728x90
previous arrow
next arrow
مقالات

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فقه الواقع

728x90
previous arrow
next arrow
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فقه الواقع
بقلم / المفكر العربى الدكتور خالد محمودعبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
ما أحوجُنا اليومَ أن نقفَ مع فقهٍ عظيمٍ اهتم به الإسلام. فقهٍ يُبصِّرُ المسلمَ بواقعِه، ويُعينُه على حُسْنِ فهمِ نصوصِ الوحي، وحُسْنِ تطبيقِها، وحُسْنِ الدعوة إليها. فقهٍ بهِ يُصلِحُ اللهُ تعالى حياةَ الأفراد، ويقيمُ به موازينَ العدلِ في المجتمعات.*
*حديثُنا عن فقهٍ اعتنى به القرآن، وجسَّده الرسولُ ﷺ والخلفاءُ الراشدون من بعدِه. فقهٍ نحتاجُه في دعوتِنا، وتربيتِنا، وتعليمِنا، وسياستِنا.* إنه فقهُ الواقع؛ *فما هو؟ وما مرجعيتُه في القرآن والسنة؟، وما تطبيقاتُه في عصر الخلفاء الراشدين؟، وما أهميتُه في حياتِنا المعاصرة؟.*
الآيةُ التي افتتحنا بها الخطبة والتي تتحدثُ عن هابيل وقابيل فيها دلالةٌ لاهتمامِ الإسلامِ بفقهِ الواقع، والدلالةُ أن اللهَ تعالى أرسلَ لقابيل غراباً يُعلِّمُه كيف يدفن جثمانَ أخيه هابيل ولم يتركه يتخبط بلا هُدَى؛ *وهكذا ومنذ أن هبط أبونا آدم وزوجُه على الأرض أعطاهما اللهُ تعالى هدايتَه- التي تُخاطِبُ واقعهمَا- ليعيشا الحياة وفق منهجِه سبحانه* (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) البقرة.
فقهُ الواقع هو الفقهُ الذي يدرسُ حالَ الأفرادِ والمجتمعات سواء كانت تلك المستهدفة بالدعوة، أو المجتمعات المُسلمة التي تُطبَق فيها تعاليمُ الإسلام؛ *فالدعوةُ أحبتي لا تكونُ في فراغٍ وإنما في واقع، والنصوصُ لا تُطبَقُ في الفراغ وإنما في واقعٍ لابد من استيعابِه قبل التطبيق* قال ابنُ القيم في كتابِ إعلامِ المُوقِّعِين: *”الفقيهُ مَنْ يُطبِّقُ بين الواجبِ والواقع، فلكلِّ زمانٍ حُكمٌ، والناسُ بزمانِهم أشبهُ منهم بآبائِهم”.*
*وقد أرسلَ اللهُ تعالى الرسلَ وأنزلَ الكتبَ لتصحيحِ مسيرةِ البشريةِ في شتى جوانبِ الحياة: في العقيدة والعبادة والسلوك والمعاملة؛ فكلُ رسالةٍ نزلت خاطبت واقعَ مجتمعِها* (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤) إبراهيم.
خاطبت رسالةُ هود عليه السلام *انحراف الاعتقاد، والغرور بالقوة المادية، والطغيان، والترف الاقتصادي، والفساد في الأرض* لأن هذه الأمراض كانت موجودة في قومِ عاد. وخاطبت رسالةُ شعيب عليه السلام *الانحراف في الاعتقاد، والتقصير في الكيلِ والميزان، وأكل أموالَ الناسِ بغير حقٍ، والفساد في الأرض*؛ فتلك هي أمراضُ قومِ مدين. وخاطبت رسالة لوط عليه السلام *الانحراف في الاعتقاد، والعدول عن الفطرة البشرية بإتيان الذكور دون الإناث، وقَطْع الطريق أمام الناس لنهبِ أموالِهم وممتلكاتِهم* فتلك هي أمراضُ قومِ لوط؛ *وبالتالي فإن رسالات اللهِ تعالى إلى البشر خاطبت واقع المجتمعاتِ لتأخذَ به إلى الأحسن.*
وعلى مستوى الأفراد كان رسولُ اللهِ ﷺ *يُسئلُ السؤالُ الواحدُ فيُجيبُ إجاباتٍ متعددة لاختلافِ الواقعِ والحال*؛ فيُسئل مثلاً أيُ العملِ أفضل؟ فيقولُ *إيمانٌ باللهِ ورسولِه، والصلاةُ على وقتِها، وبرُ الوالدين.* ويُسئلُ أيُ الناسِ أفضل فيقولُ: *”رجلٌ يُجاهدُ في سبيلِ الله بنفسِه ومالِه”* ويُسئل أيُ الجهادِ أفضل فيقولُ: *”كلمةُ حقٍ عند سلطانٍ جائر”* وتسألُه السيدةُ عائشةُ أيُ الجهادِ أفضل؟ فيقولُ: *”حجٌ مبرور”.* هذا ليس تناقضاً في الإجابات أحبتي وإنما كانت كلُ إجابةٍ تُناسبُ واقعَ الحالِ بالنسبةِ للسائل؛ ولذلك عندما أراد مُعاذ بن جبل سفراً وطلَب من رسولِ اللهِ ﷺ أن يُوصيه قال له رسولُ اللهِ ﷺ: *”اعبدِ اللهَ كأنك تراهُ، واعدُد نفسَك في الموتَى، واذكُرِ اللهَ عند كلِّ حَجرٍ وعند كلِّ شجَرٍ، وإذا عَمِلتَ سيئةً فاعمل بِجَنبِها حَسنةً، السِّرُّ بالسِّرِّ، والعَلانيةُ بالعَلانيةِ”* الطبراني. *كانت هذه الإجابةُ قبلَ أن يُكلفَه رسولُ اللهِ ﷺ أمراً عاماً؛ ولكن عندما كلفَّه ﷺ بمَهمَةِ الابتعاثِ إلى اليمنِ لتعليمِ الناسِ وهدايتِهم وقضاءِ حوائِجهم وصَّاه وصيةً مختلفة* فقال له: *” أخلِصْ دِينَك يَكْفِك القليلُ مِن العمَلِ”* البيهقي في شعب الإيمان؛ *فالوصيةُ الأولى لمُعَاذ فيها أعمالٌ كثيرة؛ ولكن عندما تولَّى أمراً عاماً قال له رسولُ اللهِ ﷺ: “أخلِصْ دِينَك يَكْفِك القليلُ مِن العمَلِ”* وذلك حتى لا ينشغل بالأعمالِ الفرديةِ على حساب قضاء حوائجِ المسلمين؛ *ولذلك مثلاً اهتمام الحاكم بالعدلِ في الرعية، وتحقيق الكفاية المعيشية لهم أفضل من صيامِه النهار وقيامِه الليل.*
*فَهِم الخلفاء الراشدون ذلك وجسَّدوه في حياتِهم فهذا أبوبكر رضي اللهُ عنه جمَعَ آيات القرآنِ في كتابٍ واحدٍ مع أن رسولَ اللهِ ﷺ لم يجمعها في حياتِه، فعَلَ ذلك حين اشتد القتلُ وسطَ القُرَاء ” حفظَة القرآن” واستشهد منهم سبعون في معركةِ اليمامة؛ فقام أبوبكر بجمعِ المصحفِ إداركاً للواقعِ ومراعاةً لمصلحةِ المسلمين فحفظ بذلك كتابَ اللهِ تعالى.*
أما الخليفةُ عمر فقد روى الإمامُ مالك في الموطأ عن عبد الله بن دينار *أن عمراً خرج ذات ليلةٍ يتفقَدُ الرَعِية فسَمِعَ إمراةً – غَابَ عنها زوجُها في الجهاد- تقول:*
*تطَاوَلَ هذا الليلُ واسْوَّد جَانِبُه*
*وأَرَّقَنِي ألا خَلِيلٌ ألُاعِبــُه*
*فواللهِ لولا اللهُ أني أراقِبــُـه لحَرَّك مِنْ هذا السريرِ جَوانبُه*
فسأل عمر ابنتَه حفصة: *كم أكثر ما تصبِرُ المرأةُ عن زوجِها؟* فقالت: *ستة أشهر، أو أربعة أشهر.* فقال عمر: *لا أحبسُ أحداً من الجيوش أكثرَ من ذلك.*
*هذا النموذج أحبتي يُبيِّن اهتمام عمر رضي اللهُ عنه بالواقع؛ فقد كان لا يُحددُ زمناً مُعيَّناً لرجوعِ المُجاهدِ من أرضِ الجهاد ولكنه عندما سَمِعَ كلام هذه المرأة وهي تندبُ طولَ ابتعادِ زوجِها عنها أمَرَ ألا تزيد فترة ابتعادِ المجاهدِ عن زوجتِه أربعة أشهرٍ مُراعاةً لواقعِ النساء وحتى لا تحصُل لهن فتنةً بسبب ذلك.*
وعثمان رضي اللهُ عنه *جعل أذان الجمعة أذانين وقد كان في عهد رسولِ اللهِ ﷺ وفي عهدِ أبي بكرٍ وعمرٍ أذاناً واحداً – وهو الأذان في وقتِ دخول الإمام للخطبة-، ولكنه رضي اللهُ عنه جعلَ أذاناً ثانياً لتوسعِ المباني في المدينة وكثرةِ السكانِ فيها فيكونُ الأذانُ الأولُ للتهيئة والثاني للخُطبة.*
وعليٌ رضي اللهُ عنه *قرَّر فَرْض ضمانة مالية على الصُنَّاع لو تَلَفَ شيءٌ من المصنوع على أيدِيهم ولم يثبِتُوا أنه تَلَفَ بغيرِ سببٍ منهم فيدفعوا قيمتَه لأصحابِه، ولم يكن الصُنَّاعُ يضمنون شيئا تَلَفَ في أيديهم في عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ وفي عهدِ أبي بكرٍ وعمر وعثمان* وعندما سُئِل عليٌ عن السبب قال: *”لا يصلُحُ للناسِ إلا ذلك”.*
*وفي عهدِ التابعين ولمَّا توسعت ديارُ الإسلام دخلت ثقافات أخرى في الشام والعراق ومصر وبلاد الفرس برزت مشكلات جديدة في تلك المجتمعات مما ساعد في تَكَوُن المدارس الفقهية التي لم تكن موجودة في عهدِ الصحابة رضوانَ اللهِ عليهم.*
*وفي عصرِ تابعي التابعين تم تدوين الفقه وتدوين السنة وكتابة السيرة والتاريخ الإسلامي وقواعد اللغة وتنقيط القرآن الكريم وكتابة التفسير ولم يكن ذلك كلُه موجودًا في عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ولا أصحابِه من بعدِه؛ وإنما تصدى لذلك الأجيالُ اللاحقة في القرن الثاني الهجري. فعلوا ذلك لمَّا رأوا بُعْدَ الفترةِ عن عصر النبوة واستجابةً للتحديات التي واجهت الأمة الإسلامية في ذلك الوقت خدمةً للإسلام وللمسلمين؛ مما يضعُنا أمام امتحانٍ صعبٍ وهو: ماذا فعلنا نحن من أجلِ خدمةِ الإسلامِ ورفعةِ المسلمين ونصرةِ المستضعفينَ منهم؟*
*الحديث* وهو يُبيِّنُ اهتمام الرسول ﷺ بالواقع
عن أبي هريرة رضي اللهُ عنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: *هَلَكْتُ!* قَالَ: *وما شَأْنُكَ؟* قَالَ: *وقَعْتُ علَى امْرَأَتي في رَمَضَانَ،* قَالَ: *تَسْتَطِيعُ تُعْتِقُ رَقَبَةً؟* قَالَ: *لَا.* قَالَ: *فَهلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟* قَالَ: *لَا.* قَالَ: *فَهلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟* قَالَ: *لَا.* قَالَ: *اجْلِسْ. فَجَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبيُّ ﷺ بعَرَقٍ فيه تَمْرٌ وقَالَ: خُذْ هذا فَتَصَدَّقْ به.* قَالَ: *أعَلَى أفْقَرَ مِنَّا؟* فَضَحِكَ النبي ﷺ حتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، قَالَ: *أطْعِمْهُ عِيَالَكَ”* البخاري.
إن فقه الواقع له أهميتُه في حياةِ المسلمين المُعاصِرة ومن ذلك:
*أنه يجعلُنا نتخذ القرارات الصحيحة وقد كان رسولُ اللهِ ﷺ يهتم بذلك ولذلك وجدنَاه يبدأ بالدعوة السرية في مكة لضعفِ المسلمينَ حينها وقوةِ شوكةِ المشـ.ـركين، ثم الدعوة الجهرية، ثم الهجرة إلى الحبشة، وبعدها الهجرة إلى المدينة، ولم يأذن اللهُ تعالى بالقـ.ـتال إلا في السنةِ الثانيةِ من الهجرة وبعد تثبيت أركان المجتمع في المدينة.*
*فقهُ الواقع أحبتي يجعلُنا نفهمَ النصوص فهماً صحيحاً ونُطبِقُها بشكل صحيح في الحياة؛ ولذلك عندما أرسلَ رسولُ اللهِ ﷺ مُعاذاً إلى اليمن وَجَد مُعاذٌ أن الأقمشة اليمانية متوفرة ورخيصة الثمن، وهي نادرة وغالية الثمن في المدينة فأخذها مكان زكاة الذرة والشعير* وقال *”ائتوني بخميسٍ أو لَبيسٍ آخذُه منكم مكانَ الصَّدقةِ، فإنَّه أهوَنُ عليكم، وخيرٌ للمهاجرين بالمدينةِ”* السنن الكبير للبيهقي؛ *وهذا من كمالِ فقهِه وإداركِه للواقع والمقاصد.*
*فقه الواقع يجعلُنا ندعو إلى اللهِ على بصيرةٍ وبدونِه يظل نجاح الدعوة ضعيفاً؛ فالدعوةُ تحتاجُ أن ندخلَ إلى قلوبِ الناسِ بالمدخل الذي يستميلهم إلى قَبولِ الحق* (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) يوسف.
*كثيرٌ من الدعاة خسِرُوا المجتمعات بسبب عدمِ قراءةِ الواقع وعدم اختيارِ الأسلوب الأحسن في الدعوة؛ فكيف نستميلُ الناسَ للهداية إن لم نُحسن الأسلوب، وكيف نُعالج أحبتي أمراضَ المجتمعات إن لم ندرس واقِعها؛ ولذلك خاطَبَت رسالاتُ اللهِ تعالى إلى البشر قضايا واقعِهم.*
*فقه الواقع أحبتي يجعلُنا كأمة مسلمة نعرِف نقاط القوة التي نمتلكُها لنَبنِي عليها، ونقاط الضعف التي نُعاني منها لنُعالِجها. ونعرف كذلك مقدرات الأعـ.ـداء وأساليب كيدِهم ومُخططاتِهم حتى نكشفَها ونُبطِلُ مفعولَها.*
*إن أمريكا الجنوبية لم تُنـ.ـهَب من قِبَل أوروبا إلا بعد الكشوفات الجغرافية التي قام بها الرحالةُ الأوروبيون، والتي اكتشفوا من خلالِها المعادن النفيسة هناك، ولم تُحتَل بلدانُ المسلمين إلا بعد أن أحاطَ المحـ.ـتلُ بواقع منطقتِنا، ودرَسَ ثقافتِنا، وأدركَ نقاطَ قوتِنا وعَمِلَ على إضعافِها، وأدركَ نقاطَ ضعفِنا واستثمر فيها؛ ثم بعد ذلك احـ.ـتلَ بلداننا ونـ.ـهب ثرواتنا.*
أيها المُسلِمُون
*إن فقه الواقع يُسهم في إخراجِ أمتِنا من حالةِ غثاءِ السيلِ التي نعيشُها إلى تجسيدِ الخيرية التي جعلها اللهُ تعالى خصيصةً لهذه الأمة متى ما عمِلت بمقتضاها* قال تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) آل عمران ١١٠.
.
.
تم نسخ الرابط بنجاح!
اظهر المزيد
728x90
previous arrow
next arrow

نموذج التعليق


لا توجد تعليقات بعد.

زر الذهاب إلى الأعلى