رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن واجب الأبناء تجاه الوالدين في ضوء القرآن والسنة
- رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن واجب الأبناء تجاه الوالدين في ضوء القرآن والسنة
- بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
- مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
- رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن واجب الأبناء تجاه الوالدين في ضوء القرآن والسنة
بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾
ـــــ ـــ ـــ ـــــــــ
واجب الأبناء تجاه الوالدين في ضوء القرآن والسنة
إنّ برّ الوالدين ليس مجرّد واجب اجتماعي تفرضه العادات، ولا سلوكًا أخلاقيًا يُمارَس عند الحاجة، بل هو عبادة عظيمة قرنها الله تعالى بتوحيده، وجعل الإحسان إلى الوالدين من أسمى صور الوفاء والرحمة. فالوالدان هما باب الإنسان إلى الحياة، وهما اللذان بذلا من أعصابهما وصحتهما ووقتهما ما لا يستطيع الأبناء أن يردّوا مثله مهما بلغوا من العطاء. ومن هنا، فإنّ واجب الأبناء تجاههما لا يتوقف عند توفير الطعام والدواء، بل يمتدّ إلى الكلمة الطيبة، وحسن المعاملة، وصون الكرامة، والوفاء في الكبر كما كانا وفيَّين في الصغر.
1. برّ الوالدين عبادة بعد توحيد الله
لقد عظّم الإسلام مكانة الوالدين، وربط الإحسان إليهما بعبادة الله وحده، فقال تعالى:
﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسراء: 23].
وهذا الاقتران يكشف عظيم منزلة البرّ في ميزان الإسلام. فالإحسان إلى الوالدين ليس فضلًا اختياريًا يتكرّم به الابن متى شاء، بل هو واجب شرعي وأخلاقي، يدلّ على صدق الإيمان ونبل النفس. ومن أدرك هذه الحقيقة، لم ينظر إلى خدمة والديه على أنها عبء يقيّد حريته، بل فرصة للتقرّب إلى الله وردّ بعض الجميل لمن كانا سببًا في وجوده ورعايته.
2. الكلمة الطيبة واحترام المشاعر
قد يظنّ بعض الأبناء أنّهم أدّوا واجبهم ما داموا ينفقون على والديهم، وينسون أنّ الكلمة الجارحة قد تؤلم أكثر من الحرمان المادي. ولذلك نهى الله عن أدنى مظاهر التضجّر، فقال سبحانه:
﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ [الإسراء: 23].
فإذا كان التأفّف ممنوعًا، فكيف بالصراخ والإهانة والتقليل من شأنهما أمام الآخرين؟ إنّ من البرّ أن يخاطب الابن والديه بأدب، وأن يصغي إلى حديثهما، وألا يسخر من تكرار كلامهما أو بطء حركتهما أو ضعف ذاكرتهما. فالكلمة الطيبة لا تكلّف مالًا، لكنها قد تمنح قلبًا متعبًا شعورًا بالأمان والكرامة.
3. رعاية الوالدين في مرحلة الشيخوخة
حين يتقدّم الوالدان في السنّ، قد تتراجع صحتهما وتضعف قدرتهما على الاعتماد على نفسيهما، فيتحوّل الواجب من الرعاية المعتادة إلى مسؤولية أكثر حاجة إلى الصبر والرحمة. وقد نبّه القرآن إلى هذه المرحلة بقوله تعالى:
﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ﴾ [الإسراء: 23].
فقد يصبح الأب الذي كان يسعى لتلبية حاجات أبنائه محتاجًا إلى من يساعده على الحركة، وقد تصبح الأم التي سهرت على راحة أسرتها بحاجة إلى من يرافقها إلى الطبيب ويطمئن على دوائها. وهنا يظهر معدن الأبناء الحقيقي: هل يردّون الجميل بالصبر والاحتواء، أم يعتبرون ضعف الوالدين مصدر إزعاج؟ إنّ الشيخوخة ليست سببًا للضيق منهما، بل مرحلة يستحقّان فيها مزيدًا من الوفاء.
