💰 الذهب: 5,680 ج.م
سعر الذهب عيار 21
5,680 ج.م
كافة الأسعار ←
💱 العملات
🇺🇸 دولار 48.50
🇪🇺 يورو 52.15
الجدول بالكامل
🕌 الصلاة: الظهر
مواقيت الصلاة
الفجر 04:02
الظهر 11:55
العصر 15:31
المغرب 18:23
العشاء 19:44
☀️ القاهرة: 34°

طقس القاهرة الآن: صافي

طقس المحافظات ←
عاجل
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
بوابة تحيا مصر حره
منوعات

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فقه الإخلاص

خلاصة الخبر في نقاط
  • رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فقه الإخلاص
  • بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
  • مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
  • رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فقه الإخلاص

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

الإخلاص هو قطب رحى الأعمال، وروح الطاعات وسر قبولها، وهو الميزان الدقيق الذي توزن به المقاصد والنيات، ولقد عني علماء الأمة بسلفهم وخلفهم بهذا الباب العظيم تأصيلًا وتفريعًا؛ لأنه جماع الدين وزبدة رسالات المرسلين.
وهذه البحثية تسعى إلى تحرير معنى الإخلاص، وتجلية حقيقته، وبيان فضائله وثمراته ومراتبه، مع الوقوف على نماذج مشرقة من حياة السلف الصالح -رضوان الله عليهم- الذين جعلوا الإخلاص دثارهم وشعارهم.
ويأتي حديثنا في العناصر التالية.
⚫ العنصر الأول: تأصيل مفهوم الإخلاص: بين اللغة والاصطلاح الشرعي
إنّ تأصيل المفهوم ضرورة منهجية، إذ لا يتصور إدراك حقيقة المقام دون إحكام النظر في مادته اللغوية ومدلوله الشرعي.
● الإخلاص في اللغة:
الإخلاص مصدر أخلص، وهو مأخوذ من مادة (خ ل ص) التي تدور في أصل معناها اللغوي على التنقية والتهذيب والصفاء.
الإخلاص «لُغَةً»: مَصْدَرُ أَخْلَصَ يُخْلِصُ وهو مأخوذٌ من مادّة (خ ل ص)
التي تدور في أصل معناها اللغوي على التنقية والتهذيب والصفاء.
<«المفردات» للراغب (154)>.
قال ابن فارس -رحمه الله- في بيان هذا الأصل: “الخاء واللام والصاد أصل واحد مطرد، وهو تنقية الشيء وتهذيبه” <مقاييس اللغة، ابن فارس، مادة: خلص>. فالخالص هو ما زال عنه شوبه بعد أن كان فيه، فهو أخص من الصافي؛ لأن الصافي قد يطلق على ما لا شوب فيه ابتداءً، وأما الخالص فهو الذي نُقّي مما علق به من الأكدار والشوائب.
ولهذا قال الإمام الراغب الأصفهاني -رحمه الله-: “والخالص كالصافي إلا أن الخالص ما زال عنه شوبه بعد أن كان فيه، والصافي قد يقال لما لا شوب فيه” <المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني، ص: 154>. فإذا قلت: أخلص الدين لله، أي: نقّاه ومحّضه من شوائب الرياء والشرك، وصفّاه من كل ما يكدره.
● الإخلاص في الاصطلاح الشرعي:
لقد تعددت عبارات أهل العلم في تعريف الإخلاص اصطلاحًا، وهي وإن تعددت ألفاظها فإنها تلتقي عند معنى واحد جامع، وهو تصفية العمل من كل شائبة، وإفراد الله -عز وجل- بالقصد في الطاعة. ومن جامع ما قيل في تعريفه:
• إفراد الله بالقصد: وهو قولهم: “هو إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة” <انظر: مدارج السالكين، ابن القيم، 2/ 91>. أي أن لا يكون للمكلف باعث على العمل إلا وجه الله تعالى وطلب مرضاته.
• تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين: وهو قولهم: “تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين وإعجاب الفاعل بنفسه”، فلا يكون في قلبه التفات إلى نظر الناس أو مدحهم أو ثنائهم.
• نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق: وهذا من أعمق التعاريف، وهو ما عبر عنه أبو عثمان -رحمه الله- بقوله: “الإخلاص: نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الحق”. فمن استغرق قلبه شهود عظمة الله ونظره إليه، غفل قلبه عن مراعاة الخلق.
• استواء الظاهر والباطن: وهو أن يكون حال العبد في سره كحاله في علانيته، فلا يكون في باطنه ما يخالف ظاهره من إرادة غير الله.
• طلب الشاهد من الله وحده: وذلك بألا يطلب العبد على عمله شاهدًا غير الله -تعالى-، فلا ينتظر ثناءً ولا يخشى ذمًا.
وباختصار يمكن القول بأن الإخلاص هو: تصفية العمل من كل شائبة، بحيث لا يمازج العمل شيء من إرادات النفس، لا طلب تزين في قلوب الخلق، ولا مدحهم، ولا الهرب من ذمهم، ولا طلب تعظيمهم أو أموالهم أو خدمتهم، بل يكون الباعث على العمل القيام بحق العبودية، وطلب التقرب إلى الرب سبحانه وتعالى، وابتغاء الوسيلة إليه وحده لا شريك له.
▪️ وليس هناك أخطر على العبادة من الرياء وهو أخوف شيء خافه النبي -صلى الله عليه وسلم- على أمته فعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ-رضي الله عنه-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ” إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ ” قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ” الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً “<أخرجه أحمد(23630)، وصححه الألباني في الجامع الصغير(2435).>
لقد غلب على المخلصين الخشوع، فجاء المرائي يبهرج فقيل: «مَهْلاً فالناقد بصير».
لما أخذ دود القز ينسج جاءت العنكبوت تتشبه فنادى على لسان الحال الفارق: إذَا اشْتَبَكَتْ دُمُوعٌ فِي خُدُودٍ … تَبَيَّنَ مَنْ بَكَى مِمَّنْ تَبَاكَى <تباكى: تصنع البكاء. وانظر: «اللطائف في الوعظ» لابن الجوزي (54)>
⚫ العنصر الثاني: حقيقة الإخلاص وعلاقته بالنصح والصدق
إذا تحرر لنا معنى الإخلاص، فإن من تمام الفقه في هذا الباب معرفة الفروق الدقيقة بينه وبين ما يقاربه من المقامات كالصدق والنصح، إذ لا انفكاك بينها، بل بينها تلازم وتداخل، غير أن لكل واحد منها حقيقة تخصه.
● الفرق بين الإخلاص والصدق:
الصدق أصل والإخلاص متفرع عنه .
وقيل: الإخلاص لا يكون إلا بعد الدخول في العمل، وأما الصدق فيكون بالنية الصادقة قبل الدخول فيه. وقد حرر الإمام ابن القيم -رحمه الله- الفرق بينهما بعبارة جامعة فقال: “الإخلاص: إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة، أو تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين… وأما الصدق: فهو التنقي من مطالعة النفس، فالمخلص لا رياء له، والصادق لا إعجاب له” <مدارج السالكين، ابن القيم، 2/ 91>. وعليه، فيمكن القول بأن الإخلاص هو إفراد الله بالقصد عن الخلق، والصدق هو موافقة الظاهر للباطن عن النفس. فالمخلص لا يلتفت إلى الناس، والصادق لا يلتفت إلى نفسه معجبًا بها.
● الفرق بين الإخلاص والنصح:
أما النصح فهو بذل الوسع واستفراغ الطاقة في أداء العمل على الوجه الأكمل، ظاهرًا وباطنًا، دون توانٍ أو غش أو تقصير. والنبي ﷺ يقول: «إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ…» <أخرجه مسلم>، فالإخلاص متعلق بقصد العمل (لِمَن تعمل؟)، والنصح متعلق بكيفية العمل (كيف تعمل؟). فمن يعمل العمل يريد به وجه الله فهو مخلص، ومن يبذل جهده في إتقانه والإتيان به على السنة دون غش فهو ناصح. وقد جمع الله بينهما في قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5]، وبينه النبي ﷺ بقوله: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» <أخرجه مسلم>. فالإخلاص إحسان القصد، والنصح إحسان الفعل.
حقيقته
وحقيقة الإخلاص: التَّبَرِّي عن كُلّ ما دُون الله تعالى، أمّا الإخلاصُ في الدِّين، فيقول فيه الرَّاغبُ: «إخلاص المسلمين أنهم قد تبرءوا مما يدعي اليهود من التشبيه، والنصارى من التثليث، قال تعالى: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: 29]، وقال ﷻ: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء: 146]».
وأجمعوا على أنّ الإخلاص في الطاعة: تَرْكُ الرِّياءِ.
وقال الفضيل بن عياض – رحمه الله -: «تَرْكُ العملِ لأجلِ الناسِ رياءٌ، والعملُ لأجلهم شِرْكٌ، والإخلاصُ: الْخَلَاصُ مِنْ هَذَيْنِ» وفي رواية: «والإخلاص: أن يُعافِيَك الله منهما» (1)<«مدارج السالكين» (95/3)>.
وقال الإمام ابنُ القَيِّمِ – رحمه الله -: «لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار والضب والحوت. فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص فأقبل على الطمع أولاً فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص. فإن قلت: وما الذي يسهل عليّ ذَبْحَ الطمع والزهد في الثناء وَالْمَدْحِ؟ قلتُ: أَمَّا ذَبْحُ الطَّمع: فيسهله عليك عِلْمُك يقيناً أنه ليس من شيء يطمع فيه إلا وبيد الله وحده خزائنه لا يملكها غيره، ولا يؤتى العبد منها شيئاً سواه. وأما الزهد في الثناء وَالْمَدْحِ: فيسهله عليك عِلْمُك أنه ليس أحد ينفع مدحه، ويزين ويضر ذَمُّه ويشين إلا الله وحده، كما قال ذلك الأعرابي للنبي ﷺ: إنّ مَدْحي زينٌ، وَذَمِّي شينٌ، فقال ﷺ: «ذَلِكَ اللهُ عز وجل» (1)<صحيح: أخرجه ابن مردويه عن ابن مسعود  وصححه صاحب «المقبول من أسباب النزول»>. فازهد في مدح من لا يزينك مدحه وفي ذم من لا يشينك ذمه، وارغب في مدح من كلّ الزين في مدحه وكل الشين في ذمه، ولن يقدر على ذلك إلا بالصبر واليقين، فمتى فقدت الصبر واليقين كنت كمن أراد السفر في البحر في غير مركب. قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: 60]. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24]» ا.هـ (2)<«الفوائد» (133، 134)>.
⚫ العنصر الثالث: منزلة الإخلاص من الدين وأهميته القصوى
ليس الإخلاص خصلة تكميلية، أو درجة عالية يقصر عنها إلا الخواص، بل هو شرط قبول الأعمال وأساسها الذي لا تقوم بدونه. ومنزلة الإخلاص من الدين تتبين من وجوه عدة:
● الإخلاص روح الأعمال:
إن منزلة الإخلاص من العمل كمنزلة الروح من الجسد، فعمل بلا إخلاص كجسد بلا روح، صورته صورة العمل ولكنه لا حياة فيه ولا ثمرة له. وقد قال ابن عطاء الله السكندري -رحمه الله-: «الأعمال صُورٌ قائمة، وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها» <الحكم العطائية، 8>. وقال ابن القيم -رحمه الله-: “العمل بغير إخلاص ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملاً ينقله ولا ينفعه” <الفوائد، ابن القيم، ص: 49>. ولأجل هذا، كان الثواب والعقاب مرتبًا على النيات والمقاصد لا على صور الأعمال، ففي الحديث القدسي: «قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، فَمَنْ عَمِلَ لِي عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ، وَهُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ» <رواه مسلم (2985)>.
● لا سبيل للخلاص إلا بالإخلاص:
إن العبد محاسب على أعماله ونياته، وقد دلت النصوص على أن النجاة يوم القيامة مرهونة بسلامة القلب وإخلاصه، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89]. والقلب السليم هو الذي سلم من الشرك والرياء وحب المحمدة، فخلصت نيته لله. وقد قال معروف الكرخي -رحمه الله- لنفسه موبخًا ومحرضًا: “يا نفس أخلصي تتخلصي” <إحياء علوم الدين، الغزالي، 4/ 378>. فطريق التخلص من تبعات الأعمال وعقابها هو تجريد الإخلاص فيها.
● الإخلاص حقيقة الإسلام الذي بعث به المرسلون:
الإسلام هو الاستسلام لله وحده لا شريك له، فمن لم يستسلم لله استكبر، ومن استسلم لله ولغيره أشرك، ولا يتحقق الإسلام إلا بالإخلاص لله في الاستسلام والانقياد. قال ابن تيمية -رحمه الله-: “إذ الإسلام هو الاستسلام لله لا غيره… فمن لم يستسلم لله فقد استكبر، ومن استسلم لله ولغيره فقد أشرك، وكل من الكبر والشرك ضد الإسلام، والإسلام ضد الشرك والكبر” <مجموع الفتاوى، ابن تيمية، 10/ 14>. وهذا يفسر لنا لماذا كان الأنبياء -عليهم السلام- يبعثون جميعًا بهذه الكلمة: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: 59].
● الإخلاص قوام الأمة وصلاحها:
بالإخلاص تنهض الأمم، وبدونه تخبو وتذل. وقد سأل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- معاذ بن جبل -رضي الله عنه- عن قوام هذه الأمة، فقال معاذ: “ثلاث وهن المنجيات: الإخلاص وهو الفطرة، فطرة الله التي فطر الناس عليها؛ والصلاة وهي الملة؛ والطاعة وهي العصمة. فقال عمر: صدقت” <أخرجه معمر بن راشد في جامعه، برقم (20689)، والبيهقي في شعب الإيمان، برقم (6450)>. فانظر كيف جعل الإخلاص هو الأصل والفطرة التي لا صلاح للأمة بدونها.
⚫ العنصر الرابع: الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب الإخلاص وفضله
لقد تواترت نصوص الوحيين -الكتاب والسنة- في الأمر بالإخلاص، والترغيب فيه، وبيان فضله، وتحذير العباد من ضدّه من الرياء والشرك الخفي.
● أدلة القرآن الكريم:
جاءت آيات كثيرة تأمر بالإخلاص وتثني على أهله، من ذلك:
• أمر الله تعالى نبيه ﷺ وأمته بالإخلاص: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: 2].
• وجعل الإخلاص غاية الخلق والأمر: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5].
• وأوجب إخلاص الدعاء له وحده: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: 29]، وقال: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: 14].
• وشرط قبول العمل أن يكون خالصًا صوابًا: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]. قال الفضيل بن عياض في تفسيرها: “أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا. والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة” <حلية الأولياء، أبو نعيم، 8/ 95>.
• ووعد الله المخلصين بأعلى الجنات: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: 40-43].
● أدلة السنة النبوية:
وأما السنة المطهرة فقد جاءت بأحاديث جمة في هذا الباب، نكتفي منها ببعض الجوامع:
• الحديث العظيم الذي هو ميزان الأعمال الباطنة: عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» <رواه البخاري ومسلم>.
• والحديث القدسي المهيب الذي يوجل منه قلب المؤمن: عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن النبي ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» <رواه مسلم (2985)>.
• والحديث الدال على أن الله لا يقبل إلا الخالص: عن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ» <صحيح رواه النسائي (25/6)، وجود ابن حجر إسناده، وصححه الألباني>.
• والحديث المبين لفضل إخفاء العمل الصالح: عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن النبي ﷺ قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ…» وذكر منهم: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» <رواه البخاري (660)، ومسلم (1031)>.
▪️ وما صنَّفَ إمامٌ من أئمةٍ السلفِ كتاباً إلا قدَّمه بالحديث عن الإخلاص في النية: وذلك طلباً لرضى الله ورجاءً في قبول العمل، ومن أمثلة ذلك: ما ذكره الإمامُ البخاري في صدر كتابه الجامع الصحيح حديث عمر-رضي الله عنه-،”إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ”<أخرجه البخاري (1).>. قال ابن بطال : وإنما قدَّم البخاري، حديث “الأعمال بالنيات” فى أول كتابه، ليُعلمَ أنَّه قَصَدَ فى تأليفه وجه الله عز وجل، ففائدة هذا المعنى، أن يكون تنبيهًا لكل من قرأ كتابه، أن يقصد به وجه الله تعالى كما قصده البخاري فى تأليفه<شرح صحيح البخاري لابن بطال (1/ 31).>.
وقال ابن دقيق العيد: حديث {إنما الأعمال بالنيات} قال أبو داود: إنه نصف الإسلام ، أي: لأن الدين إما ظاهر، وهو العمل، أو باطن، وهو النية، والشافعي قال إنه ثلثـه، لأن كسب العبد إما بقلبه أو بلسانه أو بجوارحه، والنية أحدهما<شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد (ص: 22).>.
ومن الأفزع في هذا الباب حديث الثلاثة الذين تسعر بهم النار الذي جعل أبا هريرة -رضي الله عنه-، كلما حدَّث به سقط مغشيًا عليه من الخوف، فعَن شُفَيٍّ الأَصْبَحِىِّ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ فَقَالَ مَنْ هَذَا فَقَالُوا أَبُو هُرَيْرَةَ-وفيه-ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً شَدِيدَةً ثُمَّ مَالَ خَارًّا عَلَى وَجْهِهِ فَأَسْنَدْتُهُ عَلَىَّ طَوِيلاً ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ حَدَّثَنِى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَنْزِلُ إِلَى الْعِبَادِ لِيَقْضِىَ بَيْنَهُمْ وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ فَأَوَّلُ مَنْ يَدْعُو بِهِ رَجُلٌ جَمَعَ الْقُرْآنَ وَرَجُلٌ قُتِلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَرَجُلٌ كَثِيرُ الْمَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْقَارِئِ أَلَمْ أُعَلِّمْكَ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي قَالَ بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عُلِّمْتَ قَالَ كُنْتُ أَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ كَذَبْتَ وَتَقُولُ لَهُ الْمَلاَئِكَةُ كَذَبْتَ وَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ إِنَّ فُلاَنًا قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ. وَيُؤْتَى بِصَاحِبِ الْمَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ أَلَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ حَتَّى لَمْ أَدَعْكَ تَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ قَالَ بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا آتَيْتُكَ قَالَ كُنْتُ أَصِلُ الرَّحِمَ وَأَتَصَدَّقُ. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ كَذَبْتَ وَتَقُولُ لَهُ الْمَلاَئِكَةُ كَذَبْتَ وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلاَنٌ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ. وَيُؤْتَى بِالَّذِي قُتِلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ فِى مَاذَا قُتِلْتَ فَيَقُولُ أُمِرْتُ بِالْجِهَادِ فِى سَبِيلِكَ فَقَاتَلْتُ حَتَّى قُتِلْتُ. فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ كَذَبْتَ وَتَقُولُ لَهُ الْمَلاَئِكَةُ كَذَبْتَ وَيَقُولُ اللَّهُ بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلاَنٌ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ “. ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى رُكْبَتِي فَقَالَ: ” يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أُولَئِكَ الثَّلاَثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ “. فدَخَلَ رَجُلٌ يَعْنِي عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَحَدَّثَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ قَدْ فُعِلَ بِهَؤُلاَءِ هَذَا فَكَيْفَ بِمَنْ بَقِىَ مِنَ النَّاسِ ثُمَّ بَكَى مُعَاوِيَةُ بُكَاءً شَدِيدًا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ هَالِكٌ وَقُلْنَا قَدْ جَاءَنَا هَذَا الرَّجُلُ بِشَرٍّ ثُمَّ أَفَاقَ مُعَاوِيَةُ وَمَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَ صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} هود: 15، 16<أصل الحديث مختصرًا عند مسلم(1905)، وأخرجه الترمذي(2557) بهذا اللفظ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (22).>
⚫ العنصر الخامس: حكم العمل المشوب: اتجاهات الفقهاء وتحرير المسألة
إذا كان العمل الخالص لله مقبولًا، والعمل الذي يراد به الرياء وحده مردودًا ومُوجبًا للعقاب، فما حكم العمل الذي اختلطت فيه الإرادات، فكان لله فيه نصيب، وللنفس والرياء فيه نصيب؟ هذه المسألة من دقائق مسائل الإخلاص، ولأهل العلم فيها اتجاهان رئيسيان:
● الاتجاه الأول: إحباط العمل مطلقًا.
– يرى بعض العلماء أنه متى خالط العملَ أيُّ شائبة من حظوظ النفس والرياء، بطل العمل كله ولم يقبل، مستدلين بقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» <رواه مسلم (2985)>. قالوا: فالحديث نص في أن الله لا يقبل العمل الذي أشرك فيه غيره، ولم يفرق بين قليل الرياء وكثيره، وبين أن يكون الباعث الديني أقوى أو أضعف.
● الاتجاه الثاني: التفريق بين أنواع الشوائب.
وهو الذي حرره الإمام ابن قدامة المقدسي -رحمه الله-، وعليه جمهور المحققين، وهو أن العمل المشوب لا يخلو من أحوال:
• الحال الأولى: أن يتساوى الباعث الديني والنفساني. فيتساقطان، ولا ثواب ولا عقاب؛ لأن العمل لم يخلص لله بالكلية، ولم يقصد به الرياء وحده، كما قال ﷺ في حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار: «قِيلَ: فَمَا أَرَدْتَ فِي عَمَلِكَ؟» فدل أن القصد هو المعيار.
• الحال الثانية: أن يكون باعث الرياء أرجح وأقوى. فهذا مردود على صاحبه، ويوجب العقاب، ولكن عقابه دون عقاب من تجرد للرياء؛ لأن لأصل العمل أصلًا صحيحًا ضعيفًا.
• الحال الثالثة: أن يكون الباعث الديني أرجح وأقوى. فهذا يثاب صاحبه بقدر ما غلب من قصده لله، ولا يبطل أصل عمله، وذلك لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 40].
قال الإمام ابن قدامة -رحمه الله- في تقرير هذا الاتجاه: “والذي يتضح لنا فيه، والعلم عند الله تعالى: أن ننظر إلى قدر قوة البواعث، فإن كان الباعث الديني مساويًا للباعث النفساني تقاوما وتساقطا… وإن كان باعث الرياء أقوى، ضر وأوجب العقاب، ولكن عقابه دون من تجرد للرياء. وإن كان الباعث الديني أقوى من الآخر، فله ثواب بقدر ما فضل من قوته… ويشهد لما ذكرنا إجماع الأمة على أن من خرج حاكًا ومعه تجارة، صح حجه وأثيب عليه، وقد امتزج به حظ من حظوظ النفس” <مختصر منهاج القاصدين، ابن قدامة، ص: 451>.
وهذا التفصيل هو أعدل الأقوال وأحكمها، وفيه مراعاة لعدل الله ورحمته، وفيه أيضًا حضّ للمؤمن على المجاهدة الدائمة لتغليب باعث الدين على باعث النفس، وألا يتساهل في مقارفة الرياء اليسير بحجة أنه لا يضر، بل يجتهد في تصفية عمله وتنقيته من كل شائبة.
⚫ العنصر السادس: مراتب الإخلاص ودرجاته في قلوب العاملين
ليس المخلصون في الإخلاص على درجة واحدة، بل هم فيه على مراتب متفاوتة بحسب قوة القصد، وصفاء النية، ومدى مجاهدة النفس على تنحية الحظوظ العاجلة. ويمكن أن نلخص هذه المراتب في درجتين:
● المرتبة الأولى: العليا – تمام التجريد.
وهي أن يتمحض قصد العبد لإرادة وجه الله -تعالى- وما عنده من الثواب فحسب، ولا يلتفت إلى أي شيء آخر ولو كان مباحًا. فهو يجاهد لا يريد إلا ما عند الله، ولا تشغله الغنيمة، ولا يلتفت إلى منفعة صحية أو دنيوية. وهو يصوم لا يريد إلا وجه الله، ولا يخطر بباله تخفيف الوزن أو الحمية. وهو يمشي إلى المسجد لا يخطر بباله إلا تكثير الخطا التي يتقرب بها إلى ربه، لا نشاط بدنه. فهذا أعلى المقامات وأشرفها.
● المرتبة الثانية: الوسطى – الإخلاص مع إرادة مباحة.
وهي أن يقصد العبد وجه الله والدار الآخرة، ويلتفت مع ذلك إلى معنى دنيوي يجوز الالتفات إليه، كالذي يحج يريد وجه الله والتجارة معًا، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198]. أو كالذي يصوم طلبًا للأجر والثواب ولصحة بدنه. أو كالذي يحضر صلاة الجماعة لله ولتثبت عدالته وتقبل شهادته. فهذا العمل صحيح مقبول، ولكن صاحبه دون صاحب المرتبة الأولى؛ لأن علو الهمة في التجريد من أعلى صفات الصديقين.
⚫ العنصر السادس : فضل عبادة السر وهدي السلف فيها
إن من أعظم ثمرات الإخلاص وتجلياته العملية “عبادة السر”، وهي الخبيئة الصالحة بين العبد وربه، والتي لا يطلع عليها أحد. وفضل عبادة السر متنوع يدخل في سائر الأعمال كالصدقة والصيام والقيام والبكاء من خشية الله وفي غيرها من الأعمال ولقد كثرت الأدلة من الكتاب والسنة التي ترغب في عمل السر ومن ذلك: قوله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة: 271] قال ابن كثير: “فيه دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها؛ لأنه أبعد عن الرياء، إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة، من اقتداء الناس به، فيكون أفضل من هذه الحيثية “<تفسير ابن كثير(1/ 701).>. وقال سبحانه: { ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55] قال الطبري: ” قوله تعالى:{تَضَرُّعًا}تذلُّلا واستكانة لطاعته { وَخُفْيَةً }أي بخشوع قلوبكم، وصحة اليقين منكم بوحدانيته فيما بينكم وبينه، لا جهارًا ومراءاةً، وقلوبكم غير موقنة بوحدانيته وربوبيته، فِعلَ أهل النفاق والخداع لله ولرسوله”<تفسير الطبري(12/ 485).>. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ : سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ –ذكر منهم- رَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ<أخرجه البخاري(660)، ومسلم(1031).>. قال ابن حجر: “قوله ذكر الله أي بقلبه من التذكر أو بلسانه من الذكر وخاليا أي من الخلو لأنه يكون حينئذ أبعد من الرياء والمراد خاليا من الالتفات إلى غير الله ولو كان في ملأ. قال القرطبي: وفيض العين بحسب حال الذاكر وبحسب ما يكشف له ففي حال أوصاف الجلال يكون البكاء من خشية الله وفي حال أوصاف الجمال يكون البكاء من الشوق إليه”<فتح الباري لابن حجر (2/ 147).>. قِيلَ لِلْحَسَنِ: مَا بَالُ الْمُتَهَجِّدِينَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وُجُوهًا؟ قَالَ: لِأَنَّهُمْ خَلَوْا بِالرَّحْمَنِ فَأَلْبَسَهُمْ مِنْ نُورِهِ نُورًا<مختصر قيام الليل لابن نصر المروزي(ص: 58).>. وقال ابن رجب: “وأفضلُ الأعمال خشية الله فِي السر والعلانية ، وخشية الله فِي السر إنما تصدر عَن قوة إيمان ومجاهدةٍ للنفس والهوى ، فإن الهوى يدعو فِي الخلوة إلى المعاصي ، ولهذا قيل : إن من أعز الأشياء الورع فِي الخلوة” <فتح الباري لابن رجب (4/ 63).>. وعن سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ -رضي الله عنه-، قال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: ” إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِىَّ الْغَنِىَّ الْخَفِيَّ “<أخرجه مسلم(2965).>. والتقي : الذي يتقي الله عز وجل فيقوم بأوامره ويجتنب نواهيه، والغني : من استغنى بالله ، ورضي بما قسم الله له، وقيل : يعني به غنى النفس، والخفي : يعني به الخامل الذي لا يريد العلو فيها ولا الظهور في مناصبها<وانظر المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم لأبي العباس القرطبي(22/ 149)، وشرح رياض الصالحين لابن عثيمين(ص: 629).>. وعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ-رضي الله عنه-، يَقُولُ: “أَيُّكُمُ اسْتَطَاعَ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَبِيئَةٌ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ فَلْيَفْعَلْ”<الزهد والرقائق لابن المبارك(1109)، ومسند ابن الجعد (682).>. وقال إِبْرَاهِيمُ بْنَ أَدْهَمَ: “مَا صَدَقَ اللهَ عَبْدٌ أَحَبَّ الشُّهْرَةَ”<حلية الأولياء لأبي نعيم(8/ 31).>. وَقَالَ بِشْرٌ بن الحارث: “لَا يَجِدُ حَلَاوَةَ الْآخِرَةِ رَجُلٌ يُحِبُّ أَنْ يَعْرِفَهَ النَّاسُ”<حلية الأولياء لأبي نعيم(8/ 343).>
⚫ العنصر السابع: صعوبة الإخلاص وأسبابها
إن من تأمل حقيقة الإخلاص علم أنه من أشق الأمور على النفس وأعسرها علاجًا، حتى قال أويس القرني -رحمه الله-: “إذا قمت فادع الله أن يصلح لك قلبك ونيتك، فلن تعالج شيئًا أشد عليك منهما” <صفة الصفوة، ابن الجوزي، 2/ 31>.
وقال سفيان الثوري -رحمه الله-: “ما عالجت شيئًا أشد علي من نيتي، إنها تتقلب علي” <حلية الأولياء، 7/ 5>.
فما أسباب هذه المشقة؟
● السبب الأول: أن الإخلاص لا نصيب للنفس فيه ظاهرًا.
فالنفس لا تنال بالإخلاص حظًا عاجلًا من لذات الدنيا، من مدح أو ثناء أو جاه أو مال، بل ربما خفي عملها وذهبت أتعابها في الخفاء، وهذا ثقيل على النفس التي جبلت على حب الظهور والثناء.
● السبب الثاني: كثرة تقلب الخواطر وسرعة ورودها على القلب.
القلب شديد التقلب، ولذلك سمي قلبًا، كما قال ﷺ: «لَقَلْبُ ابْنِ آدَمَ أَشَدُّ تَقَلُّبًا مِنَ الْقِدْرِ إِذَا اسْتَجْمَعَتْ غَلَيَانًا» <أخرجه أحمد وصححه الألباني>. ففي كل حين ترد على القلب خواطر الرياء، وإرادات طلب المحمدة، والالتفات إلى الخلق، فيحتاج المؤمن إلى جهاد دائم ويقظة مستمرة لدفعها.
قال يوسف بن الحسين -رحمه الله-: “أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنّه ينبت فيه على لون آخر” <جامع العلوم والحكم، ابن رجب، 1/ 85>.
● السبب الثالث: حب الشهوة الخفية (حب الرياسة والظهور).
وهي من أخطر الشهوات وأخفاها، فالإنسان يجاهد في ترك شهوة المال والنساء، ولكن قد يبقى في قلبه حب الرياسة والثناء، وهذه لذة خفية تبذل فيها الأموال والأنفس. وقد قال النبي ﷺ: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ» <رواه الترمذي (2376)، وصححه الألباني>.
قال بعض السلف: “آخر ما يخرج من رءوس الصالحين حب الرياسة”. فترى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال، فإذا نوزع الرياسة حامى عليها وعادى.
⚫ العنصر الثامن: ثمرات الإخلاص العاجلة والآجلة
للإخلاص ثمرات يانعة، تجتنى في الدنيا قبل الآخرة، وهي بركات يفيضها الله على قلب العبد المخلص، منها ما هو متعلق بقلبه وسلوكه، ومنها ما هو متعلق بأعماله وبركتها.
● أولًا: الثمرات العاجلة في الدنيا:
• تحويل العادات إلى عبادات:
فالإخلاص إكسير العمل، إذا وضع على أي عمل مباح قلبَه إلى عبادة. فالنوم والأكل والشرب إذا قصد بها التقوي على الطاعة صارت قربًا، كما قال زبيد اليامي -رحمه الله-: “إني لأحب أن تكون لي نية في كل شيء حتى في الطعام والشراب” <جامع العلوم والحكم، ابن رجب، 1/ 68>.
• تكثير العمل القليل وتنميته:
العمل القليل إذا صحت فيه النية عظم عند الله وكثر، والعمل الكثير إذا لم تخلص فيه النية قل أو ذهب هباءً. قال ابن المبارك -رحمه الله-: “رُبَّ عمل صغير تكثره النية، ورُبَّ عمل كثير تصغره النية” <سير أعلام النبلاء، 8/ 400>. وتأمل قول الله تعالى في المجاهدين: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: 120].
• نيل الثواب مع العجز عن العمل:
بالإخلاص الصادق يلحق العبد بركب العاملين وإن قعد به العذر.
فعن أنس  قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النبي ﷺ فقال: «إِنَّ أَقْوَامًا خَلْفنا بالمدينة ما سلكنا شعبًا ولا واديًا إلا وهم معنا، حَبَسَهم العُذْرُ» <رواه البخاري>. يقصد الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة: 92]. وقال ﷺ: «لقد تركتم بالمدينة أقواماً ما سِرْتُم مَسيرًا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد، إلا وهم معكم. قالوا: يا رسول الله، وكيف يكون معنا وهم بالمدينة؟ قال: حَبَسهم الْمَرَضُ» <رواه مسلم>. ما استطاعوا الخروج معه للجهاد بسبب مرضهم، وعلم الله صدق نياتهم في إرادة الغزو والجهاد، فأعطاهم ثواب المجاهدين. وقال ﷺ: «مَنْ سَأَلَ الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، ولو مات على فراشه» <رواه مسلم>. فانظر – أخي الكريم – كيف يبلغ الإخلاص بصاحبه أجر عظيم بدون عمل!! وعن أبي الدرداء  قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يُصَلِّي من الليل؛ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَهُ حَتَّى أصبح، كُتِبَ له ما نوى، وكان نَوْمُهُ صَدَقَةً عليهِ مِنْ رَبِّهِ» <حسن رواه النسائي وغيره، وانظر: «صحيح الجامع» (5941)>. وهكذا في كل الأعمال الصالحة. والله در القائل: يَا رَاحِلِينَ إِلَى البَيْتِ العَتِيقِ لَقَدْ … سِرْتُمْ جُسُومًا وَسِرْنَا نَحْنُ أَرْوَاحَا إِنَّا أَقَمْنَا عَلَى عُذْرٍ وَعَنْ قَدَرٍ … وَمَنْ أَقَامَ عَلَى عُذْرٍ فَقَدْ رَاحَا
• تفريج الكربات والنجاة من الشدائد:
وهذا ثابت في قصة أصحاب الغار الذين انحدرت عليهم صخرة فسدت باب الغار، فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم الخالصة، ففرج الله عنهم. وفي قصة عكرمة بن أبي جهل -رضي الله عنه- الذي لما هرب بعد فتح مكة وركب البحر، هاجت بهم الريح، فقال أهل السفينة: “أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئًا هاهنا، فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني من البحر إلا الإخلاص لا ينجيني في البر غيره، اللهم إن لك علي عهدًا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدًا ﷺ حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوًّا كريمًا” <أخرجه النسائي (4067)، وإسناده صحيح>.
• محبة الله ثم محبة الناس:
إذا أحب الله عبدًا لإخلاصه وضع له القبول في الأرض، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: 96].
قال الإمام ابن كثير – رحمه الله – في تفسيره لهذه الآية: «يخبر تعالى أنه يغرس لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات، وهي الأعمال التي ترضي الله لمتابعتها الشريعة المحمدية، يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين محبة ومودة، وهذا أمر لابد منه ولا محيد عنه، وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ من غير وجه». منها: عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ إِذا أَحَبَّ عَبْدًا دعا جبريل، فقال: يا جبريل، إني أحب فلانا فأحبه، قال: فيحبه جبريل، قال: ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يُحب فلانا فأحبوه، قال: فَيُحبه أَهْلُ السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإنّ الله إِذا أَبْغَضَ عَبْدًا دعا جبريل، فقال: يا جبريل إني أبغض فلانا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، قال: فيبغضه أهل السماء، ثم يوضع له البغضاء في الأرض» <رواه أحمد والبخاري ومسلم>.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ قال: حُبّاً؛ وقال مجاهد عنه: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ قال: محبة في الناس في الدنيا.
وقال قتادة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ أي: والله في قلوب أهل الإيمان؛ وذكر لنا: أن «هرم بن حيان» (من التابعين)كان يقول: «ما أقبل عبدٌ بقلبه إلى الله إلاَّ أَقْبَلَ اللهُ بقلوب المؤمنين إليه حتى يَرْزُقَه موَدَّتهم وَرَحْمَتَهُم». وروى ابنُ أبي حاتم عن الحسن البصري – رحمه الله – قال: «قال رجل: والله لأعبدنّ الله عبادة أُذْكَرُ بها، فكان لا يُرى في حين صلاة إلاّ قائماً يُصلّي، وكان أوّل داخل إلى المسجد وآخر خارج، فكان لا يُعَظَّم، فمكث بذلك سبعة أشهر، وكان لا يَمُرَّ على قوم إلاّ قالوا: انظروا إلى هذا المرائي، فأقبل على نفسه فقال: لا أراني أُذْكَرُ إلاّ بِشَرٍّ، لأجعلن عملي كله لله ﷻ، فلم يزد على أن قَلَبَ نيّته، ولم يزد على العمل الذي كان يعمله، فكان يمرّ بعدُ بالقوم فيقولون: رحم اللهُ فلاناً الآن، وتلا الحسن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾» ا.هـ (2)<«تفسير ابن كثير» (225/3) باختصار>. وهذا الحبّ الناشئ عن الإخلاص، من أهم وسائل الداعية إلى الله تعالى، فيه تتحرك قلوب المدعوين نحو ربهم وإسلامهم. روى ضَمْرَةُ، عن إبراهيم بن أبي عبلة، قال: كُنَّا نجلس إلى «عطاء الخراساني»، فكان يدعو بعد الصُّبْحِ بدَعَوات، فغَابَ، فتكلَّم رجلٌ من المؤذنين، فأنكر «رجاءُ بن حَيْوَةَ» (الإمام، العالم، القدوة، الوزير العادل، كان أحد المقربين من عمر بن عبد العزيز) صَوْتَه فقال: مَنْ هذا؟ قال: أنا يا أبا المقدام، قال: اسكت فإنا نكره أن تَسْمَعِ الخَيْرَ إِلَّا مِنْ أَهْلِه! <«سير أعلام النبلاء» (560/4)>.
• النصر والتمكين:
إن نصر الله للأمة مرهون بإخلاصها، فعن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا يَنْصُرُ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا، بِدَعْوَتِهِمْ، وَصَلَاتِهِمْ، وَإِخْلَاصِهِمْ» <صحيح رواه النسائي وغيره، وانظر: صحيح الترغيب، 5/ 1>. وقد تجسد هذا في مواقف عظيمة،
قال الأصمعي – رحمه الله -: لما صاف قتيبة بن مسلم – رحمه الله – للترك، وَهَالَه أَمْرُهم، سأل عن محمد ابن واسع(من خيار التابعين)، فقيل له: هو ذاك في الميمنة جامح على قوسه، يُبَصبص بأصبعه نحو السَّماء. ( أي يشير بها إلى السماء) قال: «تلك الأصبعُ أحبُّ إليَّ من مائة ألف سيفِ شهيرٍ وشابٍ طرير!!» (1)<«سير أعلام النبلاء» (121/6)>.
وروى صاحب كتاب «أقباس روحانية» للواء الركن/ محمود شيت خطاب، أن «مُسْلَمة بن عبد الملك» – أحد قادة الفتح الإسلامي – كان في يوم من أيام جهاده قد حاصر حصناً من حصون الروم، فندب الناس إلى «نقب» منه، فما دخله أحد!! وجاء رجلٌ من عُرْض الجيش فدخله ففتحه الله على المسلمين. ونادى مسلمة: أين صاحب النقب؟ فما جاءه أحد. فنادى، إني أَمَرْتُ الآذن بإدخاله ساعَةَ يأتي، فعَزَمْتُ عليه إلاّ جاء، وجاء رجلٌ فقال للآذن: استأذن لي على الأمير! فقال له: أنت صاحب النَّقب؟ قال الرجل: أنا أُخبركم عنه. وأتى الآذنُ مُسْلَمة، فأخبره عن الرَّجل، فَأَذِنَ له، فقال: إن صاحب النقب يأخذ عليكم ثلاثاً: ألا تُسَوِّدوا اسمه في صحيفة إلى الخليفة، ولا تأمروا له بشيء (يعني: من الغنائم)، ولا تسألوه مِمَّن هو؟ قال: مُسْلَمة: فذاك له. قال الرجل: أنا هو!! فكان مسلمة لا يُصَلِّي بعدها صلاة إلا قال: اللهم اجعلني مع صاحب النقب.
• انشراح الصدر ودفع الوساوس وطهارة القلب من الغل:
قال بعض السلف: “إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء”. والإخلاص يطهر القلب من الغل والحسد والغش، قال النبي ﷺ: «ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَالْمُنَاصَحَةُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ» <رواه أحمد وابن ماجه وصححه الألباني>. فالمخلص لله قد انصرفت دواعي قلبه إلى مرضاة ربه، فلم يبق فيه موضع للغل والغش.
• العصمة من السوء والفحشاء:
وهذه من أعظم الثمرات، فالإخلاص يقيم في القلب حاجزًا منيعًا ضد الشهوات والمعاصي. قال تعالى في قصة يوسف عليه السلام: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: 24]. قال ابن القيم -رحمه الله-: “فدل على أن الإخلاص سبب لدفع العشق وما يترتب عليه من السوء والفحشاء التي هي ثمرته ونتيجته، فصُرف المسبَّب” <زاد المعاد، ابن القيم، 4/ 246>. وقال ابن تيمية : “فمن كان مخلصًا لله حق الإخلاص لم يزنِ” <مجموع الفتاوى، 7/ 306>.
ولهذا قال إبليس حين توعد بالإغواء: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: 82-83].
• تحقيق كفاية الله للعبد:
المخلص لله يكفيه الله ما أهمه من أمور دنياه، ويحفظه من كيد الخلق. قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: “من خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس” <إعلام الموقعين، ابن القيم، 2/ 121>. وعلق ابن القيم على هذا الأثر بقوله: “فهي منبع الخير وأصله… والله سبحانه لا غالب له، فمن كان معه، فمن ذا الذي يغلبه، أو يناله بسوء؟” <إعلام الموقعين، 2/ 122>.
● ثانيًا: الثمرات الآجلة في الآخرة:
وهي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فمنها: نعيم القبر، والأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة، والفوز بظل العرش يوم لا ظل إلا ظله، وتيسير الحساب، وتثبيت القدم على الصراط، وعلو الدرجات في الجنة، والفوز بالنظر إلى وجه الله الكريم، وكل ذلك مرهون بتحقيق الإخلاص. قال الله تعالى عن المخلصين: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: 41-43].
⚫ العنصر التاسع: سبل تحصيل الإخلاص ومعينات تثبيته في القلب
بعد أن عرفنا شرف هذا المقام وعلوّه، وعلمنا شدة حاجة العبد إليه، يجدر بنا أن نذكر أهم الأسباب المعينة على تحصيل الإخلاص وتثبيته في القلب:
• الاستعانة بالله ودعاؤه: فالإخلاص منَّة من الله، ولا حول ولا قوة إلا به، وكان من دعاء النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نُشْرِكَ بِكَ شَيْئًا نَعْلَمُهُ، وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا نَعْلَمُهُ» <صحيح رواه أحمد، وانظر: صحيح الترغيب، 33>.
• مجاهدة النفس في إخفاء العمل الصالح: قدر الإمكان، والحرص على وجود خبيئة لا يطلع عليها أحد، حتى قال الخريبي -رحمه الله-: “كانوا -يعني السلف- يستحبون أن يكون للرجل خبيئة من عمل صالح لا تعلم به زوجته ولا غيرها!” <سير أعلام النبلاء، 9/ 349>.
• اليأس مما في أيدي الناس: وإسقاط نظرهم من القلب، فمن علم أن الخلق لا يملكون له ضرًا ولا نفعًا سهل عليه إفراد الله بالقصد.
• تعظيم نظر الله إليك: والحياء منه أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك.
• الخوف من عدم قبول العمل: فإن العبد إذا استشعر أن العمل قد يرد عليه بسبب آفة في النية، جاهد نفسه لتصحيحها.
• كراهية الرياء وأهله، ومفارقة مجالسهم: قال بشر بن الحارث -رحمه الله-: “ما اتقى الله من أحب الشهرة” <سير أعلام النبلاء، 10/ 746>.
• مصاحبة المخلصين: الذين يذكرونك بالله، ويدلونك على طريق الإخلاص بمقالهم وفعالهم.
• مطالعة سير المخلصين: من الأنبياء والصحابة والأولياء، فإنها تحيي في القلب عشق هذا المقام، وتبعث الهمة للوصول إليه.
• تخصيص أوقات للخلوة بالله والأنس به: والعيش في كنفه من اعتكاف وقيام ليل وخلوات للتفكر في ملكوت الله سبحانه وتعالى والذكر والدعاء والقراءة ونحو ذلك. عن مسروق بن الأجدع قال: “إِنَّ الْمَرْءَ لَحَقِيقٌ أَنْ تَكُونَ لَهُ مَجَالِسُ يَخْلُو فِيهَا يَذْكُرُ فِيهَا ذُنُوبَهُ فَيَسْتَغْفِرُ مِنْهَا”.
• مطالعة سير المخلصين: الذين جعلوا الإخلاص دثارهم وشعارهم، فإنها تحيي في القلب عشق هذا المقام، وتبعث الهمة للوصول إليه.
⚫ العنصر العاشر: نماذج مضيئة من حياة أهل الإخلاص
لقد تجسد الإخلاص في حياة جيل الصحابة والتابعين نماذج عملية تشد القلوب وترفع الهمم، نذكر قبسات منها لعلها تكون مشاعل تنير لنا الطريق:
🎙️ لقد تجسد الإخلاص وعظمة عبادة السر في حياة جيل الصحابة والتابعين نماذج عملية تشد القلوب وترفع الهمم، وعلى رأس هؤلاء صحابة نبينا رضوان الله عليهم، ثم الذين يلونهم من التابعين لهم بإحسان.
• فعن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه-، أنه خَرَجَ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ فَرَأَهُ طَلْحَةُ، فَذَهَبَ عُمَرُ فَدَخَلَ بَيْتًا ثُمَّ دَخَلَ بَيْتًا آخَرَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ طَلْحَةُ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ الْبَيْتِ
( لقد دار بخلده لماذا دخل عمر هذا البيت؟ ولماذا وحده؟ ولماذا في الليل؟ ولماذا لا يريد أن يراه أحدٌ؟ فلما كان الصباح ذهب طلحةُ، فدخل ذلك البيت، فلم يجد إلاّ عَجُوزاً، عَمْياء، مُقْعَدة!!)
، فَقَالَ لَهَا: مَا بَالُ هَذَا الرَّجُلِ يَأْتِيكِ؟ قَالَتْ: إِنَّهُ يَتَعَاهَدُنِي مُنْذُ كَذَا وَكَذَا، يَأْتِينِي بِمَا يُصْلِحُنِي، وَيُخْرِجُ عَنِّي الْأَذَى، فَقَالَ طَلْحَةُ: “ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا طَلْحَةُ ‍أَعَثَرَاتِ عُمَرَ تَتْبَعُ؟”<حلية الأولياء لأبي نعيم(1/ 48)، وحياة الصحابة للكاندهلوي(2/ 218).>.
وَقَالَ أَسْلَمُ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مَعَ عُمَرَ إِلَى حَرَّةِ وَاقِمٍ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِصِرَارٍ إِذَا بنار فقال: يا أسلم ههنا رَكْبٌ قَدْ قَصَّرَ بِهِمُ اللَّيْلُ، انْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِمْ، فَأَتَيْنَاهُمْ فَإِذَا امْرَأَةٌ مَعَهَا صِبْيَانُ لَهَا وَقِدْرٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى النَّارِ وَصِبْيَانُهَا يَتَضَاغَوْنَ، فَقَالَ عُمَرُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَصْحَابَ الضَّوْءِ، قَالَتْ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ. قَالَ: أَدْنُو. قَالَتْ: ادْنُ أَوْ دَعْ. فَدَنَا فَقَالَ: مَا بَالُكُمْ؟ قَالَتْ: قَصَّرَ بِنَا اللَّيْلُ وَالْبَرْدُ. قَالَ: فَمَا بَالُ هَؤُلَاءِ الصِّبْيَةِ يَتَضَاغَوْنَ؟ قَالَتْ: مِنَ الْجُوعِ. فَقَالَ: وَأَيُّ شئ عَلَى النَّارِ؟ قَالَتْ: مَاءٌ أُعَلِّلُهُمْ بِهِ حَتَّى يَنَامُوا، اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عُمَرَ. فَبَكَى عُمَرُ وَرَجَعَ يُهَرْوِلُ إِلَى دَارِ الدَّقِيقِ فَأَخْرَجَ عِدْلًا مِنْ دَقِيقٍ وَجِرَابَ شَحْمٍ، وَقَالَ: يَا أَسْلَمُ احْمِلْهُ عَلَى ظَهْرِي، فَقُلْتُ: أَنَا أَحْمِلُهُ عَنْكَ. فَقَالَ: أَنْتَ تَحْمِلُ وِزْرِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟. فَحَمَلَهُ على ظهره وانطلقنا إلى المرأة فألقي عَنْ ظَهْرِهِ وَأَخْرَجَ مِنَ الدَّقِيقِ فِي الْقِدْرِ، وَأَلْقَى عَلَيْهِ مِنَ الشَّحْمِ، وَجَعَلَ يَنْفُخُ تَحْتَ الْقِدْرِ وَالدُّخَّانُ يَتَخَلَّلُ لِحْيَتَهُ سَاعَةً، ثُمَّ أَنْزَلَهَا عن النار وقال: إيتيني بصحفة. فأتي بها فغرفها ثم تركها بَيْنَ يَدَيِ الصِّبْيَانِ وَقَالَ: كُلُوا، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا – وَالْمَرْأَةُ تَدْعُو لَهُ وَهِيَ لَا تَعْرِفُهُ – فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُمْ حَتَّى نَامَ الصِّغَارُ، ثُمَّ أوصلهم بنفقة وانصرف، ثم أقبل على فَقَالَ: يَا أَسْلَمُ الْجُوعُ الَّذِي أَسْهَرَهُمْ وَأَبْكَاهُمْ<البداية والنهاية لابن كثير(7/ 153).>.
● من مواقف الإخلاص في العبادة الخفية:
• الربيع بن خثيم -رحمه الله-: الذي قال فيه ابن مسعود: “يا أبا يزيد، لو رآك رسول الله ﷺ لأحبك”، كان عمله كله سرًا، وكان إذا دخل عليه الداخل وفي حجره المصحف غطاه <سير أعلام النبلاء، 4/ 260>. واشتهر عنه أنه كان يطعم مجنونًا خبيصًا (حلوى) فقيل له: ما يدريه ما أكل؟! فقال: “لكن الله يدري” <المرجع السابق>.
• أيوب السختياني -رحمه الله-: كان يقوم الليل كله فيخفي ذلك، فإذا كان عند الصبح رفع صوته كأنه قام تلك الساعة.
وكان إذا وعظ فرق قلبه فخشي الرياء، فمسح وجهه وقال: “ما أشد الزكام!”.
• محمد بن أسلم الطوسي -رحمه الله-: كان يصل قومًا ويعطيهم ويكسوهم، فيبعث إليهم ويقول للرسول: “انظر ألا يعلموا من بعثه إليهم”. فلما مات، صلى عليه ألوف مؤلفة، فقال أحدهم: “يا قوم، أصلحوا سرائركم بينكم وبين الله تعالى، ألا ترون رجلًا دخل بيته بطوس، فأصلح سره بينه وبين الله تعالى، ثم نقله الله إلينا، فأصلح الله على يديه ألف ألف ومائة ألف من الناس”.
• وعن عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ -رضي الله عنه-: لَمَّا مَاتَ فَغَسَّلُوهُ جَعَلُوا يَنْظُرُونَ إِلَى آثَارٍ سَوْدَاءَ بِظَهْرِهِ، فَقَالُوا: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: كَانَ يَحْمِلُ جُرُبَ الدَّقِيقِ لَيْلًا عَلَى ظَهْرِهِ يُعْطِيهِ فُقَرَاءَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ “
. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: “كَانَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَعِيشُونَ لَا يَدْرُونَ مِنْ أَيْنَ كَانَ مَعَاشُهُمْ، فَلَمَّا مَاتَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فَقَدُوا مَا كَانُوا يُؤْتَوْنَ بِهِ فِي اللَّيْلِ”.
. وعن مُحَمَّدِ بنِ حَفْصٍ القرشي قَالَ: ” سَمِعْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ، يَقُولُونَ: “مَا فَقَدْنَا صَدَقَةَ السِّرِّ حَتَّى مَاتَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ”<حلية الأولياء لأبي نعيم(3/ 136).>.
• وعن حَسَّانَ بْنِ أَبِي سِنَانٍ: قَالَتِ امْرَأَتُهُ: ” كَانَ يَجِيئُ فَيَدْخُلُ مَعِي فِي فِرَاشِي ثُمَّ يُخادِعُنِي كَمَا تُخادِعُ الْمَرْأَةُ صَبِيَّهَا، فَإِذَا عَلِمَ أَنِّي قَدْ نِمْتُ سَلَّ نَفْسَهُ فَخَرَجَ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي ” قَالَتْ: فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ كَمْ تُعَذِّبُ نَفْسَكَ ارْفُقْ بِنَفْسِكَ، قَالَ: ” اسْكُتِي وَيْحَكِ فيُوشِكُ أَنْ أَرْقُدَ رَقْدَةً لَا أَقُومُ مِنْهَا زَمَانًا “<أخرجه البيهقي شعب الإيمان(2932)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (3/ 117))«صفة الصفوة» (228/3).>.
• وعن مَنْصُوْرِ بنِ المُعْتَمِرِ: أنه صَامَ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً، وَقَامَ لَيْلَهَا، وَكَانَ يَبْكِي، فَتَقُوْلُ لَهُ أُمُّهُ: يَا بُنَيَّ، قَتَلتَ قَتِيْلاً؟ فَيَقُوْلُ: أَنَا أَعْلَمُ بِمَا صَنَعتُ بِنَفْسِي. فَإِذَا كَانَ الصُّبْحُ، كَحَّلَ عَيْنَيْهِ، وَدَهَنَ رَأْسَه، وَبرَّقَ شَفَتَيْهِ، وَخَرَجَ إِلَى النَّاسِ. وَذَكَرَ سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ مَنْصُوْراً، فَقَالَ: قَدْ كَانَ عَمِشَ مِنَ البُكَاءِ<سير أعلام النبلاء للذهبي(5/ 406).>.
• وصَامَ دَاوُدُ بنُ أَبِي هِنْدٍ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً، لاَ يَعْلَمُ بِهِ أَهْلُه، كَانَ خَزَّازاً، يَحْمِلُ مَعَهُ غَدَاءهُ، فَيَتصدَّقُ بِهِ فِي الطَّرِيقِ<سير أعلام النبلاء للذهبي(6/ 378).>.
• وكان ابن المبارك -رحمه الله- يقول عن الإمام مالك: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا ارْتَفَعَ مِثْلَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ لَيْسَ لَهُ كَثِيرُ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ إِلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ سَرِيرَةٌ<حلية الأولياء لأبي نعيم(6/ 330).>.
وقال الحسن: “كنت مع ابن المبارك يوماً فأتينا على سقاية والناس يشربون منها، فدنا منها ليشرب ولم يعرفه الناس فزحموه ودفعوه فلما خرج قال لي: ما العيش إلا هكذا. يعني حيث لم نعرف ولم نوقر”<صفة الصفوة لابن الجوزي(2/ 323).>.
فأين في زماننا مَن يفرح بخفاء عمله كما كان يفرح أولئك؟!
لقد أصبح بعض الناس يتمنى أن تُنقل عباداته وأعماله الصالحة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل، ليعلم بها القاصي والداني، ثم يظن بعد ذلك أنه من أهل الإخلاص! وربما تجاوز الرياء حياته، فامتد أثره حتى بعد وفاته.
وقد قال بِشْرُ بن الحارث رحمه الله: «قد يكون الرجل مرائيًا بعد موته، يحب أن يكثر الخلق في جنازته!» <سير أعلام النبلاء (10/473).>
وصدق من قال:
أَرَى أَهْلَ القُصُورِ إِذَا أُمِيتُوا
بَنَوْا فَوْقَ المَقَابِرِ بِالصُّخُورِ
أَبَوْا إِلَّا مُبَاهَاةً وَفَخْرًا
عَلَى الفُقَرَاءِ حَتَّى فِي القُبُورِ
فاحرص – أخي الكريم – على إخلاص النية لله تعالى، واجعل عملك خالصًا لوجهه الكريم، ولا تطلب ثناء الناس ولا مدحهم؛ فإن الإخلاص هو روح العبادة، وهو سبب قبول الأعمال، والله سبحانه يغار على عباده المخلصين، فلا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه، موافقًا لسنة نبيه ﷺ.
● من مواقف الإخلاص في إخفاء الدمع:
• سفيان الثوري -رحمه الله-: التقى هو والفضيل بن عياض فبكيا، فقال سفيان: “إني لأرجو أن يكون مجلسنا هذا أعظم مجلس جلسناه بركة”. فقال فضيل: “ترجو، لكني أخاف أن يكون أعظم مجلس جلسناه علينا شؤمًا، أليس نظرت إلى أحسن ما عندك، فتزينت به لي، وتزينت لك به، فعبدتني وعبدتك!”. قال: فبكى سفيان حتى علا نحيبه، ثم قال: “أحياك الله كما أحييتني” <الحلية، 7/ 64>.
• محمد بن واسع -رحمه الله-: كان يقول: “لقد أدركت رجالًا، كان الرجل يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة، قد بل ما تحت خده من دموعه، لا تشعر به امرأته. ولقد أدركت رجالًا يقوم أحدهم في الصف فتسيل دموعه على خده، ولا يشعر به الذي إلى جنبه”.
● من مواقف الإخلاص في العلم والتصنيف:
• الإمام الشافعي -رحمه الله-: على جلالة قدره وسعة علمه قال: “وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم، على ألا ينسب إليَّ حرف منه”. إنه إخلاص منقطِع النظير.
• أبو الحسن الماوردي -رحمه الله-: صاحب التصانيف الكبار، قيل إنه لم يظهر شيئًا من تصانيفه في حياته، وجمعها في موضع، فلما حضرته الوفاة قال لشخص يثق به: “الكتب في المكان الفلاني… فإن بسطت يدي ولم أقبض على يدك فاعلم أنها قد قبلت”. قال الرجل: فلما قارب الموت بسط يديه، فعلمت أنها علامة القبول، فأظهرت كتبه بعده.
⚫ تنبيه مهم: ليس كل خفاء يُحمد
وهنا يجب التنبيه على أن هناك أخفياءٌ لكن من نوع آخر، وما أكثرهم في زماننا-إلا من رحم ربك- يحرصون كل الحرص ألا يراهم أحد من الناس وما يفعلون، ولكنهم لا يختفون عن أعين الناس بعمل صالح طلبا للإخلاص وخشية الرياء فيه، لكنهم عاكفون في الخلوات على المحرمات ولا حول ولا قوة إلا بالله، غفل هؤلاء عن مراقبة ربهم، ونسوا أن الله عز وجل يعلم سرهم ونجواهم وأنهم إليه راجعون، فعَنْ ثَوْبَانَ بن بجدد -رضي الله عنه-، مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: “لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا” قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ. قَالَ: “أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا”<أخرجه ابن ماجة(4245)، وصححه الألباني في الجامع الصغير(9159).>.
قال ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: ” أَخْسَرُ الْخَاسِرِينَ مَنْ أَبْدَى لِلنَّاسِ صَالِحَ أَعْمَالِهِ، وَبَارَزَ بِالْقَبِيحِ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ”<أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (6591).>.
⚫ ثمرات عبادة السر
ولعبادة السر ثمرات عظيمة، منها:
● 1- محبة الله عز وجل والدخول تحت ظل عرشه يوم القيامة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ” سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، منهم: وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، ومنهم: وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ “<أخرجه البخاري(660)، ومسلم(2427).>.
● 2- تورث الخشية من الله جل جلاله التي بها ينال العبد المغفرة من الله والأجر العظيم: قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [الملك: 12] قال ابن كثير: “يقول تعالى مخبرًا عمن يخاف مقام ربه فيما بينه وبينه إذا كان غائبًا عن الناس، فينكف عن المعاصي ويقوم بالطاعات، حيث لا يراه أحد إلا الله، بأنه له مغفرة وأجر كبير، أي: يكفر عنه ذنوبه، ويجازى بالثواب الجزيل”<تفسير ابن كثير(8/ 179).>
⚫ الخاتمة
أيها الإخوة الكرام، إن الحديث عن الإخلاص لا يمكن أن يستوعبه مجلس ولا محاضرة، وحسبنا أن نعلم أنه مسك القلب الذي ينبئ ريحه عن حامله، وأنه روح العمل ولب العبودية وسر قبولها، وأن الله لا ينظر إلى صورنا ولا إلى أموالنا، ولكن ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا. فلنجاهد أنفسنا على تصحيح النيات، ولنتهم أنفسنا في كل عمل، ولنكن كالسلف الذين كانوا يخفون حسناتهم كما يخفي أحدنا سيئاته، سائلين الله أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يجعلنا من عباده المخلصين، وأن يتوفانا على ذلك،
▪️ أيها الإخوة المؤمنون، نصل وإياكم إلى ختام هذه الرحلة المباركة في رياض الإخلاص، ذلك المقام الشريف الذي هو قطب رحى الأعمال، وروح العبادات وسر قبولها. لقد طفنا معًا في بساتين معانيه اللغوية والشرعية، ووقفنا على حقيقته التي ميزته عن الصدق والنصح، وتبين لنا أن الإخلاص ليس مجرد فضيلة تكميلية، بل هو شرط القبول، وهو الفارق بين العمل الذي يثقل الميزان، والعمل الذي يكون هباءً منثورًا.
لقد رأيتم كيف أن الله -تبارك وتعالى- ما أمر عباده بشيء إلا وقرنه بالإخلاص، وكيف أن النبي ﷺ جعل الأعمال كلها معلقة بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. وتبين لنا أن هذا الإخلاص عزيز صعب المرتقى، يحتاج إلى مجاهدة دائمة للنفس، ومراقبة لخطرات القلب، وسؤال لله -عز وجل- أن يصلح لنا نياتنا؛ لأنها أشد ما نعالج.
وما تلك النماذج المشرقة من حياة السلف الصالح -رضوان الله عليهم- إلا شواهد عملية على أن بلوغ هذا المقام ممكن وميسر لمن يسره الله عليه، فالربيع بن خثيم وعلي بن الحسين والفضيل بن عياض والإمام أحمد وغيرهم، إنما وصلوا إلى ما وصلوا إليه بصدقهم مع الله، وإخفائهم لأعمالهم، وهروبهم من الشهرة والأضواء.
فيا أيها المسلم، إن كنت تريد النجاة يوم القيامة، وإن كنت تريد أن يكون عملك مقبولًا، وإن كنت تريد أن تفوز بمعية الله ونصره وولايته، فعليك بالإخلاص. طهّر قلبك من شوائب الرياء، ونقِّ عملك من قصد غير الله، وليكن شعارك في السر والعلن: “إياك نعبد وإياك نستعين”. واعلم أن العمل إذا كان خالصًا ولو كان قليلًا، كان عند الله كثيرًا، وإن العمل إذا شابه الرياء وإن كان كثيرًا، كان عند الله قليلًا ممقوتًا.

image 10

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى