
جحود الأبناء وجع لا ينسى
صاحب الفضل في كتابة هذه المقالة هو أغلى وأعز الناس على قلبي… ذلك الذي علّمني أن العطاء ليس بماناخذة ولكن من يعطى من قلبه لاينتظر شئ
هناك لحظة صادمة لا تأتي فجأة… بل تتسلل ببطء، حتى تستقر في القلب كطعنة لا تُرى. لحظة تكتشف فيها أن الأبناء الذين حملناهم فوق الأكتاف يومًا، صاروا ينظرون إلينا كأننا “تفصيلة قديمة” في كتاب حياتهم الجديد.

يكبر الأبناء… لكن بعض القلوب لا تكبر معهم. يكبر الجسد، وتتسع الدنيا أمام أعينهم، بينما يضيق مكان الأب في الزاوية الخلفية من الذاكرة. يصبح العطاء الذي كان يُعتبر يومًا “واجبًا طبيعيًا” من الآباء، وكأنه لم يكن أصل الحكاية ولا أساسها.
الجحود لا يأتي بصوت مرتفع دائمًا… أحيانًا يأتي في شكل تجاهل، في مكالمة لا تأتي، في زيارة مؤجلة بلا سبب، في نظرة باردة لا تعرف معنى الامتنان. وفي أحيان أخرى، يتحول إلى قسوة صريحة، كأن من ضحّى يومًا أصبح عبئًا يجب التخلص منه بصمت.
المؤلم ليس أن الأبناء يبتعدون فقط… بل أن بعضهم ينسى الطريق الذي خرج منه أصلًا. ينسى الليالي التي لم ينام فيها أب خوفًا، والوجع الذي لم يُحك، والتعب الذي دُفن في الصمت كي لا يشعروا هم به.
ومع ذلك، لا يتوقف الحب. لأن حب الآباء ليس صفقة، ولا ردّ جميل مشروط. هو عطاء يُشبه النهر… يجري حتى لو جفّ كل شيء حوله.
لكن السؤال الذي يبقى معلقًا في الهواء: كيف يتحول الامتنان إلى جحود؟ وكيف يصبح من كانوا سبب الحياة… آخر قائمة الاهتمام؟
ليست كل الحكايات قاسية، لكن القسوة الحقيقية حين يأتي الجحود من أقرب الناس، ممن كان يُفترض أن يكونوا امتدادًا للوفاء لا نقيضًا له.
ويبقى الأمل… أن يعود الوعي قبل فوات الأوان، وأن يفهم كل ابن أن العمر يدور، وأن ما يُزرع اليوم في قلب أبويه… سيُحصد غدًا في قلب الحياة نفسها.
بقلم: ملك السيد السيسى








لا توجد تعليقات بعد.