثاء 28/سبتمبر/2021 – 06:52 م، موقع: صدى البلد>.
وهذا يُبيّنُ أنَّ دُورَ الإفتاءِ قد تختلفُ فتاواهَا باختلافِ الحالاتِ والأشخاصِ والمستفتينَ، وأنَّ الفتوى الجماعيةَ المعتمدةَ في الدارِ تميلُ إلى التيسيرِ بمقتضى مذهبِ الحنفيةِ في حالاتٍ معينةٍ، بينما تبقى النصيحةُ العامةُ بالالتزامِ بمذهبِ الجمهورِ خروجًا مِن الخلافِ وسدًّا للذرائعِ.
● موقفُ القوانينِ الأردنيةِ والفلسطينيةِ
في الأردنِ وفلسطينَ، يأخذُ قانونُ الأحوالِ الشخصيةِ المعمولُ بهِ في المحاكمِ الشرعيةِ ببعضِ أحكامِ المذهبِ الحنفيِّ في هذهِ المسألةِ، حيثُ نصَّتِ المادةُ (13) مِن قانونِ الأحوالِ الشخصيةِ الأردنيِّ على أنه: “لا تشترطُ موافقةُ الوليِّ في زواجِ المرأةِ الثيبِ العاقلةِ المتجاوزةِ مِن العمرِ ثماني عشرةَ سنةً”. وقد أشارَ إلى ذلكَ سماحةُ الشيخُ محمدٌ أحمد حسين المفتي العامُ للقدسِ والديارِ الفلسطينيةِ في فتواهُ، فقال: “وعليهِ؛ فزواجُ هذهِ المرأةِ صحيحٌ حسبَ مذهبِ أبي حنيفةَ، وحسبَ المادةِ (13) مِن قانونِ الأحوالِ الشخصيةِ الأردنيِّ، والمعمولِ بهِ في المحاكمِ الشرعيةِ في فلسطينَ” <هل يصح للمرأة أن تزوج نفسها دون ولي؟، الشيخ محمد أحمد حسين، تاريخ النشر: 28 ديسمبر 2019، موقع: فتوى – جامعة النجاح الوطنية>.
ولكنَّهُ في الوقتِ نفسِهِ شدَّدَ على أنَّ الأفضلَ في مثلِ هذهِ الأحوالِ إقناعُ أحدِ أولياءِ المرأةِ ليكونَ وليَّها في الزواجِ؛ خروجًا مِن الخلافِ، وقطعًا للقيلِ والقالِ، فإن لم يوافقْ أحدُهم فيحقُّ لها أن ترفعَ أمرَها للقاضي لتزويجِها برجلٍ كفءٍ ومناسبٍ لها، لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ: «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ» <سنن أبي داود، كتاب النكاح، باب في الولي، وصححه الألباني>.
● موقفُ الفتوى الشرعيةِ في المواقعِ العلميةِ المعتبرةِ
نجدُ في المواقعِ العلميةِ المعتبرةِ كموقعِ الإسلامِ سؤالٍ وجوابٍ ميلًا واضحًا إلى مذهبِ الجمهورِ وتشديدًا في مسألةِ الوليِّ، حيثُ جاءَ في إحدى الفتاوى: “النكاحُ بلا وليٍّ لا يصحُّ عندَ الجمهورِ، فهو نكاحٌ فاسدٌ، ويصحُّ عندَ الحنفيةِ، لكن إذا تمَّ عقدُ النكاحِ عندَ قاضٍ أو مأذونٍ مِن قِبلِ القاضي، في وجودِ شاهدينِ، فلا يُنقضُ عندَ الجمهورِ”، كما نقلوا عن ابنِ قدامةَ رحمهُ اللهُ: “فإن حكمَ بصحةِ هذا العقدِ حاكمٌ، أو كانَ المتولي لعقدِهِ حاكمًا، لم يجزْ نقضُهُ وكذلكَ سائرُ الأنكحةِ الفاسدةِ” <المغني، ابن قدامة، (7/ 6)> <تزوجت بلا ولي وهي ثيب وكان المأذون أحد الشهود فهل تحتاج إلى طلاق لتنفصل عن زوجها؟، موقع الإسلام سؤال وجواب، تاريخ النشر: 24/مايو/2022 – 23/شوال/1443>.