4. التواضع لهما وخفض جناح الرحمة
من واجب الأبناء ألا تجعلهم الشهادات العلمية أو المناصب أو الثروة ينظرون إلى والديهم نظرة استعلاء، مهما كان مستواهما التعليمي أو الاجتماعي. يقول الله تعالى:
﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 24].
والمقصود خفض جناح الرحمة والتواضع، لا المهانة؛ أي أن يتعامل الابن مع والديه برفق، وأن يشعرهما بأنّ مكانتهما محفوظة مهما تغيّرت ظروف الحياة. ومن المؤلم أن يرفع الإنسان صوته على والديه لأنهما لا يفهمان عالمه الجديد، أو أن يستحي من بساطتهما أمام أصدقائه، وينسى أنّهما احتضناه قبل أن يعرف الناس اسمه.
5. النفقة عليهما بحسب الاستطاعة
إذا احتاج الوالدان إلى المال وكان الابن قادرًا على مساعدتهما، فإنّ من البرّ أن يوفّر لهما حاجاتهما الأساسية من غذاء ولباس وسكن وعلاج، بحسب قدرته وحاجتهما. قال تعالى:
﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ﴾ [البقرة: 215].
ولا ينبغي أن ينحصر الإنفاق في تقديم ما يزيد عن الحاجة بعد شراء الكماليات، بينما يعاني الوالدان من نقص الدواء أو صعوبة تدبير المعيشة. وفي المقابل، لا يُكلّف الإنسان ما لا يستطيع، وإنما يبذل جهده بالمعروف، ويوازن بين واجباته الأسرية والمالية. فالنفقة على الوالدين ليست خسارة، بل باب من أبواب الإحسان والأجر.
6. تخصيص الوقت والاهتمام بهما
ليس كلّ احتياج يُقضى بالمال؛ فهناك احتياج إلى الصحبة والحديث والزيارة والسؤال والإنصات. قد يكون الوالدان في بيت مريح، وتتوفر لهما الحاجات المادية، لكنهما يشعران بالوحدة لأن أبناءهما لا يزورونهما إلا نادرًا، أو يتصلون بهما على عجل.
إنّ من البرّ أن يخصّص الأبناء وقتًا لوالديهم، وأن يسألوا عن صحتهما وأحوالهما، وأن يشاركوهما مناسباتهما، وألا يجعلوا الانشغال بالعمل أو الأصدقاء أو وسائل التواصل ذريعة دائمة للغياب. وقد قال النبي ﷺ: «رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ». قيل: مَن يا رسول الله؟ قال: «مَن أدرك والديه عند الكبر، أحدهما أو كليهما، ثم لم يدخل الجنة» رواه مسلم (2551).
وهذا تحذير شديد من تضييع فرصة البرّ حين يبلغ الوالدان مرحلة الكبر، حيث تشتد حاجتهما إلى أبنائهما.
7. طاعتهما في المعروف دون معصية الله
الأصل أن يطيع الابن والديه فيما فيه مصلحة مشروعة ولا يتضمن معصية أو ظلمًا، وأن يتعامل معهما بأدب حتى عند الاختلاف. لكنّ الطاعة ليست مطلقة؛ فقد بيّن القرآن أنّ الوالدين إذا دعوا إلى الشرك فلا تجوز طاعتهما في ذلك، مع استمرار المصاحبة بالمعروف، فقال تعالى:
﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾ [لقمان: 15].
ومن باب أولى، ينبغي معالجة الخلافات اليومية بالحوار الهادئ، لا بالقطيعة والإهانة. وللابن أن يوضح رأيه ويضع حدودًا عادلة عند الحاجة، مع الحفاظ على الاحترام وتجنّب الأذى. فبرّ الوالدين لا يعني إلغاء العقل أو قبول الظلم، بل الجمع بين حسن المعاملة والالتزام بما أمر الله.
8. الإحسان إليهما حتى عند الاختلاف في الطباع والأفكار
قد يختلف الأبناء مع والديهم في أسلوب الحياة أو تربية الأبناء أو اختيار العمل والزواج، وقد يشعر بعضهم بأنّ والديه لا يفهمان متطلبات العصر. غير أنّ اختلاف الأجيال لا يبرّر التجريح أو الاستخفاف أو القطيعة. ومن الحكمة أن يتعلّم الابن الفصل بين رفض فكرة معينة والإساءة إلى صاحبها.
فإذا أخطأ الوالدان في تقدير موقف ما، أمكن توضيح ذلك بلطف، واختيار الوقت المناسب للنقاش، والاستعانة بشخص حكيم إذا تعقّدت المشكلة. وليس من البرّ أن يُسكت الابن كلّ خلاف بالقسوة، كما أنّه ليس من البرّ أن يتخلّى عن والديه لمجرد اختلاف الرأي. إنّ الاحترام الحقيقي يظهر عندما نستطيع الاختلاف دون أن نفقد الرحمة.
9. الدعاء لهما والبرّ بهما بعد الوفاة
لا ينتهي واجب الأبناء بموت الوالدين؛ فالدعاء لهما والاستغفار لهما من أبواب الوفاء، كما يمكن مواصلة الإحسان من خلال قضاء الديون والحقوق المشروعة عنهما، وصلة الأقارب والأصدقاء الذين كانا يحبانهم، والصدقة عنهما وفق الأحكام الشرعية.
وقد علّمنا القرآن هذا الدعاء العظيم:
﴿ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 24].
وقال النبي ﷺ: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم (1631).
فالولد الصالح الذي يدعو لوالديه بعد وفاتهما يحمل وفاءه إلى ما بعد الفراق، ويجعل من الدعاء صلةً باقيةً بينه وبين من أحسنوا إليه في حياته.
10. البرّ الحقيقي سلوك يومي لا شعارات موسمية
قد يتحدث الإنسان طويلًا عن فضل الوالدين، وينشر المواعظ عن برّهما، ثم يقصّر في زيارتهما أو يجرح مشاعرهما أو يتجاهل حاجاتهما. لكنّ البرّ الحقيقي لا يُقاس بالكلام وحده، بل بالمواقف اليومية الصغيرة: اتصال للاطمئنان، ودواء يُوفَّر في وقته، وابتسامة تزيل القلق، ومساعدة تُقدَّم دون تذمّر، واعتذار صادق عند الخطأ.
إنّ أجمل ما يقدّمه الأبناء لوالديهم أن يشعرهما بأنّهما لم يكونا مجرّد مرحلة في حياتهم، بل أصلًا من أصولها، وأنّ فضلهما لا يُنسى حين يكبر الأبناء ويستقلّون. وليس المطلوب أن يكون الابن كاملًا، بل أن يكون صادقًا في سعيه إلى الإحسان، وأن يبادر إلى إصلاح التقصير قبل أن يتحوّل الندم إلى حسرة لا ينفع معها الاعتذار.
خاتمة:
إنّ قوله تعالى: ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ ليس أمرًا عابرًا، بل منهج حياة يعلّم الإنسان الوفاء والرحمة والتواضع. ومن أعظم صور النضج أن يدرك الابن أنّ والديه اللذين حملاه صغيرًا قد يحتاجان يومًا إلى من يسندهما، وأنّ اليد التي أمسكت بيده ليتعلّم المشي تستحقّ أن تجد يدًا تمسك بها حين تضعف.
فلنحسن إلى والدينا ما داما بيننا، ولنغتنم فرصة وجودهما، لأنّ أبواب البرّ قد تُغلق برحيلهما، ولأنّ بعض الكلمات التي نؤجّلها اليوم قد نتمنّى لو قلناها غدًا. وليكن دعاؤنا الدائم:
المراجع: من القرآن الكريم والسنة النبوية
﴿ ۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾








