
عفوًا أيها القانون…
سؤالٌ لمن يهمه الأمر:
على أيِّ أساسٍ يُشرَّع القانون في مصر الحبيبة؟
أتناول اليوم واحدةً من أكثر القضايا حساسيةً وإثارةً للجدل في المجتمع المصري،
وهي قضايا إثبات النسب في قانون الأحوال الشخصية.
القاعدة القانونية المستقرة والمعروفة تنص على:
«الولد للفراش» في إطار الزواج الرسمي،
مع إتاحة الاستعانة بالوسائل العلمية الحديثة،
وفي مقدمتها تحليل الحمض النووي (DNA)،
وذلك وفقًا للمادة (81) من مشروع قانون الأحوال الشخصية،
بهدف تعزيز الأدلة.
حتى هذه النقطة، يبدو الأمر منضبطًا ومنطقيًا.
لكن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه بقوة هو:
هل يُستخدم هذا القانون لإحقاق العدل، أم لمجرد استكمال إجراءٍ شكلي؟
الحقيقة الصادمة أن القانون يُجيز الاستعانة بالوسائل العلمية لإثبات النسب فقط،
بينما لا يُعتد بها في إنكار النسب،
حتى وإن جاءت النتائج قاطعةً لا تقبل الشك.
لقد تابعتُ قضية رجلٍ اكتشف، بعد سنواتٍ من الزواج
وإنجاب ثلاثة أطفال،
أنه مصاب بالعقم ولا يمكنه الإنجاب طبيًا.
أحالت المحكمة الزوج إلى الطب الشرعي،
وثبتت حالته طبيًا بما لا يدع مجالًا للشك،
كما أثبتت تحاليل الحمض النووي
أن الأطفال الثلاثة ليسوا أبناءه بيولوجيًا.
ورغم هذه الأدلة العلمية الحاسمة،
صدر الحكم استنادًا إلى القاعدة الجامدة:

«الولد للفراش».
بل لم يتوقف الأمر عند هذا الحد،
إذ ألزمت المحكمة الزوج بالإنفاق على الأطفال،
وأمرت بترك مسكن الزوجية للزوجة.
استغاث الرجل،
لكن الرد كان واحدًا لا يتغير:
«هذا هو القانون».
وبعد أن فقد الأمل في الإنصاف،
أقدم الزوج على إنهاء حياته داخل ساحة المحكمة،
في واقعةٍ مأساوية هزّت الرأي العام.
لم أُصدق الأمر في البداية،
حتى تحققت من تفاصيله بسؤال عددٍ من كبار المحامين،
فكانت الصدمة أكبر.
وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح:
إذا كان العلم حاضرًا،
والحقيقة واضحة،
فلماذا يُقصى العدل؟
وهل يُعقل أن يُطالَب إنسان
بدفع ثمن خطأٍ لم يرتكبه،
ثم نطالبه في الوقت ذاته
بالإيمان بعدالة القانون؟
السؤال الختامي الصادم:
إذا كان القانون يعترف بالحقيقة حين تُثبت النسب،
ويرفضها حين تُنكره…
فهل نحن أمام قانونٍ يُنظّم العدالة؟
أم عدالةٍ تُفصَّل على مقاس القانون؟
بقلم:
ملك السيد السيسي











لا توجد تعليقات بعد.