رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن ضبط حدود العفو والتسامح: متى نعفو، ومتى نضع الحدود
- رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن ضبط حدود العفو والتسامح: متى نعفو، ومتى نضع الحدود
- بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
- مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
- رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن ضبط حدود العفو والتسامح: متى نعفو، ومتى نضع الحدود
بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
ضبط حدود العفو والتسامح: متى نعفو، ومتى نضع الحدود؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. العفو قوة وليس ضعفًا
العفو من أسمى الأخلاق الإنسانية التي دعا إليها الإسلام، وهو دليل على سعة الصدر وقوة النفس والقدرة على تجاوز الإساءة دون الاستسلام للكراهية والانتقام. فالإنسان الضعيف قد يعجز عن الرد، أما القوي فقد يقدر عليه ثم يختار العفو ابتغاء مرضاة الله. غير أن العفو لا يعني أن نتنازل عن كرامتنا أو أن نسمح للآخرين باستغلال طيبتنا. إنه قرار واعٍ يحرر القلب من الحقد، ولا يلزم صاحبه بأن يقبل استمرار الأذى. وقد مدح الله المحسنين بقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحسِنِينَ﴾ (آل عمران: 134).
2. التسامح لا يعني تبرير الخطأ
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن التسامح يقتضي تبرير تصرفات الآخرين أو التقليل من خطورة ما ارتكبوه. والحقيقة أن بإمكاننا أن نسامح شخصًا مع الاعتراف بأنه أخطأ في حقنا، وأن نتجاوز الإساءة دون أن نصفها بأنها أمر عادي أو مقبول. فالتسامح موقف أخلاقي، أما تبرير الخطأ فهو حكم على السلوك. وقد يكون من الحكمة أن نعفو عن زلة عابرة، بينما يتطلب الخطأ الجسيم موقفًا واضحًا وإصلاحًا للضرر. قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (الشورى: 40). ولفظ الإصلاح هنا يلفت الانتباه إلى أن العفو ينبغي أن يكون طريقًا إلى معالجة الخلل، لا وسيلة لإبقائه واستمراره.
3. التفريق بين الزلة المتفرقة والسلوك المتكرر
ليس من الحكمة أن نتعامل مع جميع الأخطاء بالطريقة نفسها؛ فالإنسان قد يخطئ تحت ضغط أو انفعال، ثم يندم ويعتذر ويحرص على عدم التكرار. وهذا يختلف عن شخص يكرر الإساءة كلما وجد فرصة، ثم يطلب الصفح دون أن يغيّر سلوكه. في الحالة الأولى، قد يكون العفو فرصة لإصلاح العلاقة وتعزيز الثقة، أما في الثانية، فقد يؤدي التسامح غير المصحوب بحدود إلى تشجيع التمادي. ومن هنا ينبغي النظر إلى ثلاثة أمور: طبيعة الخطأ، ومدى تكراره، واستعداد صاحبه لتحمل المسؤولية. فليست كل زلة دليلًا على فساد الإنسان، كما أن تكرار الأذى ليس أمرًا ينبغي تجاهله باسم حسن الظن.
4. الحدود الشخصية تحفظ الكرامة
من حق الإنسان أن يضع حدودًا واضحة في علاقاته، فيحدد ما يقبله وما يرفضه، وما يستطيع التغاضي عنه وما لا يستطيع. ويمكنه أن يقول بهدوء: «أحترمك، لكنني لا أقبل أن تكلمني بهذه الطريقة»، أو: «سامحتك على ما حدث، لكنني لن أسمح بتكراره». وضع الحدود لا يعني الكراهية ولا التعالي، بل يعني تنظيم العلاقة على أساس الاحترام المتبادل. وقد أمر الإسلام بالعدل والإحسان، ولم يجعل حسن الخلق مرادفًا لقبول الظلم. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: 190). فكما نُطالب بضبط ردود أفعالنا، ينبغي ألا نسمح بتحويل طيبتنا إلى منفذ للاعتداء علينا.
5. العفو لا يسقط حق المظلوم في الإنصاف
قد يتعرض الإنسان لظلم مادي أو معنوي، فيظن بعض الناس أن مطالبته بحقه تتعارض مع التسامح. وهذا غير صحيح؛ فالعفو فضيلة، والمطالبة بالحق مشروعة أيضًا. وليس كل مظلوم مطالبًا بالتنازل عن حقه حتى يكون متسامحًا أو حسن الخلق. قال الله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (الشورى: 41)، ثم أثنى على العفو والإصلاح في الآية التالية. وهذا يبيّن أن القرآن يقر مشروعية الانتصاف من الظلم، ويحث في الوقت نفسه على العفو الذي يحقق الخير والإصلاح. لذلك يجوز للإنسان أن يطالب بالتعويض، أو يلجأ إلى القضاء، أو يستعين بالجهات المختصة، من غير أن يجعل الانتقام غايته.
6. الاعتذار الصادق مفتاح استعادة الثقة
الاعتذار الحقيقي ليس مجرد كلمة تقال لإغلاق الموضوع، بل هو اعتراف بالخطأ، وشعور بالمسؤولية، واستعداد لإصلاح الضرر وعدم تكراره. ومن الحكمة أن نفرّق بين قبول الاعتذار واستعادة الثقة؛ فقد نقبل اعتذار شخص ونترك باب العلاقة مفتوحًا، لكننا نحتاج إلى وقت قبل أن نأتمنه على أسرارنا أو نعتمد عليه كما كنا نفعل. فالثقة تُبنى بالأفعال المتكررة، ولا تعود دائمًا بمجرد الكلمات. وقد قال النبي ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، رواه البخاري ومسلم. وهذا الحديث يذكّرنا بأن سلامة الآخرين من الأذى مسؤولية عملية، وليست مجرد ادعاء لحسن النية. فمن أراد أن يُسامَح، فعليه أن يسعى إلى أن يصبح أكثر أمانًا في تعامله مع الناس.
7. التسامح داخل الأسرة يحتاج إلى حكمة
في الحياة الزوجية والعائلية، قد تتحول عبارة «سامح من أجل الأسرة» إلى ضغط على الطرف المتضرر كي يصمت عن الإهانة أو يتعايش مع الأذى المتكرر. لكن استقرار الأسرة لا يقوم على صبر شخص واحد إلى ما لا نهاية، وإنما على المسؤولية المشتركة والاحترام والحوار. من الطبيعي أن يتجاوز الزوجان أخطاء يومية، وأن يتبادلا الاعتذار، وأن يراعيا التعب والضغوط. لكن الإهانة المستمرة أو التهديد أو العنف لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها خلافًا عاديًا. قال الله تعالى في شأن الحياة الزوجية: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (النساء: 19). والمعاشرة بالمعروف تقتضي حفظ الكرامة وحسن المعاملة. وإذا تحول الأذى إلى خطر، فإن طلب المساعدة واتخاذ خطوات لحماية النفس والأبناء أولى من الاكتفاء بالصفح الكلامي.
8. لا تجعل التسامح بابًا للاستغلال
هناك فرق بين الإنسان المتسامح والإنسان الذي يخشى رفض طلبات الآخرين أو يخاف خسارة محبتهم، فيقبل ما يفوق قدرته ويتنازل عن حقوقه باستمرار. الأول يعفو عن اختيار، والثاني قد يصمت تحت ضغط الشعور بالذنب أو الخوف من الوحدة. ومن صور الاستغلال أن يستعمل شخص أخطاء الماضي لإذلالنا، أو يطالبنا بالتسامح كل مرة بينما يرفض الاعتراف بمسؤوليته. وفي هذه الحالات، يصبح من الضروري أن نقول «لا» عند الحاجة، وأن نقلل الاحتكاك أو نعيد تنظيم العلاقة إذا لم تنفع النصيحة. قال النبي ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»، وهو حديث رواه ابن ماجه، وله شواهد عند غيره من أهل الحديث. ومعناه العام يؤكد أن العلاقات لا ينبغي أن تقوم على إيقاع الضرر أو مقابلة الضرر بضرر آخر.
9. العفو لا يفرض عودة العلاقة كما كانت
قد نسامح إنسانًا ونظل نتمنى له الخير، لكننا نختار ألا نعيده إلى الدائرة نفسها من القرب والثقة. فالعفو يتعلق بالتخلي عن الضغينة والرغبة في الانتقام، أما المصالحة فتتطلب معالجة الخلاف، وإصلاح ما أمكن من الضرر، واستعداد الطرفين لبناء علاقة جديدة. وقد يكون الابتعاد الهادئ أفضل من استمرار علاقة تستنزف النفس وتعيد فتح الجراح. وليس مطلوبًا أن تتحول كل علاقة منقطعة إلى صداقة، ولا أن يعود كل شخص إلى المكانة التي كان يحتلها سابقًا. ومن هدي الإسلام أن الإحسان لا يعني ترك الحذر والحكمة؛ قال الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34). فالآية ترشد إلى فضل المعاملة الحسنة، لكنها لا تجعل إصلاح كل علاقة أمرًا مضمونًا أو واجبًا مهما كانت الظروف.
10. الحكمة هي أن نعفو بقلوبنا ونحمي أنفسنا بعقولنا
إن ضبط حدود العفو والتسامح يحتاج إلى توازن بين الرحمة والكرامة، وبين حسن الظن والوعي، وبين الرغبة في الإصلاح والقدرة على حماية النفس. فلا ننتقم من كل من أخطأ، ولا نسمح لكل من اعتذر بأن يكرر أذاه. نعفو عندما يكون العفو طريقًا إلى الخير، ونطالب بحقوقنا عندما يلزم الإنصاف، ونضع حدودًا واضحة عندما يتكرر الضرر. وقد قال النبي ﷺ: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، رواه البخاري ومسلم. فالقوة الحقيقية ليست في قسوة القلب، ولا في التنازل الدائم، وإنما في التحكم في الانفعال واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب. وأجمل التسامح ما يطهّر القلب من الحقد، من غير أن يعطّل العقل عن التمييز بين من يستحق فرصة جديدة ومن يحتاج إلى مسافة آمنة.
خلاصة المقال: التسامح فضيلة، لكنه ليس تفويضًا مفتوحًا للآخرين كي يؤذوننا. نستطيع أن نعفو دون أن ننسى الدرس، وأن نحب الخير للناس دون أن نمنح الجميع الثقة نفسها، وأن نحفظ قلوبنا من الحقد وكرامتنا من الاستغلال.
المراجع من القرآن الكريم والسنة النبوية:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أولًا: القرآن الكريم
1. سورة آل عمران، الآية 134: كظم الغيظ والعفو عن الناس.
2. سورة الشورى، الآيات 40–43: التوازن بين الانتصاف من الظلم والعفو والصبر.
3. سورة البقرة، الآية 190: النهي عن الاعتداء.
4. سورة النساء، الآية 19: المعاشرة بالمعروف.
5. سورة فصلت، الآية 34: دفع الإساءة بالتي هي أحسن.
6. سورة النحل، الآية 126: مشروعية الانتصاف مع فضل الصبر.
7. سورة الحجرات، الآية 10: الإصلاح بين المؤمنين.
ثانيًا: السنة النبوية
1. صحيح البخاري وصحيح مسلم: حديث «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».
2. صحيح البخاري وصحيح مسلم: حديث «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».
3. سنن ابن ماجه: حديث «لا ضرر ولا ضرار»، وله شواهد في كتب الحديث الأخرى.








