⚡ عاجل
منوعات

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الرسول القدوة محمد صلى الله عليه وسلم

خلاصة الخبر في نقاط
  • رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الرسول القدوة محمد صلى الله عليه وسلم
  • بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
  • مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
  • رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الرسول القدوة محمد صلى الله عليه وسلم

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

محمد ﷺ نبي الرحمة . (رحمة النبي ﷺ أسرارها، ومظاهرها، وأثرها في بناء الأمة دراسة في ضوء الكتاب والسنة).

امتن الله على هذه الأمة ببعثة نبيها محمد صلى الله عليه وسلم، فكانت بعثته رحمة شاملة، ونعمة سابغة، ومنّة عظيمة، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة، رقم: 128].
– إن الحديث عن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم حديثٌ تتجلى فيه معاني الكمال الإنساني، وتظهر فيه أخلاق النبوة في أبهى صورها وأسماها، فهو عليه الصلاة والسلام الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وجعل الرحمة له سجيّة وجِبِلّة، حتى شملت رحمته الصغير والكبير، والقريب والبعيد، والمؤمن والكافر، والحيوان والجماد.
وإن مما يجمل بنا ونحن نعيش في زمن كثرت فيه الجفوة، وقلّت فيه الرأفة، وانتشرت فيه القسوة أن نقف مع هذا الخلق النبوي العظيم، خلق الرحمة، لننهل من معينه، ونستضيء بنوره، ونتخلق بأخلاقه، عسى أن تنالنا رحمة الله تعالى، فإن الراحمين يرحمهم الرحمن.
فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ» <رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي>.
فحديثنا اليوم -عباد الله- سيكون بعنوان: «رحمة النبي صلى الله عليه وسلم: أسرارها، ومظاهرها، وأثرها في بناء الحضارة».
ويأتي حديثنا تحت العناصر التالية.
⚫ العنصر الأول: مفهوم الرحمة النبوية وحقيقتها
● أولًا: تعريف الرحمة لغة واصطلاحًا
قبل الخوض في مظاهر رحمة النبي صلى الله عليه وسلم، لا بد من الوقوف على تعريف هذا الخلق العظيم، ليكون المرء على بصيرة من أمره.
• الرحمة في اللغة: هي رقة القلب، وعطفه على الغير، وانعطافه إليه بالخير والإحسان. يقول ابن منظور في لسان العرب: الرَّحْمَةُ: الرِّقَّةُ والتَّعَطُّفُ، والمَرْحَمَةُ مِثْلُهُ، وقد رَحِمْتُهُ وتَرَحَّمْتُ عليه، وتَرَاحَمَ القومُ: رَحِمَ بعضُهم بعضًا> <لسان العرب، ابن منظور، مادة: رحم، ج: 12، ص: 230، طبعة دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى>.
• والرحمة في الاصطلاح الشرعي: هي إرادة الخير للغير، وفعل الإحسان إليه، وهي صفة تقتضي إيصال النفع إلى من يستحقه، وهي أوسع من مجرد الرقة القلبية؛ إذ تتضمن معها بذل الخير والإحسان بالفعل.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه مدارج السالكين: الرحمة صفة تقتضي إيصال الخير والإحسان إلى المرحوم، وإن كرهته نفسه، فهي خلق مركب من إرادة الخير، والرأفة، والشفقة، والرقة، واللطف، والحنان <مدارج السالكين، ابن قيم الجوزية، ج: 3، ص: 7، طبعة دار الكتاب العربي، بيروت>.
وتظهر الفروق الدقيقة بين الرحمة وما شابهها من الصفات كالرأفة والشفقة؛ فالرأفة أخص من الرحمة، وهي أشدها في إيصال الخير، والشفقة قريبة من الرحمة لكنها تتضمن معنى الخوف على المشفوق عليه، والرقة تتعلق بسرعة تأثر القلب، وكلها اجتمعت في قلب النبي صلى الله عليه وسلم بكمالها وتمامها.
● ثانيًا: الرحمة النبوية في الميزان القرآني
لقد وصف الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالرحمة في مواضع عدة من كتابه العزيز، وجعلها من أبرز سمات شخصيته وأخلاقه:
• قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء، رقم: 107].
فهذه الآية الكريمة تحصر الهدف الأساس من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم في الرحمة، وقد قال المفسرون في معناها: إن إرساله صلى الله عليه وسلم رحمة لجميع الخلق؛ فأما المؤمنون فنالوا الرحمة العاجلة في الدنيا والآجلة في الآخرة، وأما الكافرون فأخروا العذاب ورفعوا المسخ والخسف، وكانوا في أمان من عذاب الاستئصال بسبب وجوده صلى الله عليه وسلم.
يقول الإمام ابن كثير في تفسيره: وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ يخبر تعالى أن الله جعل محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، أي: أرسله رحمة لهم، فمن قبل هذه الرحمة وشكر هذه النعمة سعد في الدنيا والآخرة، ومن ردها وجحدها خسر في الدنيا والآخرة <تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ج: 5، ص: 367، طبعة دار طيبة، الرياض>.
• وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران، رقم: 159].
ففي هذه الآية بيان أن لين النبي صلى الله عليه وسلم ورحمته بأصحابه كانت سببًا في اجتماعهم حوله وعدم تفرقهم عنه، ولو كان فظًا غليظ القلب لانفضوا من حوله، فكانت الرحمة منهجًا للدعوة والاجتماع.
• وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة، رقم: 128].
فجمع الله تعالى في هذه الآية بين وصفه صلى الله عليه وسلم بالرأفة والرحمة، وهو من المبالغة في إثبات هذا الخلق له عليه الصلاة والسلام.
يقول الإمام السعدي رحمه الله في تفسيره: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي: يشق عليه الأمر الذي يشق عليكم، ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: على هدايتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم، ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي: شديد الرأفة والرحمة بهم، أرحم بهم من والديهم، ولهذا كان حقه مقدمًا على حق الوالدين، وهو صلى الله عليه وسلم قد أدى من الشفقة والنصح لأمته على أكمل وجه <تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص: 344، طبعة مؤسسة الرسالة>.
• وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم، رقم: 4].
وقد فسر ابن عباس رضي الله عنهما الخلق العظيم بأنه الدين العظيم، وقالت عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن خلقه صلى الله عليه وسلم: «كان خلقه القرآن» <رواه مسلم>.
● ثالثًا: سر شمول الرحمة النبوية
قد يتساءل المرء: ما السر في أن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم كانت بهذه الشمولية والاتساع حتى شملت الحيوان والجماد؟
والجواب من وجوه:
• الوجه الأول: أن الله تعالى هو الذي وهبه هذا القلب الرحيم، وصبغه بهذه الصبغة الربانية، فهو صلى الله عليه وسلم مجبول على الرحمة منذ نشأته، وقد أثنى الله عليه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم، رقم: 4].
• الوجه الثاني: أن اتصاله الدائم بربه تعالى، وكثرة عبادته وذكره، جعلت قلبه رقيقًا لينًا، متأثرًا بمعاني الأسماء الحسنى، فمن كان عبدًا للرحمن حق العبودية، كان حظه من الرحمة أوفر.
• الوجه الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل لهداية الخلق أجمعين، والهادي لا بد أن يكون رحيمًا بالمهديين، فقد جعل الله الدعوة مبنية على الرحمة لا على القسوة، فقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل، رقم: 125].
• الوجه الرابع: أن الرحمة ثمرة العلم بالله، فمن عرف الله حق معرفته، وعرف قدرة العباد وضعفهم، كان أرحم بهم، وقد كان صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بالله وأخشاهم له، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر، رقم: 28].
⚫ العنصر الثاني: رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته
● أولًا: حرصه صلى الله عليه وسلم على هداية أمته وسلامتها
من أعظم مظاهر رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته حرصه الشديد على هدايتها، وشفقته عليها من العذاب، فقد كان صلى الله عليه وسلم كثير البكاء والدعاء لأمته، ومن ذلك:
• عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم، رقم: 36]، وقال عيسى عليه السلام: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة، رقم: 118]، فرفع يديه وقال: «اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي» وبكى! فقال الله عز وجل: «يا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ -وَرَبُّكَ أَعْلَمُ- فَسَلْهُ: مَا يُبْكِيكَ؟!» فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام، فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال -وهو أعلم-، فقال الله: «يا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ، وَلَا نَسُوءُكَ» <رواه مسلم>.
فتأملوا -عباد الله- هذا الموقف العظيم، موقف النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي لأمته، ويشفق عليها، حتى قال له ربه: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك، فما أعظمها من رحمة، وما أكرمه من نبي، وما أشده من حرص على أمته.
• وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ أُمَّتِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَتِ الدَّوَابُّ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهِ، فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهِ» <رواه مسلم>.
فشبه صلى الله عليه وسلم نفسه برجل يستنقذ قومه من النار، وهم يتهافتون فيها، فأي رحمة فوق هذه الرحمة؟ وأي شفقة تعدل هذه الشفقة؟
• وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ نَائِلَةٌ – إِنْ شَاءَ اللهُ – مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا» <متفق عليه>.
فهو صلى الله عليه وسلم لم يستعمل دعوته المستجابة في الدنيا لنفع نفسه أو أهله، بل ادخرها شفاعة لأمته يوم القيامة، وهذا أبلغ ما يكون من الرحمة.
● ثانيًا: رحمته صلى الله عليه وسلم بأمته في التشريع والتخفيف
لم تكن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته مجرد مشاعر قلبية، بل تجسدت في التشريعات التي جاء بها، فكانت شريعته كلها رحمة، ومن مظاهر ذلك:
• التخفيف والتيسير: فقد جاءت شريعته صلى الله عليه وسلم مبنية على التخفيف والتيسير، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة، رقم: 185]، وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج، رقم: 78].
وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» <رواه أحمد>.
• مراعاة المشقة: فقد راعت شريعته صلى الله عليه وسلم حالات المشقة والضعف، فخففت عن المريض والمسافر والشيخ الكبير والمرأة الحامل والمرضع، فشرعت الرخص المناسبة لكل حالة.
فقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء، رقم: 43].
• تركه بعض النوافل خشية الفرض على الأمة: لقد كان صلى الله عليه وسلم يترك بعض الأعمال الصالحة -وهو يحبها- خشية أن تفرض على أمته فتشق عليها، وهذا من تمام رحمته وشفقته.
ففي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: «إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ» <رواه البخاري>.
ومن أمثلة ذلك:
• تركه قيام رمضان جماعة بعدما صلى بهم ليلتين أو ثلاثًا؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي – أَوْ عَلَى النَّاسِ – لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ» <متفق عليه>.
• وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ» <رواه الترمذي وقال: حسن صحيح>.
• وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ فِي يَدِهِ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَكِنْ لَا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلَهُمْ، وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً فَيَتَّبِعُونِي، وَلَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَقْعُدُوا بَعْدِي» <متفق عليه>.
• النهي عن التشدد والغلو: فقد نهى صلى الله عليه وسلم أمته عن التشدد والغلو، لما فيهما من المشقة على النفوس، وعنادًا لرحمة الله الواسعة.
فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» قَالَهَا ثَلَاثًا <رواه مسلم>. والمتنطعون: المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم.
• الترخيص بالرخص: فقد كان صلى الله عليه وسلم يأخذ بالرخص في حالات العذر، ويعلم أمته ذلك، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ، فَقَالَ: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ» <رواه مسلم>.
فقوله: «أولئك العصاة» لأنهم خالفوا الرخصة، وآثروا المشقة على التيسير، وهو من العصيان للأمر بالتخفيف.
● ثالثًا: رحمته صلى الله عليه وسلم بجهال الأمة وعصاتها
من تمام رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته أنه كان يعامل العصاة والمذنبين بمنهج الرحمة والرفق، لا بمنهج القسوة والعنف، فكان يلتمس لهم الأعذار، ويسعى في هدايتهم، ويستر عليهم زلاتهم.
• قصة الأعرابي الذي بال في المسجد:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَهْ مَهْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تُزْرِمُوهُ، دَعُوهُ» فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ» أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: فَأَمَرَ رَجُلًا مِنَ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ <متفق عليه>.
فتأملوا -رحمني الله وإياكم- كيف قابل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الجهل بالحلم والرفق، ولم يعنف الأعرابي، بل علمه بلطف وأمر بصب الماء على مكان البول، ولم يقطع عليه بوله ولا زجره، وهذا درس عظيم للمعلمين والدعاة في رحمة الجاهل وعدم معاقبته على جهله.
• قصة الشاب الذي استأذن في الزنا:
عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا! فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ مَهْ، فَقَالَ: «ادْنُهْ» فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا، قَالَ: فَجَلَسَ، قَالَ: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟» قَالَ: لَا وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟» قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟» قَالَ: لَا وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟» قَالَ: لَا وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟» قَالَ: لَا وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ»، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ» فَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ <رواه أحمد>.
فهذا الموقف يجسد أبلغ صور الرحمة النبوية في التعامل مع العصاة، حيث لم يزجر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الشاب، ولم يوبخه، بل استخدم معه أسلوب الإقناع العقلي والوجداني، مستحضرًا مشاعر الفطرة السليمة فيه، ثم ختم ذلك بالدعاء له بالمغفرة والطهارة، فكانت النتيجة أن انقلب الشاب إلى الاستقامة والصلاح.
• قصته مع ماعز بن مالك:
عندما جاء ماعز بن مالك رضي الله عنه معترفًا بالزنا طالبًا التطهير، حاول النبي صلى الله عليه وسلم أن يصرف نظره ويستره، فقال له: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ» <رواه البخاري>. وهذا من رحمته صلى الله عليه وسلم ورغبته في ستر العباد وعدم فضحهم.
• ستر العيوب وعدم التجسس:
ومن رحمته صلى الله عليه وسلم بأمته أمره بستر المسلم وعدم التجسس عليه، فعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَشَفَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ كَشَفَ اللهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ بِهَا فِي بَيْتِهِ» <رواه ابن ماجه>.
● رابعًا: رحمته صلى الله عليه وسلم بضعفاء أمته
كان صلى الله عليه وسلم شديد العناية بضعفاء الأمة، من الخدم والأرقاء واليتامى والأرامل والمساكين، وكان يحث أصحابه على رعايتهم والإحسان إليهم.
• رحمته بالخدم:
لقد عاشت البشرية قرونًا طويلة من ظلم الخدم والأرقاء، حتى جاء الإسلام فجعل لهم حقوقًا، وأوصى بهم النبي صلى الله عليه وسلم خيرًا، وجعل الإحسان إليهم من موجبات النجاة.
فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هُمْ إِخْوَانُكُمْ جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» <متفق عليه>.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا جَاءَ خَادِمُ أَحَدِكُمْ بِطَعَامِهِ فَلْيُقْعِدْهُ مَعَهُ أَوْ لِيُنَاوِلْهُ مِنْهُ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي وَلِيَ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ» <رواه ابن ماجة وأصله في مسلم>.
• رحمته باليتامى:
كان صلى الله عليه وسلم يولي اليتامى عناية خاصة، فقد نشأ هو نفسه يتيمًا، فذاق مرارة اليتم، فكان أرحم الناس باليتامى، وحث أمته على كفالتهم والعطف عليهم.
فعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى» <رواه البخاري>.
وقد حث الإسلام على الإحسان إلى اليتامى والمساكين، وجعل ذلك من أمارات الصدق والإيمان، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [النساء، رقم: 36].
• رحمته بالأرامل والمساكين:
كان صلى الله عليه وسلم يحث على السعي على الأرامل والمساكين، ويجعل ذلك في منزلة المجاهد في سبيل الله.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ – وَأَحْسَبُهُ قَالَ: – وَكَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ» <متفق عليه>.
• اهتمامه بالفقراء وعامة الناس:
وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الضعفاء سببًا من أسباب النصر والرزق للأمة، فقال: «أَبْغُونِي الضُّعَفَاءَ؛ فَإِنَّمَا تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ بِضُعَفَائِكُمْ» <رواه أبو داود والترمذي والنسائي>.
وبلغ من اهتمامه صلى الله عليه وسلم بالضعفاء أنه ربى أصحابه على توقيرهم واحترامهم مهما كانت منزلتهم الاجتماعية، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه: أن رجلًا مر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس، فقال لرجل عنده: «مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟» قال: يا رسول الله، هذا من أشراف أهل المدينة، هذا حري إن خطب يُخطب، وإن تكلم يُسمع، وإن شفع يُشفع، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم مر رجل آخر، فقال للرجل نفسه: «فَمَاذَا تَقُولُ لِهَذَا الرَّجُلِ؟» قال: يا رسول الله، هذا من فقراء الأنصار، هذا لا حسب ولا نسب، هذا حري إن خطب ما يُخطب، وإن تكلم ما يُسمع، وإن شفع ما يُشفع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِنْ مِثْلِ هَذَا» <رواه البخاري>.
● خامسًا: رحمته صلى الله عليه وسلم بالضعفاء في الحرب والقتال
إن من أبرز صور الرحمة النبوية أنها لم تكن مقصورة على حال السلم، بل امتدت إلى حال الحرب والقتال، فقد وضع صلى الله عليه وسلم قواعد رحيمة للحرب لم تعرفها البشرية من قبل، ومن ذلك:
• نهيه عن قتل النساء والصبيان والرهبان:
فعن ابن عمر رضي الله عنهما: «أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَقْتُولَةً، فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ» <رواه البخاري ومسلم>.
• وصاياه للجيوش:
كان صلى الله عليه وسلم يوصي الجيوش بالرحمة والعدل وعدم التمثيل والغدر، فعن بريدة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: «اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا كَبِيرًا فَانِيًا، وَلَا مُنْعَزِلًا بِصَوْمَعَةٍ» <أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، وأبو داود، والترمذي، والبيهقي>.
• نهيه عن تعذيب الأسرى:
وقد كان صلى الله عليه وسلم يحسن إلى الأسرى ويوصي أصحابه بهم خيرًا، فعن أبي عزيز بن عمير رضي الله عنه قال: كنت في الأسرى يوم بدر، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: «اسْتَوْصُوا بِالْأُسَارَى خَيْرًا» <رواه الطبراني>.
وهكذا، فإن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته شملت جميع جوانب الحياة، من التشريع والتيسير، إلى معاملة العصاة والضعفاء، إلى الحرب والقتال، وهو ما يجعلنا ندرك عظمة هذا الدين الذي جاء به صلى الله عليه وسلم.
⚫ العنصر الثالث: رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بفئات المجتمع الخاصة
● أولًا: رحمته صلى الله عليه وسلم بالأطفال
كان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الرحمة بالأطفال، يعطف عليهم ويقبلهم ويضمهم، وكان كالوالد لهم في حنانه ورفقه، وقد عرف الصحابة هذه الشمائل عنه، فكانوا يتعجبون من حبه للأطفال ورحمته بهم.
• تقبيله للأطفال:
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرآه يقبل الحسن بن علي رضي الله عنهما، فتعجب الأعرابي وقال: «أَتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ؟ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ» فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم قائلًا: «أَوَ أَمْلِكُ أَنْ نَزَعَ اللهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ؟» <متفق عليه>.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم» <رواه مسلم>.
• صبره عليهم :
عن عائشة رضي الله عنها قالت: «أُتِيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِصَبِيٍّ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ» <رواه البخاري>.
فلم يغضب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يزجر الصبي، بل دعا بماء وصبه على موضع البول، وهذا من كمال حلمه ورحمته.
• تخفيف الصلاة لبكاء الأطفال:
عن أبي قتادة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي، كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» <رواه البخاري ومسلم>.
فكان صلى الله عليه وسلم يخفف الصلاة إذا سمع بكاء طفل، مراعاة لمشاعر أمه، حتى لا تشق عليها الصلاة.
• حزنه على فقد الأطفال:
عندما مات حفيده صلى الله عليه وسلم إبراهيم، فاضت عيناه بالدموع، فقال سعد بن عبادة رضي الله عنه: «يَا رَسُولَ اللهِ مَا هَذَا؟» فقال: «هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» <متفق عليه>.
• ملاطفته للأطفال:
كان صلى الله عليه وسلم يلاطف الأطفال ويلاعبهم، ويسلم عليهم في الطرقات، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَمُرُّ بِالصِّبْيَانِ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ» <متفق عليه>.
وعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَقْبَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَعْثُرَانِ وَيَقُومَانِ، فَنَزَلَ فَأَخَذَهُمَا، فَصَعِدَ بِهِمَا الْمِنْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللهُ: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن، رقم: 15]، رَأَيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أَصْبِرْ، ثُمَّ أَخَذَ فِي الْخُطْبَةِ» <رواه أبو داود والترمذي والنسائي>.
قال ابن القيم رحمه الله معلقًا على هذا الحديث: نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما، وهذا من كمال رحمته ولطفه بالصغار وشفقته عليهم، وهو تعليم منه للأمة الرحمة والشفقة واللطف بالصغار <زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن قيم الجوزية، ج: 1، ص: 355، طبعة مؤسسة الرسالة>.
● ثانيًا: رحمته صلى الله عليه وسلم بالنساء
كانت المرأة في الجاهلية مهانة، تعامل معاملة الأموال، وتورث كما يورث المتاع، فلما جاء الإسلام أعاد إليها كرامتها، ورفع شأنها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أرحم الناس بالنساء وأرفقهم بهن.
• وصيته بهن خيرًا:
قال صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا؛ فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ» <رواه الترمذي وابن ماجه>.
• اهتمامه بشؤونهن:
كان صلى الله عليه وسلم يهتم بأمور النساء، ويخصص لهن وقتًا لأسئلتهن وحوائجهن، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ، فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْمًا نَأْتِيكَ فِيهِ، فَقَالَ: «اجْتَمِعْنَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا» فَاجْتَمَعْنَ فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ» <متفق عليه>.
• رفقه بأزواجه:
كان صلى الله عليه وسلم أرفق الناس بأزواجه، يساعدهن في أمور البيت، ويتلطف بهن، فعن الأسود بن يزيد قال: سُئِلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: مَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: «كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ – تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ – فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ» <رواه البخاري>.
• مساعدته للنساء في ركوب الدواب:
كان صلى الله عليه وسلم يتلطف مع نسائه حتى في أدق الأمور، فكان عندما تأتيه ابنته فاطمة رضي الله عنها يأخذ بيدها ويقبلها، ويجلسها في مكانه الذي يجلس فيه.
وكان يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رضي الله عنها رجلها على ركبته حتى تركب البعير.
• رد اعتبار المرأة في المجتمع:
لقد رفع الإسلام شأن المرأة، ومنحها حقوقها كاملة، فجعل لها حق التعليم، وحق الميراث، وحق التملك، وحق اختيار الزوج، وحق الطلاق عند الضرر، ومنع وأدها، وحرّم وأد البنات، وذم من كره البنات، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل، رقم: 58].
وقال صلى الله عليه وسلم في فضل إكرام البنات: «مَنْ وَلِيَ مِنَ الْبَنَاتِ شَيْئًا فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ» <متفق عليه>.
● ثالثًا: رحمته صلى الله عليه وسلم بالضعفاء والمحتاجين
• رحمته بالخدم:
لقد كانت وصية النبي صلى الله عليه وسلم بالخدم عظيمة، فجعلهم إخوة، وأمر بالإحسان إليهم، وعدم تكليفهم ما لا يطيقون.
فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هُمْ إِخْوَانُكُمْ جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» <متفق عليه>.
• رحمته بالغرباء:
كان صلى الله عليه وسلم يراعي مشاعر الغرباء والبعداء عن أهلهم، ويعطف عليهم، فعن أبي سليمان مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: «أَتَيْنَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، فَظَنَّ أَنَّا اشْتَقْنَا أَهْلَنَا، وَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا فِي أَهْلِنَا فَأَخْبَرْنَاهُ، وَكَانَ رَفِيقًا رَحِيمًا، فَقَالَ: ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ، وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» <متفق عليه>.
• رحمته بالغارمين (المدينين):
كان صلى الله عليه وسلم يعطف على المدينين، ويسعى في قضاء ديونهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» <رواه مسلم>.
● رابعًا: رحمته صلى الله عليه وسلم بالبشر عامة (المسلمين وغير المسلمين)
• رحمته بالكافر الداعي إلى الهداية:
كان صلى الله عليه وسلم حريصًا على هداية الكفار، يشفق عليهم من النار، ويتمنى لهم الخير، ومن ذلك قصته مع الغلام اليهودي الذي كان يخدمه:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ» <رواه البخاري>.
• عفوه عن أهل مكة:
يوم فتح مكة، وقد أُخرج النبي صلى الله عليه وسلم منها، وأوذي فيها، وقاتل أهلها، جمعهم وقال لهم: «مَا تَظُنُّونَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟» قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: «فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ» <ذكره ابن هشام في سيرته>.
• رحمته بالمعاهدين:
كان صلى الله عليه وسلم يوصي بالمعاهدين خيرًا، وينهى عن ظلمهم، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا» <رواه البخاري>.
• جاء في البخاري من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قَالَ كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَاعِدَيْنِ بِالْقَادِسِيَّةِ, فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ, فَقَامَا, فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ – أَيْ: مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ – فَقَالَا: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ, فَقَامَ, فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ, فَقَالَ: أَلَيْسَتْ نَفْسًا.
وروى الإمام البخاري – رحمه الله – في صحيحه أيضًا من حديث أَنَسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَرِضَ, فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ, فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ, فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ, فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ – وَهُوَ عِنْدَهُ – فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَسْلَمَ, فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ.
• قصة ثمامة بن أثال:
من أعظم القصص التي تجسد رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالأعداء قصة ثمامة بن أثال رضي الله عنه، عندما أسره المسلمون وأتوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فربطوه بسارية من سواري المسجد، ومكث على تلك الحال ثلاثة أيام وهو يرى المجتمع المسلم عن قرب، حتى دخل الإيمان قلبه، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإطلاقه، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، يَا مُحَمَّدُ: وَاللهِ مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَيَّ» <متفق عليه>.
فهذه القصة تبين كيف كانت رحمة النبي صلى الله عليه وسلم سببًا في دخول ثمامة رضي الله عنه في الإسلام، حيث رأى المجتمع الإسلامي عن قرب، وذاق حلاوة المعاملة الطيبة، فانشرح صدره للإسلام.
• موقفه من أهل الطائف:
عندما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يدعوهم إلى الله تعالى، قابلوه بالسخرية والاستهزاء، وأغروا سفهاءهم فقذفوه بالحجارة حتى أدموا قدميه، فنزل إليه ملك الجبال يستأذنه أن يطبق عليهم الأخشبين، فأبى صلى الله عليه وسلم وقال: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» <متفق عليه>.
قال ابن حجر رحمه الله: في هذا الحديث بيان شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على قومه، ومزيد صبره وحلمه، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران، رقم: 159]، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء، رقم: 107] <فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، ج: 6، ص: 326، طبعة دار المعرفة>.
⚫ العنصر الرابع: رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالحيوان والجماد
● أولًا: رحمته صلى الله عليه وسلم بالحيوان
من عظمة رحمة النبي صلى الله عليه وسلم أنها تجاوزت البشر إلى الحيوان، فكان يوصي بالرفق به، والنهي عن تعذيبه، بل وصلت رحمته إلى الجماد.
• نهيه عن تعذيب الحيوان:
لقد حرم الإسلام تعذيب الحيوان، ولعن من فعل ذلك، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «مَرَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى حِمَارٍ قَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: لَعَنَ اللهُ الَّذِي وَسَمَهُ» <رواه مسلم>.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الضَّرْبِ فِي الْوَجْهِ، وَعَنِ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ» <رواه مسلم>.
• نهيه عن اتخاذ الحيوان غرضًا للرمي:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ تَصْبِيرِ الْبَهَائِمِ» <متفق عليه>. وتصبِير البهائم: حبسها لتُرمى حتى تموت.
• نهيه عن تفجيع الطيور في أولادها:
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ، فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تُفَرِّشُ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَنْ فَجَّعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا. وَرَأَى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا، فَقَالَ: مَنْ حَرَّقَ هَذِهِ؟ قُلْنَا: نَحْنُ، قَالَ: إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ!» <رواه أبو داود>.
• الإحسان في الذبح:
عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» <رواه مسلم>.
• قصة الجمل الذي شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم:
عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: «أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَلْفَهُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِحَاجَتِهِ هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ، فَدَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَتَ، فَقَالَ: مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ؟ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: أَفَلَا تَتَّقِي اللهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللهُ إِيَّاهَا؛ فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ» <رواه أبو داود>.
فانظروا -عباد الله- إلى هذه الرحمة العظيمة، كيف شملت حتى الحيوان الذي لا يعقل، وما ذلك إلا لأن الرحمة في قلبه صلى الله عليه وسلم كانت شاملة لكل مخلوق.
• أمره بمراعاة الدواب في السفر:
كان صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه بمراعاة الدواب في السفر، وعدم تحميلها ما لا تطيق، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ فَأَعْطُوا الْإِبِلَ حَظَّهَا مِنَ الْأَرْضِ، وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَةِ فَأَسْرِعُوا عَلَيْهَا السَّيْرَ، وَإِذَا عَرَّسْتُمْ بِاللَّيْلِ فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ، فَإِنَّهَا طُرُقُ الدَّوَابِّ وَمَأْوَى الْهَوَامِّ بِاللَّيْلِ» <رواه مسلم>.
• قصة المرأة التي حبست الهرة:
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا سَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» <متفق عليه>.
• قصة المرأة البغي التي سقت الكلب:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ، فَغُفِرَ لَهَا بِهِ» <متفق عليه>.
• نهيه عن قتل العصفور عبثًا:
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا عَجَّ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ: يَا رَبِّ، إِنَّ فُلَانًا قَتَلَنِي عَبَثًا، وَلَمْ يَقْتُلْنِي لِمَنْفَعَةٍ» <أخرجه النسائي، وأحمد، وابن حبان>.
● ثانيًا: رحمته صلى الله عليه وسلم بالجماد
إذا كانت رحمة النبي صلى الله عليه وسلم شملت الحيوان، فإنها امتدت إلى الجماد أيضًا، ومن أعجب ذلك حادثة حنين الجذع.
فقد روى البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى شَجَرَةٍ – أَوْ نَخْلَةٍ – فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ – أَوْ رَجُلٌ -: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نَجْعَلُ لَكَ مِنْبَرًا؟ قَالَ: إِنْ شِئْتُمْ، فَجَعَلُوا لَهُ مِنْبَرًا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ دُفِعَ إِلَى الْمِنْبَرِ، فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ صِيَاحَ الصَّبِيِّ، ثُمَّ نَزَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَضَمَّهُ إِلَيْهِ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّنُ، قَالَ: كَانَتْ تَبْكِي عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ عِنْدَهَا» <رواه البخاري>.
فتأملوا -عباد الله- هذا المشهد العجيب: نخلة تحن إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتصيح صياح الصبي، فينزل من منبره ويضمها إليه، وهو أرحم الخلق بالجماد! وما ذلك إلا من تمام رحمته وعظيم شفقته التي وسعت كل شيء.
⚫ العنصر الخامس: رحمة النبي صلى الله عليه وسلم وضوابطها الشرعية
قد يتوهم بعض الناس أن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم كانت مطلقة بلا ضوابط، وأنها تعني ترك الحدود، والتفريط في الأحكام، وهذا فهم خاطئ لرحمة النبي صلى الله عليه وسلم، فالرحمة النبوية كانت منضبطة بضوابط شرعية دقيقة.
● أولًا: الرحمة لا تعني تعطيل الحدود
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم رحيمًا، لكن رحمته لم تمنعه من إقامة حدود الله تعالى، فقد أقام حد الرجم على ماعز والغامدية، وأقام حد الشرب على بعض أصحابه، وأقام حد السرقة على امرأة مخزومية، وقال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» <متفق عليه>.
فالرحمة الحقيقية تقتضي إقامة الحدود، لأن في إقامتها رحمة بالمجتمع كله، وردعًا لأهل الجرائم، وحفاظًا على الحقوق.
● ثانيًا: الرحمة لا تعني ترك الجهاد والقتال
كان النبي صلى الله عليه وسلم رحيمًا، لكنه لم يكن مستكينًا، بل قاتل أعداء الله، وقاد الغزوات بنفسه، وأرسل السرايا، وضرب بسيفه في سبيل الله، وجاهد حتى أظهر الله دينه.
فالجهاد رحمة في الحقيقة، لأنه يحفظ الدين، ويحمي المقدسات، ويردع المعتدين، وينشر العدل والسلام.
● ثالثًا: الرحمة لا تعني ترك النصيحة والإنكار
كان النبي صلى الله عليه وسلم رحيمًا، لكنه كان ينكر المنكر، وينصح العاصي، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، لأن من تمام الرحمة أن تنصح أخاك وترشده إلى الخير، وتحذره من الشر.
● رابعًا: الجمع بين الرحمة والحزم
إن من عظمة شخصية النبي صلى الله عليه وسلم أنه جمع بين الرحمة والحزم في آن واحد، فكان يلين في موضع اللين، ويشتد في موضع الشدة، وهذا هو التوازن الذي غرسه في أتباعه.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللهِ، فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ» <متفق عليه>.
فهذا الحديث يجسد التوازن النبوي بين الرحمة والغيرة على محارم الله، فإذا انتهكت حرمة الله غضب وانتقم لله، وأما لنفسه فكان أعظم الناس حلماً وعفواً.
⚫ العنصر السادس: الرحمة النبوية وأثرها في بناء الحضارة الإسلامية
إن من أعظم آثار رحمة النبي صلى الله عليه وسلم أنها كانت الأساس الذي قامت عليه الحضارة الإسلامية، فبالرحمة بنى مجتمعًا متماسكًا، وأقام حضارة عريقة، وربى جيلًا من القادة والعلماء والدعاة.
● أولًا: الرحمة أصل في الدعوة إلى الله
لقد كانت الرحمة هي المنهج الأساس في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، فما دعا أحدًا بالعنف، ولا كره أحدًا على الإسلام، بل كان يتلطف في القول، ويحسن العرض، ويصبر على الأذى، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران، رقم: 159].
● ثانيًا: الرحمة أصل في التعايش
لقد جعل الإسلام الرحمة أساسًا للتعايش بين الناس، فأمر بالعدل مع غير المسلمين، وحسن الجوار، وعدم الظلم، ومنع الغدر والخيانة، قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة، رقم: 8].
● ثالثًا: الرحمة أصل في بناء المجتمع
قامت الحضارة الإسلامية على التكافل الاجتماعي، والإحسان إلى الضعفاء، ورعاية الأيتام، والرفق بالخدم، والعدل بين الناس، وكل هذه قيم نبوية أصيلة.
● رابعًا: الرحمة أصل في التربية والتوجيه
كانت الرحمة هي المنهج التربوي للنبي صلى الله عليه وسلم، فكان يراعي قدرات أصحابه، ويرفق بمشاعرهم، ويشرح لهم ما أشكل عليهم بلطف، فعن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: «بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟! فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» <رواه مسلم>.
● خامسًا: الرحمة ثمرة الإيمان العميق
إن الرحمة ليست مجرد سلوك يكتسب، بل هي ثمرة إيمان عميق بالله تعالى، واتباع صادق لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولذلك ربط النبي صلى الله عليه وسلم بين الرحمة والإيمان، فقال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» <متفق عليه>.
⚫ العنصر السابع: حاجة الأمة إلى التخلق بخلق الرحمة
● أولًا: واقع الأمة وحاجتها إلى الرحمة
تعيش الأمة اليوم أزمات متعددة، وفتنًا متتابعة، وقلوبًا قاسية، وتنازعًا وتفرقًا، وإن من أعظم ما تحتاجه الأمة في هذا الزمان أن تتخلق بخلق الرحمة، فالرحمة هي التي تلم الشمل، وتوحد الصفوف، وتجمع القلوب.
فإن القسوة إذا انتشرت في مجتمع، فقد ذلك المجتمع معاني الحب والألفة، وسادت فيه الأنانية والجفاء، ومن هنا كانت الحاجة ماسة إلى إحياء خلق الرحمة في النفوس.
● ثانيًا: الرحمة طريق إلى رحمة الله تعالى
لقد جعل الله تعالى الرحمة سببًا لرحمته، فمن رحم عباد الله رحمه الله، ومن عطف على خلقه عطف الله عليه.
فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» <رواه أبو داود والترمذي>.
● ثالثًا: الرحمة طريق إلى الجنة
جعل النبي صلى الله عليه وسلم الرحمة سببًا لدخول الجنة، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْكُمْ إِلَّا رَحِيمٌ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كُلُّنَا رَحِيمٌ، قَالَ: «لَيْسَ رَحْمَةُ أَحَدِكُمْ نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ حَتَّى يَرْحَمَ النَّاسَ» <رواه الطبراني>.
● رابعًا: الأسباب المعينة على التخلق بخلق الرحمة
• السبب الأول: تلاوة القرآن وتدبره:
من أعظم الأسباب التي تعين على الرحمة: تلاوة كتاب الله تعالى وتدبره، فالقرآن الكريم مليء بالآيات التي ترقق القلب، وتستنهض المشاعر الرحيمة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزمر، رقم: 23].
• السبب الثاني: تذكر مشاهد الآخرة:
إن تذكر الآخرة، والوقوف بين يدي الله تعالى، ورؤية مشاهد القيامة، وأحوال الناس فيها، كل ذلك يرقق القلب، ويحرك مشاعر الرحمة.
• السبب الثالث: قراءة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسير السلف الصالح:
فإن في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسير الصحابة والتابعين والسلف الصالح صورًا رائعة للرحمة، تبعث في النفس الهمة للاقتداء بهم.
• السبب الرابع: معاشرة الرحماء:
فإن مصاحبة أهل الرحمة تورث الرحمة، والصحبة تؤثر في الطباع، قال صلى الله عليه وسلم: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» <رواه أبو داود والترمذي>.
• السبب الخامس: مخالطة الضعفاء والمساكين:
فإن مخالطة الضعفاء والمساكين تورث الرقة والعطف والرحمة، بينما الانعزال عنهم يورث القسوة والجفاء.
• السبب السادس: استشعار منة الله عليه:
فمن استشعر رحمة الله به، وعفوه عنه، وتجاوزه عن ذنوبه، كان ذلك دافعًا له ليرحم غيره، ويعفو عن المسيء إليه.
⚫ العنصر الثامن: من الثمار العملية للرحمة النبوية
● أولًا: الرحمة تفتح مغاليق القلوب
لقد جرب العلماء والدعاة أن الرحمة والرفق هما أسرع طريق إلى القلوب، فالقلب يقبل بالرفق ولا يقبل بالعنف، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» <رواه مسلم>.
● ثانيًا: الرحمة تصنع النجاح الدعوي
لو تأملنا تاريخ الدعوة الإسلامية، لوجدنا أن انتشار الإسلام في كثير من البلاد كان بفضل الرحمة والرفق وحسن المعاملة من التجار والدعاة المسلمين، أكثر منه بفضل الفتوحات العسكرية.
● ثالثًا: الرحمة تصنع القدوة الحسنة
إن المتحلي بالرحمة يتحول إلى قدوة حسنة لغيره، فيقتدي به الناس في رحمته ورفقه، وهذا من أعظم الثمار، فإن المرء إذا رأى أثر الرحمة في شخص، أحب أن يتخلق بها.
● رابعًا: الرحمة تفكك عقدة القسوة
كثير من الناس اليوم يعانون من قسوة القلب وجفاء الطبع، والرحمة هي العلاج الأمثل لهذه الحالة، فمتى مارس الإنسان الرحمة، ولو تكلفًا في البداية، تحولت إلى سجية وطبع، فإن الخلق الحسن يمكن اكتسابه بالتعود والمران.
⚫ الخاتمة .
أيها الإخوة المؤمنون:
لقد وقفنا في هذا البحث مع خلق عظيم من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، وهو خلق الرحمة، ورأينا كيف أن هذا الخلق تجسد في شخصيته صلى الله عليه وسلم بأبهى صوره وأكملها، فكان رحمة للعالمين، ورأفة للمؤمنين، وعطفًا على الضعفاء، وشفقة على الأعداء.
لقد شملت رحمته صلى الله عليه وسلم كل شيء: البشر والحيوان والجماد، وشملت التشريع والتربية والدعوة والجهاد، فكانت رحمته منضبطة بضوابط الشرع، لا إفراط فيها ولا تفريط، وكانت رحمته سببًا في بناء حضارة عظيمة، وجيل فريد من القادة والعلماء والدعاة.
وإن حاجتنا اليوم إلى التخلق بخلق الرحمة أعظم من أي وقت مضى، فالرحمة هي التي تلم الشمل، وتجمع القلوب، وتوحد الصفوف، وتفتح مغاليق القلوب، وهي طريق إلى رحمة الله تعالى، وسبيل إلى دخول الجنة.
وقد علمنا أن الرحمة النبوية لم تكن فوضى عاطفية، ولا لينًا بلا ضوابط، بل كانت رحمة منضبطة بأحكام الشريعة، مقيدة بحدود الله تعالى، تجمع بين الرفق والحزم، وبين العفو والعقاب، وبين اللين والشدة، كل ذلك في موضعه المناسب، ووفق ميزان الشرع الحكيم.
فيا أيها الإخوة المؤمنون:
إن الأمة اليوم وهي تعاني من التفرق والتنازع، ومن القسوة والجفاء، ومن الظلم والعدوان، لأحوج ما تكون إلى استلهام هذا الخلق النبوي العظيم، وإحيائه في واقعها المعاصر، فالرحمة هي الدواء الناجع لعلل القلوب، وهي البلسم الشافي لجراح المجتمعات، وهي المفتاح الذي تفتح به مغاليق النفوس، وهي السبيل إلى تأليف القلوب وتوحيد الصفوف.
فلنجعل من سيرة نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم منهجًا لحياتنا، ولنجعل من رحمته قائدًا لأخلاقنا، ولنرحم أنفسنا بالتزام شرع الله، ولنرحم أبناءنا بحسن التربية، ولنرحم نساءنا بحسن العشرة، ولنرحم جيراننا بحسن الجوار، ولنرحم الضعفاء بكفالتهم، ولنرحم الفقراء بالإحسان إليهم، ولنرحم العصاة بالنصح والستر والدعاء، ولنرحم الحيوان بعدم تعذيبه، ولنرحم الجماد بعدم إفساده.
فمن رحم عباد الله رحمه الله، ومن رحم من في الأرض رحمه من في السماء، ومن أراد أن تناله رحمة الله الواسعة، فليكن رحيمًا بخلق الله، فإن الجزاء من جنس العمل، والرحمة تدور حيث دارت الرحمة.
⚫ 🤲 الدعاء 🤲
نسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يملأ قلوبنا رحمة ورأفة، وأن يجعلنا من عبادك الرحماء، وأن يرزقنا الاقتداء بسيد الراحمين، وأن يجمعنا وإياكم معه في مستقر رحمته، وأن يظلنا تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله،
اللهم يا رحمن يا رحيم، يا من وسعت رحمتك كل شيء، ويا من كتبت على نفسك الرحمة، ويا من أنت أرحم بنا من أمهاتنا وآبائنا، نَسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لنا ذنوبنا، وأن تستر عيوبنا، وأن تقضي حوائجنا، وأن تفرج كروبنا، وأن تنفس همومنا، وأن تُذهب أحزاننا، وأن تُبدل سيئاتنا حسنات، وأن تختم لنا بخاتمة الخير والسعادة، يا أرحم الراحمين.
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من أهل الرحمة، الذين يرحمون عبادك، ويشفقون على خلقك، ويعطفون على الضعفاء، ويكفكون عن الأذى، ويمدون يد العون للمحتاج، ويبذلون الخير للفقير، ويسترون على المذنب، ويدعون للعاصي بالهداية، ويحسنون إلى الجار، ويرفقون بالخادم، ويعطفون على اليتيم، ويواسون الأرملة، ويطعمون المسكين، ويرحمون حتى البهيمة العجماء، ويشفقون على كل ذي كبد رطبة، يا أرحم الراحمين.
اللهم يا من أرسلت نبيك محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، اجعلنا من الذين تمسكوا بسنته، واقتفوا أثره، وتخلقوا بأخلاقه، وساروا على نهجه، وترسموا هديه، فكانوا رحمة بين الناس، ونورًا يهتدى به، وخيرًا يسعى في الأرض، وبركة تحل على العباد، يا واسع الرحمة، يا عظيم العطاء.
اللهم ارحمنا برحمتك الواسعة، واعطف علينا بلطفك الخفي، وتجاوز عنا بحلمك العظيم، واعف عنا بكرمك الواسع، واشملنا بعفوك ومغفرتك، فإن ذنوبنا قد أثقلت ظهورنا، وخطايانا قد زادت همومنا، وذنوبنا قد ملأت صحفنا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، ولا يستر العيوب إلا أنت، ولا يفرج الكروب إلا أنت.
اللهم ارحم ضعفنا وقلة حيلتنا، وارحم جهلنا وزللنا، وارحم خطأنا ونسياننا، وارحم تقصيرنا في طاعتك، وارحم تفريطنا في جنبك، وارحم انشغالنا بغيرك، وارحم بُعدنا عن بابك، وارحمنا يوم نقف بين يديك، حفاة عراة غرلًا، لا ينفعنا مال ولا بنون، ولا جاه ولا سلطان، إلا من أتى الله بقلب سليم.
اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء همومنا، وذهاب أحزاننا، اللهم اجعله شفيعًا لنا يوم القيامة، وقائدًا لنا إلى جنات النعيم، واجعله حجة لنا لا علينا، يا أرحم الراحمين.
اللهم ألّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، واجعلنا إخوة متحابين فيك، متعاطفين برحمتك، متوادين بفضلك، متراحمين كما أمرت، فلا نحسد بعضنا، ولا نبغض بعضنا، ولا نظلم بعضنا، ولا نقطع بعضنا، يا من ألف بين قلوب المؤمنين.
اللهم ارحم أطفالنا، واحفظهم من كل سوء، وانبتهم نباتًا حسنًا، واجعلهم قرة أعين لنا، اللهم ارحم نساءنا، واجعلهن مطيعات لك، قانتات تائبات عابدات، اللهم ارحم آباءنا وأمهاتنا، واغفر لهما وارحمهما كما ربيانا صغارًا، اللهم ارحم أزواجنا وذرياتنا، واجعل بيوتنا بيوتًا عامرة بذكرك، مضيئة بنورك، مطمئنة بفضل رحمتك.
اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين، واغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدلهم دارًا خيرًا من دارهم، وأهلًا خيرًا من أهلهم، وأدخلهم الجنة، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، يا أرحم الراحمين.
اللهم ارحم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، واجمع كلمتها، ووحّد صفوفها، وردها إلى دينك ردًا جميلًا، اللهم انصرها على من عاداها، وكن لها معينًا وظهيرًا، وارفع عنها البلاء والوباء، واكشف عنها الضراء واللأواء، واجعلها أمة مرحومة بفضلك، منصورة بتأييدك، معززة بسلطانك، يا قوي يا عزيز.
اللهم ارحم العاملين على نشر الخير والدعوة إليك، ووفقهم لما تحب وترضى، واجعل أعمالهم خالصة لوجهك الكريم، ونفع بها البلاد والعباد، واجزهم عنا خير الجزاء، اللهم ارحم المعلمين والمتعلمين، وارحم الأطباء والمرضى، وارحم الأغنياء والفقراء، وارحم الحكام والمحكومين، وارحم المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، يا رب الأرض والسماوات.
اللهم إنا نسألك قلبًا رحيمًا، وعينًا دامعة، ونفسًا خاشعة، ولسانًا ذاكرًا، ويدًا منفقة، وجوارح مطيعة، اللهم ارزقنا خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، ولذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك، من غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة.
اللهم اجعل رحمتك تسعنا، وعفوك يشملنا، ورضاك يغمرنا، وتوفيقك يقودنا، وحفظك يظلنا، وعنايتك ترعانا، وفضل عموم رحمتك يسترنا، اللهم إنا عبيدك، بنو عبيدك، بنو إمائك، نواصينا بيدك، ماضٍ فينا حكمك، عدلٌ فينا قضاؤك، نسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور أبصارنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، وأن تغفر لنا وترحمنا، إنك أنت الغفور الرحيم.
اللهم ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واغفر لنا وارحمنا، واهدنا إلى صراطك المستقيم، وثبتنا على دينك القويم، واجعلنا من الراحمين، ولا تجعلنا من المحرومين، ولا تجعلنا من المبعدين عن رحمتك، ولا من أهل القسوة والغفلة، برحمتك يا أرحم الراحمين.

image 10

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى