اتفقنا برغم اختلافنا.
- قصة جديدة من المجموعة القصصية والتى أسميتها ( فلاشة العمر) التى حدثت معى بالفعل فكتبتها كما سرت أحداثها وبدون أى تغيير، ومعنا اليوم قصة بعنوان :- (اتفقنا برغم اختلافنا) وإليكم أعزائى القراء أسرد لحضراتكم أحداث الإتفاق والإختلاف
- كانت أزمة جائحة الكورونا والتى تدعى – كوفيد-19- عام 2020م، والتى جمدت العام فأصبحنا بلا حراك كل فى بيته خائفا من الإصابة بالعدوى، والتى تسببت فى في أسوأ ركود عالمى منذ الحرب العالمية الثانية، وأحد
كتبت م.د.ماجدة مجاور
قصة جديدة من المجموعة القصصية والتى أسميتها ( فلاشة العمر) التى حدثت معى بالفعل فكتبتها كما سرت أحداثها وبدون أى تغيير، ومعنا اليوم قصة بعنوان :- (اتفقنا برغم اختلافنا) وإليكم أعزائى القراء أسرد لحضراتكم أحداث الإتفاق والإختلاف.
كانت أزمة جائحة الكورونا والتى تدعى – كوفيد-19– عام 2020م، والتى جمدت العام فأصبحنا بلا حراك كل فى بيته خائفا من الإصابة بالعدوى، والتى تسببت فى في أسوأ ركود عالمى منذ الحرب العالمية الثانية، وأحدثت تحولات جذرية ومباشرة في مختلف جوانب الحياة الإنسانية، وتراجع وانكماش النمو، فعطلت الجائحة سلاسل الإمداد وشبكات الإنتاج الدولية، وأدت إلى تراجع حاد في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، تضررت القطاعات الحيوية خاصة قطاع السياحة والسفر وتكبدت خسائر هائلة غيرت أنماط العمل والحياة، ففرضت الجائحة قيوداً واسعة على الحركة والإغلاق أدت إلى تسجيل مئات الملايين من الإصابات والوفيات على مستوى العالم، فحدثت عملية إغلاق تام للعالم كله فى جميع المجالات.
كنت قبل انتشار الجائحة قد قدمت أوراقى وجواز سفرى لكى أقوم برحلة الحج إلى بيت الله الحرام، وأتممت كل الإجراءات، حتى الملابس البيضاء التى سوف أطوف وأسعى بها حضرتها، ورتبت حقائبى..ولكن يا فرحة ما تمت، فقد تم ولأول مرة فى التاريخ إلغاء رحلات الحج من كل بلاد العالم هذا العام، لا أخفى عليكم الحزن الذى أشعل حجرات قلبى الذى كان يهفو لزيارة البيت الحرام وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
زاد تضرعى لله لكى لا يهتز إيمانى الذى وقر فى قلبى، ولم أقم بسحب أوراقى من شركة السفريات التى حجزت بها، فقط قمت بحبس نفسى فى بيتى كما فعل الآخرون خشية الإصابة بهذا اللعين الذى أنهى حياة الملايين من البشر، فلم أعد أزر أحدا، ولا أشارك فى ندوات ولا مؤتمرات ولا أنشطة مجتمعية كسابق عهدى.
وجاءت سنة جديدة، هى 2021م، لكن مازالت رحلات الحج معلقة فى العالم كله، وأوراقى مجمدة فى شركة السفريات، تقول وأقول معها : “أنا فى الإنتظار”، والنفس تزداد شوقا والروح تتضرع للخالق لأن أتم رحلتى المباركة قبل رحيلى من الدنيا، واستغليت أوقاتى فى العبادة وقراءة القرآن وعمل بعض الصيانات فى البيت وقراءة الكتب الأدبى منها والعلمى، ومتابعة المشهد العالمى من خلال الميديا.
ثم جاء عام 2022م وجاء معه الفرج من رب كريم، وفتح باب الحج من جديد، طرت فرحا، وأكملت كل الإجراءات بفرحة قلب متشوق، وعلمت وقتها أن عدد الحجاج الذين سمح لهم بالزيارة من كل بقاع العالم حوالى 800000 شخصا فقط أى أقل من المليون بيد أن الأعوام السابقة كان عدد الحجاج يصل إلى خمسة من المليونات، والسبب فى العدد القليل هذا أن الناس ما زالت خائفة من شبح الكوفيد.
وهناك وصلت، حيث اختارنى ربى لأكون من زمرة حجيج ذلك العام، كما أكرمنى ربى بحجرة مطلة على الحرم المكى مباشرة، نزلت إلى هناك بشحنة روحانية عالية القدرة، وأتممت الطواف فى دوائر مباركة حول الكعبة المشرفة من المرات سبعة حول أطهر بقعة فى الكرة الأرضية، وكذا السعى بين الصفا والمروة بأشواطه السبعة أيضا، وكنت قد علمت من مفتى الحملة الدينية أن النظر إلى الكعبة المشرفة عبادة مستحبة ويثاب عليها المرء إذا اقترن بالتفكر فى تعظيم الله والاشتياق والدعاء كما يورث انشراح الصدر وراحة للعين والقلب معا، فجلست لأرتاح قليلا بعد الطواف والسعى، وفى صحن الكعبة رفعت يداى للسماء أدعو الله وأطلب وأبتهل وأتضرع له سبحانه وتعالى، وكان لى مطلب محدد رجوت به ربى، فرحت أطلب وأطلب حتى وصلت لدرجة الفناء، فلم يعه لجسدى وزنا وكأنه ليس لجسمى ذرات، فخفت بشريتى وكدت أطير إلى الأعلى، وبدأت يداى ترتفعان أعلى وأعلى وأعلى وأنا مستمرة فى قولى : “يارب”، ودموعى تتساقط ساخنة كالنهرعلى وجهى…
لمحتنى حاجة وأنا فى هذه الحال، كان يبدو من ملامحها أنها ليست عربية الجنسية، فلغتها لا أعرفها، لا هى بالأوروبية ولا الأمريكية ولا الصينية أو الروسية، كان وجهها يشع نورا، فرق قلبها لحالى حين رأتنى أبكى، وحاولت أن تهدأ من انفعالى وأخذت تربت على كتفى قائلة : “(أومين)”.
فصلتنى من حالى بلهجتها ولسانها الأعجمى…فنحن نقول بعربيتنا : ” آمين”، غير تلك الأومين التى تنطقها، وأخذت الحاجة تتحدث معى بلغة غير معروفة لدى، فبادلتها الرد بالإنجليزية لكنها لم تفهمنى، ثم بالألمانية فلم تفهمنى بعد.
جلست بجوارى فتقاربت روحانا، فتعاملنا بلغة الإشارة وحديث القلب، فبرغم اختلاف بلادنا واختلاف لغتنا لكنا تفهمنا، بل أصبحنا صديقتين يفتح كل منا قلبه للآخر، وسبحان الله وكأن هناك مترجما يترجم ما كنا نقول فتفاهمنا.
كانت تحمل معها كتابا أشعار دينية كتبت أبياتها فى حب رسول الله صلى الله عليه وسلم باللغة العربية التى لم تكن تعرفها لا قراءة ولا كتابة، نظرت للكتاب وتناولته بيدى فرأيته جميلا، كتب بعناية وبطباعة فاخرة، على ورق مصقول ويحمل البركة فى طياته…كان بالكتاب ثلاثون قصيدة، طلبت منى صديقتى أن أقرأ لها القصائد وبعد كل قصيدة كانت تقول لى : ” أومين”…. وبرغم هذا الجهد لم يجف حلقى لأنه كان مرطبا بذكر الله، وبمدح رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، لأنها قصائدا تطرب الأذن ولها جرسا ونغما موسيقيا غير مرئى.
شكرتنى وشكرتها بطريقتين مختلفتين، ودعيت لها ودعت لى بنفس الطريقتين، ربما بالقلب أو بالإشارة أو بالإحساس..ودعتها لكى أكمل بقية المناسك المقدسة، وقد التقينا فى أطهر بقعة واتفقنا فى حب الله ورسوله برغم اختلاف الجنسية واللغة، وهذه المصادفة مثلت الوحدة المتنوعة والأخوة العالمية، لأن الله خلق الناس مختلفين في ألوانهم وألسنتهم ليكون ذلك آيةً دالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه، ولتحقيق التعارف والتكامل بين البشر.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات: 13).







