رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن المبالغة في تكاليف الزواج

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن المبالغة في تكاليف الزواج
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن الزواج فِي المنْظُورِ الإِسْلَامِ لَيْسَ مُجَرَّدَ عَقْدٍ أَوْ صَفْقَةٍ تِجَارِيَّةٍ، بَلْ هُوَ “مِيثَاقٌ غَلِيظٌ” يُبْنَى عَلَى المَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ.
إِلَّا أَنَّنَا نَعِيشُ اليَوْمَ وَاقِعًا مُؤْلِمًا غَلَبَتْ فِيهِ المَظَاهِرُ عَلَى الجَوَاهِرِ، وَاسْتُبْدِلَتْ فِيهِ بَرَكَةُ “التَّيْسِيرِ” بِشَقَاءِ “التَّعْسِيرِ”، حَتَّى أَضْحَى تَكْوِينُ الأُسْرَةِ عِبْئًا يَنُوءُ بِهِ كَاهِلُ الشَّبَابِ، مِمَّا أَدَّى إِلَى عُزُوفِ الكَثِيرِينَ وَفَتْحِ أَبْوَابِ الفِتَنِ.
أَوَّلًا: فَلْسَفَةُ الزَّوَاجِ فِي الإِسْلَامِ.. تَيْسِيرٌ يُورِثُ البَرَكَةَ
إِنَّ الشَّرِيعَةَ الإِسْلَامِيَّةَ قَامَتْ عَلَى رَفْعِ الحَرَجِ، وَفِي النِّكَاحِ خَاصَّةً، نَجِدُ أَنَّ كُلَّمَا قَلَّتِ التَّكَالِيفُ، حَلَّتِ البَرَكَةُ الإِلَهِيَّةُ.
● الزَّوَاجُ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَقْتَضِي السَّكِينَةَ لَا الإِرْهَاقَ:
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرُّوم: ٢١].
• فَالأَصْلُ فِي الزَّوَاجِ هُوَ “السُّكُونُ”، وَالمُبَالَغَةُ فِي التَّكَالِيفِ هِيَ “صَخَبٌ” يَطْرُدُ هَذِهِ السَّكِينَةَ وَيَحُلُّ مَحَلَّهَا القَلَقُ مِنَ الدُّيُونِ وَالتَّبِعَاتِ.
● بَرَكَةُ النِّكَاحِ فِي بَسَاطَتِهِ:
• قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مَئُونَةً»
أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي “مُسْنَدِهِ” ، وَالنَّسَائِيُّ فِي “السُّنَنِ الكُبْرَى”، وَالحَدِيثُ ضَعِيفٌ، وَذَكَرَهُ الهَيْثَمِيُّ فِي “مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ”
وَقَالَ العِرَاقِيُّ فِي “المُغْنِي عَنْ حَمْلِ الأَسْفَارِ” إِنَّ إِسْنادَهُ جَيِّدٌ.
هَذَا وَقَدْ رُوِيَ الحَدِيثُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ لَا إِشْكَالَ فِيهِ بِلَفْظِ :
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : إِنَّ مِنْ يُمْنِ المَرْأَةِ: تَيْسِيرَ خِطْبَتِهَا ، وَتَيْسِيرَ صَدَاقِهَا ، وَتَيْسِيرَ رَحِمِهَا “
أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي “مُسْنَدِهِ”، وَابْنُ حِبَّانَ
، عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا . بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ ، وَالحَدِيثُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ جَوَّدَ إِسْنَادَهُ السَّخَاوِيُّ فِي “المَقَاصِدِ الحَسَنَةِ” .
• هَذَا الحَدِيثُ يَضَعُ القَاعِدَةَ الذَّهَبِيَّةَ: بَيْنَ “يُسْرِ التَّكَالِيفِ” وَ”عِظَمِ البَرَكَةِ”.
• وَقَوْلُهُ ( خَيْرُ النِّكَاحِ أَيْسَرُهُ ) أَيْ أَقَلُّهُ مُؤُونَةً ، وَأَسْهَلُهُ إِجَابَةً لِلْخِطْبَةِ ، يَعْنِي: أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مِمَّا أُذِنَ فِيهِ ، وَعَلَامَةُ الإِذْنِ التَّيْسِيرُ .
وَيُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى يُمْنِ المَرْأَةِ وَعَدَمِ شُؤْمِهَا ، لِأَنَّ النِّكَاحَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ جُمْلَةً ، وَيَجِبُ فِي حَالَةٍ ، فَيَنْبَغِي الدُّخُولُ فِيهِ بِيُسْرٍ ، وَخِفَّةِ مُؤُونَةٍ ، لِأَنَّهُ أُلْفَةٌ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ، فَيُقْصَدُ مِنْهُ الخِفَّةُ ، فَإِذَا تَيَسَّرَ، عَمَّتْ بَرَكَتُهُ ، وَمِنْ يُسْرِهِ: خِفَّةُ صَدَاقِهَا ، وَتَرْكُ المُغَالَاةِ فِيهِ ، وَكَذَا جَمِيعُ مُتَعَلَّقَاتِ النِّكَاحِ مِنْ وَلِيمَةٍ وَنَحْوِهَا “
فَيْضُ القَدِيرِ: المُنَاوِيُّ
وَقَوْلُهُ ( أَيْسَرُهُنَّ مَئُونَةً ) ( أَيْسَرُهُ ) أَيْ: أَقَلُّهُ أَوْ أَسْهَلُهُ ( مُؤْنَةٌ ) أَيْ: مِنَ المَهْرِ وَالنَّفَقَةِ؛ لِلدَّلَالَةِ عَلَى القَنَاعَةِ الَّتِي هِيَ كَنْزٌ لَا يَنْفَدُ وَلَا يَفْنَى “.
مِرْقَاةُ المَفَاتِيحِ: القَارِيُّ
وَالمُرَادُ: أَيْسَرُهُنَّ مُؤْنَةً فِي الزَّوَاجِ، كَمَا يُرْشِدُ إِلَيْهِ حَدِيثُ عُقْبَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: “خَيْرُ النِّكَاحِ أَيْسَرُهُ” ، وَحَدِيثُ: ” خَيْرُ الصَّدَاقِ أَيْسَرُهُ “.
وَيَحْتَمِلُ: أَيْسَرُهُنَّ مُؤْنَةً، فِي دَوَامِ الصُّحْبَةِ بِقَنَاعَتِهَا، فَلَا تُكَلِّفُ زَوْجَهَا مَا لَا يَحْتَمِلُهُ حَالُهُ
التَّنْوِيرُ شَرْحُ الجَامِعِ الصَّغِيرِ : الصَّنْعَانِيُّ
ثَانِيًا:(المِيثَاقُ الغَلِيظُ بَيْنَ تَيْسِيرِ الشَّرِيعَةِ وَتَعْسِيرِ العَادَاتِ)
●المَهْرُ.. إِكْرَامٌ لِلْمَرْأَةِ لَا ثَمَنٌ لِشِرَائِهَا .
* تَحَوَّلَ المَهْرُ فِي عَصْرِنَا مِنْ رَمْزٍ لِلْإِعْزَازِ إِلَى جِدَارٍ عَازِلٍ يَمْنَعُ الأَكْفَاءَ مِنَ التَّقَدُّمِ، وَهَذَا خُرُوجٌ عَنِ المَقْصِدِ الشَّرْعِيِّ.
● المَهْرُ حَقٌّ مَفْرُوضٌ بِالمَعْرُوفِ:
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ فَإِن طِبۡنَ لَكُمۡ عَن شَيۡءٖ مِّنۡهُ نَفۡسٗا فَكُلُوهُ هَنِيٓـٔٗا مَّرِيٓـٔٗا﴾ [النِّسَاء: ٤].
• “النِّحْلَةُ” هِيَ العَطِيَّةُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، فَإِذَا تَحَوَّلَتْ إِلَى اشْتِرَاطَاتٍ تَعْجِيزِيَّةٍ خَرَجَتْ عَنْ مَعْنَاهَا.
● تَزْوِيجُ الصَّحَابَةِ بِالقَلِيلِ لِتَعْمِيمِ العَفَافِ:
فِي قِصَّةِ الصَّحَابِيِّ الَّذِي لَمْ يَجِدْ شَيْئًا، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «التَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ»، فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ زَوَّجَهُ بِمَا مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ.
* عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ،قَالَ : ” أَنَّ امْرَأَةً عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَوِّجْنِيهَا، فَقَالَ: «مَا عِنْدَكَ؟» قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ، قَالَ: «اذْهَبْ فَالتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ»، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي وَلَهَا نِصْفُهُ – قَالَ سَهْلٌ: وَمَا لَهُ رِدَاءٌ – فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ، إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ»، فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ، فَرَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَاهُ – أَوْ دُعِيَ لَهُ – فَقَالَ لَهُ: «مَاذَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟» فَقَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا – لِسُوَرٍ يُعَدِّدُهَا – فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمْلَكْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ».
أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مُطَوَّلًا بِاخْتِلَافٍ يَسِيرٍ.
• هَذَا يُثْبِتُ أَنَّ القِيمَةَ معْنَوِيَّةَ وَالدِّينَ هُمَا الرَّكِيزَةُ، لَا الرَّصِيدُ البَنْكِيُّ.
ثَالِثًا: آفَةُ الِاسْتِعْلَاءِ وَالمُبَاهَاةِ (الإِسْرَافُ وَالتَّبْذِيرُ)
إِنَّ مَا يُنْفَقُ اليَوْمَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ “بَهْرَجَةٍ” زَائِفَةٍ كَفِيلٌ بِتَأْسِيسِ بُيُوتٍ كَامِلَةٍ، وَهُوَ مَسْلَكٌ ذَمَّهُ القُرْآنُ بِشِدَّةِ.
● التَّحْذِيرُ مِنْ سُبُلِ الشَّيَاطِينِ فِي الإِنْفَاقِ:
يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا * إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِينَ كَانُوٓاْ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِۖ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورٗا﴾ [الإِسْرَاء: ٢٦-٢٧].
• التَّبْذِيرُ فِي حَفَلَاتِ الزِّفَافِ كُفْرَانٌ لِلنِّعْمَةِ، وَتَشَبُّهٌ بِمَسْلَكِ الشَّيْطَانِ الَّذِي يَسْعَى لِخَرَابِ البُيُوتِ.
● الِاقْتِصَادُ فِي المعِيشَةِ هُوَ مَنْهَجُ المُؤْمِنِ:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ : مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ ؟ قَالَ : أَفِي الوُضُوءِ سَرَفٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ) .
أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه ،وَأَحْمَدُ فِي المُسْنَدِ وَابْنُ مَاجَه، قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ شَاكِرٌ : إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ .
• فَإِذَا كَانَ السَّرَفُ مَمْنُوعًا فِي العِبَادَةِ (الوُضُوءِ)، فَكَيْفَ بِمَا دُونَهُ مِنَ العَادَاتِ وَالمَظَاهِرِ؟
رَابِعًا: مَعَايِيرُ الِاخْتِيَارِ.. تَغْلِيبُ الدِّينِ عَلَى المَادَّةِ
* حِينَ طَغَتِ المَادَّةُ، صَارَ السُّؤَالُ عَنْ “رَاتِبِ الخَاطِبِ” يَسْبِقُ السُّؤَالُ عَنْ “صَلَاتِهِ وَخُلُقِهِ”، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الفَسَادِ.
● شَرْطُ الكَفَاءَةِ الخُلُقِيَّةِ:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ»
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَه .
• وَحَصْرُ “الكَفَاءَةِ” فِي المَالِ وَحْدَهُ هُوَ تَعْطِيلٌ لِهَذَا الهَدْيِ النَّبَوِيِّ، وَنَتِيجَةُ ذَلِكَ “الفَسَادُ العَرِيضُ” الَّذِي نَرَاهُ مِنَ انْتِشَارِ العُنُوسَةِ وَالِانْحِرَافِ.
● الغِنَى الحَقِيقِيُّ هُوَ غِنَى النَّفْسِ وَالفَضْلُ الإِلَهِيُّ:
وَعَدَ اللَّهُ الفُقَرَاءَ بِالفَضْلِ إِنْ هُمْ سَعَوْا لِلْعَفَافِ: ﴿وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡۚ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النُّور: ٣٢].
خَامِسًا: الآثَارُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ وَالشَّرْعِيَّةُ لِلْغُلَاءِ فِي التَّكَالِيفِ
إِنَّ التَّمَادِيَ فِي المَظَاهِرِ لَيْسَ مُجَرَّدَ “حُرِّيَّةٍ شَخْصِيَّةٍ”، بَلْ هُوَ جَرِيمَةٌ فِي حَقِّ المُجْتَمَعِ.
● فَتْحُ أَبْوَابِ الحَرَامِ:
عِنْدَمَا نُغْلِقُ بَابَ الحَلَالِ بِالتَّعْجِيزِ، فَنَحْنُ نَفْتَحُ أَبْوَابَ الحَرَامِ بِالتَّيْسِيرِ. الشَّابُّ الَّذِي لَا يَجِدُ سَبِيلًا لِلزَّوَاجِ قَدْ يَقَعُ فِي الفَاحِشَةِ، وَالمُجْتَمَعُ بِأَسْرِهِ يَأْثَمُ.
● ظُلْمُ الأَزْوَاجِ وَتَحْمِيلُهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ:
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦].
• وَالأَهْلُ الَّذِينَ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا مَادِّيَّةً مُرْهِقَةً يُكَلِّفُونَ الشَّبَابَ مَا لَا يُطِيقُونَ، مِمَّا يُوَلِّدُ الحِقْدَ فِي نَفْسِ الزَّوْجِ تِجَاهَ أَهْلِ زَوْجَتِهِ مُنْذُ اليَوْمِ الأَوَّلِ.
سَادِسًا: العِلَاجُ وَالحُلُولُ العَمَلِيَّةُ (نَحْوَ رُؤْيَةٍ إِصْلَاحِيَّةٍ)
● إِحْيَاءُ سُنَّةِ القُدْوَةِ:
عَلَى الوُجَهَاءِ وَالعُلَمَاءِ وَكِبَارِ الأُسَرِ أَنْ يَبْدَأُوا بِأَنْفُسِهِمْ فِي تَيْسِيرِ زَوَاجِ أَبْنَائِهِمْ لِيَكُونُوا قُدْوَةً لِغَيْرِهِمْ.
● التَّوْعِيَةُ عَبْرَ المَنَابِرِ وَالإِعْلَامِ:
بِأَنَّ القِيمَةَ لَيْسَتْ فِي “القُمَاشِ وَالذَّهَبِ”، بَلْ فِي “الرَّجُلِ وَالجَوْهَرِ”.
● العَوْدَةُ لِلْوَسَطِيَّةِ:
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا﴾ [الفُرْقَان: ٦٧].
إِنَّ بِنَاءَ الأُسْرَةِ هُوَ بِنَاءٌ لِلْمُجْتَمَعِ، فَإِذَا جَعَلْنَا أَسَاسَ البِنَاءِ “المُكَاثَرَةَ وَالمُفَاخَرَةَ” تَهَاوَى البِنَاءُ عِنْدَ أَوَّلِ رِيحِ أَزْمَةٍ مَادِّيَّةٍ. فَلْنَتَّقِ اللَّهَ فِي شَبَابِنَا وَفَتَيَاتِنَا، وَلْنَعْلَمْ أَنَّ سَعَادَةَ ابْنَتِكِ لَيْسَتْ فِي حَجْمِ “جِهَازِهَا” أَوْ فَخَامَةِ “قَاعَتِهَا”، بَلْ فِي رَجُلٍ يَخَافُ اللَّهَ فِيهَا، إِنْ أَحَبَّهَا أَكْرَمَهَا، وَإِنْ كَرِهَهَا لَمْ يَظْلِمْهَا.
وَزُبْدَةُ القَوْلِ وَخُلَاصَةُ النُّصْحِ
أَنَّ المُبَالَغَةَ فِي تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ لَيْسَتْ شَأْنًا مَالِيًا عَابِرًا، بَلْ هِيَ مَعْرَكَةٌ بَيْنَ “القِيَمِ الإِسْلَامِيَّةِ” وَ”العَادَاتِ الجَاهِلِيَّةِ”. وَيُمْكِنُنَا تَلْخِيصُ أَهَمِّ النُّقَاطِ الَّتِي تُعِينُ عَلَى التَّيْسِيرِ فِي هَذِهِ العَنَاصِرِ :
● البَرَكَةُ فِي التَّيْسِيرِ: إِنَّ السَّعَادَةَ الزَّوْجِيَّةَ لَا تُشْتَرَى بِالدَّنَانِيرِ، بَلْ تُسْتَنْزَلُ بِالتَّقْوَى وَالبَرَكَةِ الَّتِي لَا تَحُلُّ فِي عَقْدٍ أَثْقَلَ كَاهِلَ الزَّوْجِ بِالدُّيُونِ وَالهُمُومِ.
● تَغْيِيرُ المَعَايِيرِ: لَا بُدَّ مِنَ اسْتِبْدَالِ مِعْيَارِ “المَظَاهِرِ الزَّائِفَةِ” بِمِعْيَارِ “الدِّينِ وَالخُلُقِ”، فَالْمَعْدَنُ الأَصِيلُ هُوَ الضَّمَانُ الوَحِيدُ لِاسْتِمْرَارِ المَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ.
● المَسْؤُولِيَّةُ الجَمَاعِيَّةُ: تَيْسِيرُ الزَّوَاجِ مَسْؤُولِيَّةٌ تَققعُ عَلَى عَاتِقِ الآبَاءِ أَوَّلًا، ثُمَّ المُجْتَمَعِ وَالنُّخَبِ، لِتَغْيِيرِ هَذِهِ الثَّقَافَةِ المُرْهِقَةِ الَّتِي أَفْسَدَتْ عَلَى الشَّبَابِ حَيَاءَهُمْ وَعَفَافَهُمْ.
● مُحَارَبَةُ الإِسْرَافِ: الإِنْفَاقُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ بِمَا يَكْفِي عَائِلَاتٍ لِسَنَوَاتٍ هُوَ نَوْعٌ مِنَ “السَّفَهِ” الَّذِي نَهَى عَنْهُ الشَّرْعُ، وَوَاجِبُ الوَقْتِ هُوَ العَوْدَةُ لِمَنْهَجِ القَوَامَةِ وَالِاعْتِدَالِ.
اللَّهُمَّ يَا مَنْ أَوْجَدْتَ مِنْ أَنْفُسِنَا أَزْوَاجًا لِنَسْكُنَ إِلَيْهَا، وَجَعَلْتَ بَيْنَنَا مَوَدَّةً وَرَحْمَةً، نَسْأَلُكَ بِأَسْمَائِكَ الحُسْنَى وَصِفَاتِكَ العُلَى أَنْ تَهْدِيَ قُلُوبَ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ، وَأَنْ تَرْزُقَهُمْ البَصِيرَةَ وَالحِكْمَةَ فِي تَيْسِيرِ أُمُورِ أَبْنَائِهِمْ وَبَنَاتِهِمْ.
اللَّهُمَّ طَهِّرْ بُيُوتَنَا مِنَ التَّفَاخُرِ وَالرِّيَاءِ، وَنَقِّ قُلُوبَنَا مِنْ حُبِّ السُّمْعَةِ وَالمُبَاهَاةِ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَقْتَدُونَ بِسَيِّدِ المُرْسَلِينَ فِي التَّوَاضُعِ وَالقَنَاعَةِ. اللَّهُمَّ يَسِّرْ الزَّوَاجَ لِكُلِّ عَازِبٍ وَعَازِبَةٍ، وَاكْفِهِمْ بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَبِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ بُيُوتَنَا عَامِرَةً بِذِكْرِكَ، قَائِمَةً عَلَى طَاعَتِكَ، بَعِيدَةً عَنْ سَخَطِكَ.
اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنْ كَاهِلِ شَبَابِنَا هَمَّ الدُّيُونِ، وَعَنْ قُلُوبِهِمْ ضِيقَ العَوَزِ، وَافْتَحْ لَهُمْ أَبْوَابَ رِزْقِكَ الوَاسِعَةِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ المُهُورَ تَيْسِيرًا لَا تَعْسِيرًا، وَإِكْرَامًا لَا اتِّجَارًا، وَبَارِكْ لِكُلِّ زَوْجَيْنِ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ حَيَاتِهِمَا، وَاجْعَلْهَا فَاتِحَةَ خَيْرٍ وَبَرَكَةٍ لَا رِيَاءَ فِيهَا وَلَا سَرَفَ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ شَبَابَ المُسْلِمِينَ مِنَ الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَأَعِنْهُمْ عَلَى العَفَافِ، وَاجْزِ كُلَّ أَبٍ يَسَّرَ عَلَى خَاطِبٍ كُفْءٍ خَيْرَ الجَزَاءِ، وَاجْعَلْ ذَلِكَ فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِهِ يَوْمَ يَلْقَاكَ.. آمِينَ آمِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.









لا توجد تعليقات بعد.