قطاع تكرير البنزين المصري بين تقليص الواردات وتعزيز أمن الطاقة.

المستشار أحمد عارف
يمثل توجه مصر نحو تقليص استيراد البنزين والسولار أحد أبرز التحولات الهيكلية في قطاع الطاقة خلال السنوات الأخيرة، في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى تحسين كفاءة الميزان التجاري وتعزيز أمن الطاقة، وتقليل الاعتماد على الخارج في توفير المنتجات البترولية الأساسية.
وتستهدف الدولة رفع الطاقة التكريرية للنفط الخام إلى نحو 37 مليون طن سنويًا بحلول 2026، بزيادة تقدر بنحو 3 ملايين طن مقارنة بالمستويات الحالية، بما يسمح بتقليص الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك، والتي طالما شكلت سببًا رئيسيًا لارتفاع فاتورة الاستيراد وضغطًا مستمرًا على النقد الأجنبي.
اقتصاديًا، تعتمد هذه الاستراتيجية على معالجة أحد أوجه الخلل التقليدية في قطاع البترول المصري، والمتمثل في عدم الاستغلال الكامل للطاقة التصميمية لمعامل التكرير. ومن ثم، تبنّت الدولة مسارين متكاملين؛ الأول يتمثل في تكثيف أنشطة البحث والتنقيب، خاصة في الصحراء الغربية وخليج السويس، اللذين يساهمان بنحو 75% من إجمالي إنتاج الخام المحلي، بما يرفع من كميات الخام المتاحة للتكرير محليًا. أما المسار الثاني فيرتكز على تأمين إمدادات خام مستقرة عبر عقود طويلة أو متوسطة الأجل مع دول عربية، بشروط سداد مرنة، بهدف ضمان استمرارية التشغيل وتقليل المخاطر المرتبطة بتقلبات الأسواق العالمية.
وعلى مستوى الاستثمار، ضخت الدولة خلال فترة وجيزة أكثر من 10 مليارات دولار لتطوير وتحديث معامل التكرير، وهو ما يعكس تحولًا واضحًا من سياسة الاستيراد إلى سياسة تعظيم القيمة المضافة محليًا. وتشمل هذه الاستثمارات مشروعات استراتيجية مثل مجمع إنتاج السولار بأسيوط «أنوبك»، ومجمع التفحيم بالسويس، فضلًا عن تطوير ميناء الحمراء بالعلمين ليكون مركزًا إقليميًا لتخزين وتداول النفط الخام، ما يعزز موقع مصر في سلاسل إمداد الطاقة الإقليمية.
كما تمثل توسعات معمل ميدور ببرج العرب، بتكلفة بلغت نحو 2.7 مليار دولار وطاقة تصل إلى 160 ألف برميل يوميًا، نموذجًا واضحًا لجدوى الاستثمار في التكرير، إذ يساهم المعمل بنحو 30% من احتياجات السوق المحلية من البنزين والسولار، ما يخفف بشكل مباشر من الحاجة إلى الاستيراد. وفي السياق نفسه، تضيف الشركة المصرية للتكرير بمسطرد بعدًا نوعيًا من خلال استخدام تكنولوجيات متقدمة لتحويل المازوت منخفض القيمة إلى منتجات عالية الجودة، مثل السولار المطابق للمواصفات الأوروبية «يورو 5»، وهو ما ينعكس إيجابًا على كفاءة الاستهلاك والمعايير البيئية.
وتشير التقديرات إلى أن استمرار هذه السياسات قد يرفع الطاقة التكريرية لمصر إلى نحو مليون برميل يوميًا بحلول عام 2030، وهو مستوى لا يحقق فقط الاكتفاء الذاتي من المنتجات البترولية الأساسية، بل يفتح المجال أمام توجيه فوائض محتملة للتصدير، بما يدعم احتياطي النقد الأجنبي، ويعزز دور مصر كمركز إقليمي للطاقة.
في المجمل، يعكس تطوير قطاع التكرير تحولًا اقتصاديًا استراتيجيًا من استيراد المنتج النهائي إلى إنتاجه محليًا، بما يحمله ذلك من آثار إيجابية على الميزان التجاري، واستقرار سوق الطاقة الداخلية، وتقليل التعرض لصدمات الأسعار العالمية، وهو ما يضع مصر على مسار أكثر استدامة في إدارة مواردها البترولية.










لا توجد تعليقات بعد.