وفي فتوى أخرى لموقعِ الإسلامِ سؤالٍ وجوابٍ بشأنِ نكاحٍ بلا وليٍّ ولا شهودٍ، شدَّدوا على أنَّ ما قامَ بهِ صاحبُ النازلةِ “منكرٌ عظيمٌ، ومَن أقدمَ على ذلكَ عالمًا بالتحريمِ فهو زانٍ يستحقُّ الحدَّ عندَ جماعةٍ مِن الفقهاءِ”، ونقلوا عن مغني المحتاج: “أما الوطءُ في نكاحٍ بلا وليٍّ ولا شهودٍ فإنَّهُ يوجبُ الحدَّ جزمًا، لانتفاءِ شبهةِ العلماءِ” <مغني المحتاج، الشربيني الخطيب، (4/ 245)>. لكنَّهم أشاروا إلى أنَّ بعضَ الفقهاءِ أسقطَ الحدَّ مراعاةً لخلافِ داودَ الظاهريِّ الذي يرى صحةَ النكاحِ بلا وليٍّ ولا شهودٍ، كما قالَ الشرواني: “أما الوطءُ في نكاحٍ بلا وليٍّ ولا شهودٍ، فلا حدَّ فيهِ، كما أفتى بهِ الوالدُ رحمهُ اللهُ” <حاشية تحفة المحتاج، الشرواني، (7/238)> <تزوجها بلا ولي ولا شهود ثم طلقها ثلاثا فهل يحل له أن يتزوجها؟، اسم الخطيب: غير مذكور، تاريخ النشر: 2022-08-10 – 1444/01/12، موقع: الإسلام سؤال وجواب>.
وقد حذَّرَ الموقعُ تحذيرًا بليغًا مِن التلاعبِ بالأحكامِ الشرعيةِ وتتبُّعِ الرخصِ بحسبِ الهوى، فقالوا: “وليسَ مِن الدينِ أن يعيشَ الإنسانُ معَ امرأةٍ بهذا النكاحِ، ويطلقُها ثلاثَ طلقاتٍ، ثم يعودُ فيقولُ: إنهُ نكاحٌ باطلٌ لا يلحقُني فيهِ الطلاقُ! وهل هذا إلا اللعبُ المحضُ بأحكامِ اللهِ وآياتِهِ، واتباعُ الهوى، أينما كانَ يركبُهُ صاحبُهُ؟!”.
● موقفُ فتوى جامعةِ النجاحِ الوطنيةِ
في فتوى جامعةِ النجاحِ الوطنيةِ بفلسطينَ، والتي أجابَ فيها الشيخُ محمدٌ أحمد حسين، أكَّدَ أنَّ الوليَّ شرطٌ في صحةِ عقدِ الزواجِ للبكرِ باتفاقِ العلماءِ، لا يصحُّ الزواجُ بدونِهِ، وقالَ بذلكَ جمهورُهم في حقِّ الثيبِ، وأجازَ الحنفيةُ تزويجَ الثيبِ بنفسِها، والأفضلُ أن يكونَ هناكَ وليٌّ خروجًا مِن الخلافِ. كما قررَ مجلسُ الإفتاءِ الأعلى وجوبَ توثيقِ عقودِ الزواجِ في المحاكمِ الشرعيةِ في قرارِهِ رقمِ 263/2015/11، وعليهِ فإنَّ زواجَ البكرِ مِن غيرِ وليٍّ وتوثيقٍ في فلسطينَ وخارجَها حرامٌ وباطلٌ <هل يصح للمرأة أن تزوج نفسها دون ولي؟، الشيخ محمد أحمد حسين، تاريخ النشر: 28 ديسمبر 2019، موقع: فتوى – جامعة النجاح الوطنية>.
وبهذا يتبينُ أنَّ المسألةَ خلافيةٌ بينَ المذاهبِ الفقهيةِ، وأنَّ لكلِّ قولٍ أدلتَهُ ووجهَ استدلالِهِ، وأنَّ العملَ في ديارِ القضاءِ والإفتاءِ يختلفُ باختلافِ المذاهبِ المعتمدةِ في كلِّ بلدٍ.
⚫ العنصرُ الرابعُ: في التوجيهِ الشرعيِّ والتربويِّ للمرأةِ المسلمةِ في مسألةِ الوليّ
● الوصيةُ للمرأةِ المسلمةِ
أيتها المسلمةُ الكريمةُ: إنَّ هذهِ المسألةَ ليستْ مسألةَ جدلٍ فقهيٍّ جافٍّ فحسب، بل هي مسألةٌ تمسُّ صميمَ حياتِكِ ومستقبلَ أسرتِكِ وكرامتِكِ. وإنَّ مِن كمالِ فقهِكِ ودينِكِ أن تتحرَّي الأحوطَ والأصونَ لعرضِكِ ودينِكِ، وألَّا تجعلي مِن الخلافِ الفقهيِّ بابًا للتساهلِ في أمورٍ عظامٍ. وإنَّ الأصلَ الذي لا ينبغي التنازلُ عنهُ أنَّ الزواجَ الشرعيَّ الذي يباركُهُ اللهُ ورسولُهُ هو الذي تمَّ فيهِ إذنُ الوليّ، وحضرَهُ الشهودُ العدولُ، وأُعلِنَ فيهِ الزواجُ إعلانًا يقطعُ الشكَّ والريبةَ.
وقد قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا۟ ٱلْأَيَٰمَىٰ مِنكُمْ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَآئِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا۟ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [ النور، رقم: 32]. وقالَ سبحانَهُ: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَٰفِظُونَ * إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾ [ المؤمنون، رقم: 5-7].
● النهيُ عن الزواجِ السرِّيِّ وما في معناهُ
إنَّ مِن أخطرِ ما وقعَ فيهِ بعضُ الناسِ في عصرِنا هذا ما يُسمَّى بالزواجِ العرفيِّ أو السرِّيِّ الذي تُغيَّبُ فيهِ شروطُ الزواجِ الصحيحِ، ويتمُّ بعيدًا عن الأولياءِ والشهودِ الموثوقِ بهم، ويُحاطُ بالكتمانِ والسريةِ. وإنَّ هذا الضربَ مِن العقودِ قلَّما يُباركُ فيهِ، وكثيرًا ما يكونُ مدخلًا للتلاعبِ والظلمِ وضياعِ الحقوقِ، وقد حذَّرَ أهلُ العلمِ منهُ أشدَّ التحذيرِ.
وقد جاءَ في فتوى مركزِ الفتوى بإسلامِ ويب توجيهٌ بليغٌ لامرأةٍ تورطتْ في مثلِ هذا الزواجِ: “فإذا أرادَ أن يتزوجَكِ فلا بدَّ أن يكونَ زواجًا شرعيًا عن طريقِ وليِّكِ، فإن أبى وأرادَ الزواجَ سرًّا فلا يجوزُ لكِ مطاوعتُهُ على ذلكَ، والذي ننصحُكِ بهِ إذا لم يكنِ الزواجُ عن طريقِ الوليِّ ممكنًا هو أن تتركي العملَ معَ هذا الرجلِ وتقطعي علاقتَكِ بهِ لما في ذلكَ مِن الريبةِ والتعرضِ للفتنةِ” <زواج الثيب والبكر بلا ولي غير صحيح، مركز الفتوى، تاريخ النشر: 6-7-2010 م – 25 رجب 1431 هـ، موقع: إسلام ويب>.
وإنَّ في هذهِ النصيحةِ لفتةً تربويةً عظيمةً: وهي أنَّ المرأةَ المسلمةَ العفيفةَ لا ترضى لنفسِها أن تكونَ في علاقةٍ ملتبسةٍ مشكوكٍ فيها، بل تعتزُّ بدينِها وعرضِها، وتأبى إلا أن تكونَ علاقتُها بالرجالِ على بصيرةٍ ووضوحٍ.
● إذا تعذرَ الوليُّ أو عضلَ
قد يقولُ قائلٌ: وماذا تصنعُ المرأةُ إذا كانَ وليُّها غائبًا أو سجينًا أو عاضلًا يمنعُها مِن الزواجِ بلا مسوغٍ شرعيٍّ؟ والجوابُ: إنَّ الشريعةَ الغراءَ لم تتركِ المرأةَ في هذهِ الحالاتِ همَلًا، بل جعلتْ لها مخارجَ شرعيةً تُحفظُ بها حقوقُها، ومنها:
• أولًا: انتقالُ الولايةِ إلى الوليِّ الأبعدِ: فإذا غابَ الوليُّ الأقربُ غيبةً منقطعةً أو امتنعَ امتناعًا غيرَ مبررٍ، انتقلتِ الولايةُ إلى مَن يليهِ في الترتيبِ.
• ثانيًا: ولايةُ القاضي أو السلطانِ: فإن لم يكنْ لها وليٌّ أصلًا، أو عضلَ الأولياءُ كلُّهم، فالحاكمُ أو القاضي هو وليُّها، لقولِهِ ﷺ: «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ» <سنن أبي داود، كتاب النكاح، باب في الولي، وصححه الألباني>. وفي فتوى سماحةِ الشيخِ محمدٍ أحمد حسين: “فإن لم يوافقْ أحدُهم فيحقُّ لها أن ترفعَ أمرَها للقاضي لتزويجِها برجلٍ كفءٍ ومناسبٍ لها” <هل يصح للمرأة أن تزوج نفسها دون ولي؟، الشيخ محمد أحمد حسين، تاريخ النشر: 28 ديسمبر 2019، موقع: فتوى – جامعة النجاح الوطنية>.
• ثالثًا: ولايةُ رئيسِ المركزِ الإسلاميِّ في بلادِ غيرِ المسلمينَ: فقد أفتى الشيخُ عبدُ العزيزِ بنُ باز رحمهُ اللهُ بأنَّ الأقلياتِ الإسلاميةَ في بلادِ الكفرِ إذا لم يكنْ لها وليٌّ ولا قاضٍ، فليرأسِ المركزِ الإسلاميِّ أن يُزوجَها؛ لأنَّهُ بمثابةِ الأميرِ أو السلطانِ عندَهم، وقال: “فإذا كانتْ في بلادٍ ليسَ فيها حاكمٌ، ليسَ فيها قاضٍ، ولا وليٌّ، كالأقلياتِ الإسلاميةِ في بلادِ الكفرِ، فليزوجُها رئيسُ المركزِ الإسلاميِّ إذا كانَ عندَهم مركزٌ إسلاميٌّ؛ لأنَّهُ بمثابةِ الأميرِ، بمثابةِ السلطانِ عندَهم” <حكم النكاح بدون ولي إذا كان في بلد غير بلد الولي، الشيخ عبد العزيز بن باز، تاريخ النشر: غير مدون، موقع: الموقع الرسمي لسماحة الشيخ ابن باز>.
وبهذا يتبينُ أنَّ الشريعةَ جمعتْ بينَ صيانةِ المرأةِ وحفظِ حقوقِها، فلم تجعلِ الولايةَ وسيلةً لتعطيلِ الزواجِ ولا لتسلطِ الأولياءِ، بل جعلتها نظامًا متكاملًا يضمنُ للمرأةِ الحمايةَ والكرامةَ معًا.
⚫ العنصرُ الخامسُ: في فوائدَ وأحكامٍ متصلةٍ بالمسألةِ
● الفائدةُ الأولى: اشتراطُ الشهودِ في النكاحِ
لا يصحُّ النكاحُ عندَ جمهورِ الفقهاءِ إلا بحضورِ شاهدينِ مسلمينِ عدلينِ، وقد نصَّ على ذلكَ الفقهاءُ في كتبِهم. وقد جاءَ في فتوى مجمعِ البحوثِ الإسلاميةِ بالأزهرِ الشريفِ: “الزواجُ الخالي مِن الوليِّ والشهودِ باطلٌ لقولهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: «لا نكاحَ إلا بوليٍّ وشاهدي عدلٍ»، وهذا لا خلافَ فيهِ” <حكم الزواج بدون ولي .. دار الإفتاء تجيب، محمد الغريب، تاريخ النشر: الثلاثاء 28/سبتمبر/2021 – 06:52 م، موقع: صدى البلد>. ولذلكَ فإنَّ ما يقعُ في بعضِ الأوساطِ مِن عقودٍ تُبرمُ بلا شهودٍ هو باطلٌ عندَ جماهيرِ العلماءِ، ويُخشى على أصحابِهِ مِن الوقوعِ في الحرامِ.
● الفائدةُ الثانيةُ: حكمُ الطلاقِ في النكاحِ الفاسدِ
إذا وقعَ نكاحٌ فاسدٌ لاختلالِ شرطٍ مِن شروطِهِ، كعدمِ الوليِّ عندَ الجمهورِ، ثم طلَّقَ الزوجُ امرأتَهُ، فهل يقعُ طلاقُهُ؟ والجوابُ عندَ الفقهاءِ: أنَّ الطلاقَ يقعُ في النكاحِ الفاسدِ الذي يسوغُ فيهِ الاجتهادُ، خلافًا للنكاحِ الباطلِ الذي لا خلافَ في بطلانِهِ. قالَ ابنُ قدامةَ رحمهُ اللهُ: “وإذا تزوَّجتِ المرأةُ تزويجًا فاسدًا، لم يجزْ تزويجُها لغيرِ مَن تزوَّجَها حتى يطلقَها أو يفسخَ نكاحَها. وإذا امتنعَ مِن طلاقِها، فسخَ الحاكمُ نكاحَهُ” <المغني، ابن قدامة، (7/ 11)>.
ولذلكَ أفتى موقعُ الإسلامِ سؤالٍ وجوابٍ في نازلةٍ مشابهةٍ: “وبكلِّ حالٍ، وسواءٌ قلنا بوجوبِ نقضِ هذا النكاحِ، أو عدمِ نقضِهِ، فلا يختلفُ الأمرُ في ذلكَ عندَ التفريقِ بينَهما؛ فلا بدَّ مِن الطلاقِ للخروجِ مِن هذا النكاحِ الفاسدِ” <تزوجت بلا ولي وهي ثيب وكان المأذون أحد الشهود فهل تحتاج إلى طلاق لتنفصل عن زوجها؟، موقع الإسلام سؤال وجواب، تاريخ النشر: 24/مايو/2022 – 23/شوال/1443>.
● الفائدةُ الثالثةُ: وجوبُ توثيقِ عقدِ الزواجِ رسميًا
إنَّ توثيقَ عقدِ الزواجِ في الدوائرِ الرسميةِ والمحاكمِ الشرعيةِ أو المدنيةِ المختصةِ ليسَ ترفًا إداريًا، بل هو واجبٌ شرعيٌّ ومصلحيٌّ، وخاصةً في هذا العصرِ الذي كثرتْ فيهِ المنازعاتُ وضياعُ الحقوقِ. وقد قرَّرَ مجلسُ الإفتاءِ الأعلى في فلسطينَ وجوبَ توثيقِ عقودِ الزواجِ في المحاكمِ الشرعيةِ في قرارِهِ رقمِ 263/2015/11، وهو القرارُ الثاني مِن الجلسةِ 134 بتاريخِ 7 صفر 1437 الموافق 19/11/2015، وعليهِ فإنَّ زواجَ البكرِ مِن غيرِ وليٍّ وتوثيقٍ في فلسطينَ وخارجَها حرامٌ وباطلٌ <هل يصح للمرأة أن تزوج نفسها دون ولي؟، الشيخ محمد أحمد حسين، تاريخ النشر: 28 ديسمبر 2019، موقع: فتوى – جامعة النجاح الوطنية>.
وإنَّ في التوثيقِ حفظًا لحقوقِ المرأةِ والرجلِ والأطفالِ، ومنعًا لإنكارِ الزواجِ، وتسهيلًا لإثباتِ النسبِ والميراثِ والنفقةِ، فمَن تركَه فقد عرَّضَ نفسَهُ وأسرتَهُ لمفاسدَ عظيمةٍ.
● الفائدةُ الرابعةُ: الالتزامُ بالمنهجِ الوسطِ في الفتوى
إنَّ المسائلَ الخلافيةَ ينبغي أن يُنظرَ إليها بعينِ الإنصافِ والاعتدالِ، فلا يُنكرُ على مَن أخذَ بقولٍ معتبرٍ لعالمٍ قدوةٍ إذا تحققتْ شروطُ الاجتهادِ والتقليدِ، ولا يجوزُ في الوقتِ نفسِهِ تتبُّعُ الرخصِ والتلاعبُ بالأحكامِ تبعًا للهوى. وقد قالَ الإمام ابنُ تيميةَ رحمهُ اللهُ محذرًا مِن هذا التلاعبِ: “وليسَ لأحدٍ بعدَ الطلاقِ الثلاثِ أن ينظرَ في الوليِّ: هل كانَ عدلًا أو فاسقًا؛ ليجعلَ فسقَ الوليِّ ذريعةً إلى عدمِ وقوعِ الطلاقِ، فإنَّ أكثرَ الفقهاءِ يصححونَ ولايةَ الفاسقِ، وأكثرُهم يوقعونَ الطلاقَ في مثلِ هذا النكاحِ، بل وفي غيرِهِ مِن الأنكحةِ الفاسدةِ. وإذا فرَّعَ على أنَّ النكاحَ فاسدٌ، وأنَّ الطلاقَ لا يقعُ فيهِ، فإنما يجوزُ أن يستحلَّ الحلالَ، مَن يحرمُ الحرامَ، وليسَ لأحدٍ أن يعتقدَ الشيءَ حلالًا حرامًا. وهذا الزوجُ كانَ يستحلُّ وطأَها قبلَ الطلاقِ، ولو ماتتْ لورثَها، فهو عاملٌ على صحةِ النكاحِ، فكيفَ يعملُ بعدَ الطلاقِ على فسادِهِ؟! فيكونُ النكاحُ صحيحًا إذا كانَ لهُ غرضٌ في صحتِهِ، فاسدًا إذا كانَ لهُ غرضٌ في فسادِهِ. وهذا القولُ يخالفُ إجماعَ المسلمينَ، فإنَّهم متفقونَ على أنَّ مَن اعتقدَ حلَّ الشيءِ كانَ عليهِ أن يعتقدَ ذلكَ، سواءٌ وافقَ غرضَهُ أو خالفَهُ” <الفتاوى الكبرى، ابن تيمية، (3/204)> <تزوجها بلا ولي ولا شهود ثم طلقها ثلاثا فهل يحل له أن يتزوجها؟، اسم الخطيب: غير مذكور، تاريخ النشر: 2022-08-10 – 1444/01/12، موقع: الإسلام سؤال وجواب>.
● الفائدةُ الخامسةُ: الأثرُ الاجتماعيُّ والتربويُّ لتفعيلِ دورِ الوليّ
إنَّ إحياءَ دورِ الوليّ في النكاحِ ليسَ إجراءً شكليًا، بل هو عملٌ عباديٌّ واجتماعيٌّ عظيمُ الأثرِ، ففيهِ:
• تقويةُ الروابطِ الأسريةِ: إذ يزدادُ الترابطُ بينَ العائلتينِ، وتتسعُ دائرةُ المسؤوليةِ والمشاركةِ في إنجاحِ الزواجِ.
• الاستفادةُ مِن خبرةِ الأولياءِ وحكمتِهم: فالأبُ أو الأخُ الكبيرُ لهُ مِن التجاربِ والحكمةِ ما يعينُ على حسنِ الاختيارِ.
• الاحتياطُ لِما قد يقعُ مِن خلافاتٍ: فوجودُ الوليِّ يُسهمُ في حلِّ النزاعاتِ الزوجيةِ المبكرةِ قبلَ استفحالِها.
• توفيرُ الحمايةِ القانونيةِ والاجتماعيةِ للمرأةِ: إذ يكونُ لها سندٌ تلجأُ إليهِ عندَ الحاجةِ.
ولهذا كلِّهِ، فإنَّنا نوصي النساءَ المسلماتِ بأن لا يستغنينَ عن أوليائِهن في أمرِ زواجِهن، وأن يجعلنَ مِن أوليائِهن سندًا وعونًا لا خصمًا ومنازعًا، وأن يحرصنَ على إقناعِهم والتواصلِ معَهم، فإنَّ في ذلكَ خيرًا كثيرًا.
⚫ العنصرُ السادسُ: خلاصةُ البحثِ والتوصياتُ
بعدَ هذا الاستعراضِ المفصلِ لمسألةِ الولايةِ في النكاحِ، نُجملُ أهمَّ ما توصلنا إليهِ في نقاطٍ:
• أولًا: الولايةُ في النكاحِ تشريعٌ حكيمٌ يُرادُ بهِ صيانةُ المرأةِ وحفظُ كرامتِها وحمايةُ الأسرةِ والمجتمعِ، وليسَ انتقاصًا مِن أهليةِ المرأةِ أو استقلالِها.
• ثانيًا: المسألةُ خلافيةٌ بينَ الفقهاءِ، ولهم فيها ثلاثةُ اتجاهاتٍ رئيسةٍ: مذهبُ الجمهورِ باشتراطِ الوليِّ مطلقًا، ومذهبُ الحنفيةِ بعدمِ اشتراطِهِ في حقِّ البالغةِ الرشيدةِ، ومذهبٌ وسطٌ يفرِّقُ بينَ البكرِ والثيبِ.
• ثالثًا: مذهبُ الجمهورِ هو الراجحُ عندَ كثيرٍ مِن المحققينَ لقوةِ أدلتِهِ، وهو الأحوطُ والأصونُ للدينِ والعرضِ، وقد اعتُمدَ في فتاوى كثيرةٍ.
• رابعًا: العملُ في ديارِ القضاءِ والإفتاءِ يختلفُ باختلافِ القوانينِ المعتمدةِ، فبعضُ البلادِ تأخذُ بمذهبِ الحنفيةِ في صحةِ زواجِ المرأةِ البالغةِ نفسَها، معَ التوصيةِ بالخروجِ مِن الخلافِ.
• خامسًا: ينبغي على المرأةِ المسلمةِ أن تحتاطَ لدينِها وعرضِها، وأن لا تُقدمَ على زواجٍ دونَ وليٍّ إلا عندَ تعذرِهِ أو عضلِهِ، فتلجأَ حينئذٍ إلى القاضي أو السلطانِ أو مَن يقومُ مقامَهما.
• سادسًا: الزواجُ السرِّيُّ أو العرفيُّ الذي تُغيَّبُ فيهِ الشروطُ الشرعيةُ كالوليِّ والشهودِ الموثوقِ بهم مدعاةٌ للمفاسدِ، ومظنةٌ لضياعِ الحقوقِ، فيجبُ الحذرُ منهُ أشدَّ الحذرِ.
• سابعًا: يجبُ توثيقُ عقودِ الزواجِ رسميًا حفظًا للحقوقِ ومنعًا للتنازعِ، وقد قرَّرَ ذلكَ مجالسُ الإفتاءِ والقوانينُ المعاصرةُ.
• ثامنًا: الواجبُ على الأولياءِ أن يتقوا اللهَ في مولياتِهم، وأن يُيسروا زواجَهن بالكفءِ، ولا يعضلوهن، فإنَّ في العضلِ ظلمًا ومعصيةً تُخشى عاقبتُها.
وإنَّنا لنختمُ هذا البحثَ بتذكيرٍ صادقٍ بأنَّ الزواجَ في الإسلامِ عقدٌ عظيمٌ وميثاقٌ غليظٌ، ينبغي أن يُحاطَ بكلِّ أسبابِ الحفظِ والصيانةِ، وأنَّ الخيرَ كلَّ الخيرِ في التمسكِ بهديِ اللهِ ورسولِهِ، قالَ تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخْشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ﴾ [ النور، رقم: 52].
🤲 الدعاء 🤲
واللهَ نسألُ أن يوفقَنا لما يحبُّ ويرضى، وأن يهديَ شبابَ المسلمينَ وفتياتِهم إلى ما فيهِ خيرُهم في الدنيا والآخرةِ، وأن يصلحَ بيوتَنا وذرياتِنا، وأن يجعلَنا هداةً مهتدينَ، غيرَ ضالينَ ولا مضلينَ.

image 10

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى