⚡ عاجل
منوعات

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن العملُ الصالح

خلاصة الخبر في نقاط
  • رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن العملُ الصالح
  • بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
  • مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
  • رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن العملُ الصالح

بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

العملُ الصالحُ: مكانتُه، وشروطُه، وموانعُه، وثمراتُه في الدنيا والآخرة

إنَّ العملَ الصالحَ هو ثمرةُ الإيمانِ، وبرهانُ الصدقِ، وطريقُ الفلاحِ في الدنيا والآخرة. ما نفعَ العلمُ بلا عمل، وما زكا القولُ بلا صدق، وما ارتفعَ عبدٌ عند اللهِ إلا بعملٍ صالحٍ يُقدِّمُه بين يديه. وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة، رقم: ١٠٥] — فما أعظمَها من آيةٍ تُوقِظُ الغافلَ، وتُحرِّكُ الساكنَ، وتُذكِّرُ الناسيَ بأنَّ العملَ مكشوفٌ، والسعيَ مشهودٌ، والجزاءَ واقعٌ لا محالة.

وسيكونُ حديثُنا في هذه المحاضرةِ — بإذن اللهِ تعالى — عن العملِ الصالحِ: مفهومِه ومكانتِه، وشروطِ قبولِه، وأسبابِ حبوطِه، ومجالاتِه، وثمراتِه في الدنيا والآخرة.

⚫
⚫
⚫

⚫ العنصر الأول: مفهوم العمل الصالح ومكانته في الإسلام

● تعريفُ العملِ الصالحِ لغةً واصطلاحًا

العملُ في اللغةِ: ما يشتغلُ به الإنسانُ من فعلٍ أو قول. والصالحُ: ضدُّ الفاسد، وهو ما كان فيه نفعٌ وخير. فالعملُ الصالحُ اصطلاحًا: «كلُّ ما يرضاه اللهُ تعالى من أقوالٍ أو أعمالٍ، يشملُ أعمالَ القلوبِ وأعمالَ الجوارح».

«والعملُ الصالحُ هو ما توافرت فيه شروطٌ بيَّنَها اللهُ تعالى في كتابِه وأخبرَنا بها نبيُّه صلى الله عليه وسلم في سُنَّتِه».

فالعملُ الصالحُ إذًا ليس محصورًا في الصلاةِ والصيامِ والزكاةِ والحجِّ، بل يتجاوزُ ذلك إلى كلِّ قولٍ أو فعلٍ يُقرِّبُ إلى الله؛ فيدخلُ فيه برُّ الوالدين، وصلةُ الرحم، وإكرامُ الجار، وإفشاءُ السلام، وإماطةُ الأذى عن الطريق، والكلمةُ الطيبة، والتبسمُ في وجهِ الأخ.

● منزلةُ العملِ الصالحِ في القرآنِ الكريم

قال تعالى:

﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص، رقم: ٢٨] — استفهامٌ إنكاريٌّ يُقرِّرُ حقيقةً لا مريةَ فيها: لا يستوي من أصلحَ ومن أفسد، ولا من اتقى ومن تمرَّد.

وقال سبحانه:

﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر، رقم: ٥٨] — قليلٌ من يتذكرُ! مع أنَّ الفرقَ بيِّن، والطريقَ واضح، لكنَّ الغفلةَ تُعمي القلوبَ عن إدراكِ الحقائق.

«لا يستوي المسلمُ والكافر، ولا المؤمنُ والمنافق، ولا البرُّ والفاجر، ولا من يعملُ ومن لا يعمل، ولا يستوي عملُ الصالحاتِ واجتراحُ السيئات».

وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة، رقم: ٢٨١] — آيةٌ تُزلزلُ القلب: يومٌ تُعرضونَ فيه على الله، وتُوفَّى كلُّ نفسٍ ما كسبت، لا ظلمَ ولا بخسَ ولا محاباة.

وقال تعالى:

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ [النجم، رقم: ٣٩-٤١] — حقيقةٌ صارخة: ليس لك إلا سعيُك، وسعيُك سيُرَى، وسترجعُ إلى جزاءٍ أوفى وأكمل.

● منزلةُ العملِ الصالحِ في السنةِ النبوية

عَن أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ)) <أخرجه الترمذي (٢٤١٧)، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وصححه الألباني في الجامع الصغير (١٣٢٥٦)> — أربعةُ أسئلةٍ لا مفرَّ منها: عمرُك، وعلمُك، ومالُك، وجسمُك. فليعدَّ كلُّ إنسانٍ جوابَه قبل أن يُسأل.

«وينبغي للمؤمن أن يستقبلَ أيامَه ولياليَه بالأعمالِ الصالحة، فما هي إلا ليالٍ معدودةٌ ثم تنقضي».

● العلاقةُ بين الإيمانِ والعملِ الصالح — صنوانِ لا يفترقان

قال تعالى:

﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر، رقم: ١-٣] — قسمٌ عظيم: وللأسف الخسرانُ خيار الخاسرين ، ولا ينجو منه إلا من جمعَ بين الإيمانِ والعملِ والتواصي بالحقِّ والصبر.

إن «العمل والإيمان توأمانِ لا انفصالَ لأحدِهما عن الآخر؛ فكما أنَّ الأعمالَ لا اعتبارَ لها إذا فُقِدَ الإيمان، فلا اعتبارَ للإيمانِ إذا فُقِدت الأعمالُ الصالحة؛ فأيُّ إسلامٍ لمن لا يصلي ولا يصوم ولا يحج ولا يؤدي الواجبات؟!».

«وكلُّ موضعٍ يُذكَرُ فيه الإيمانُ في الشرعِ يكونُ مقرونًا بالعملِ الصالح، ذلكم أنَّ الإيمانَ المتجردَ من الأعمالِ الصالحةِ لا يُغني عن صاحبِه شيئًا؛ بل هو يدلُّ على اتباعِ الهوى وعلى زيغٍ في القلب. ومتى تخلَّفَ العملُ عن الإيمانِ دلَّ على ضعفِ الإيمانِ في القلب؛ إذ لو كان في القلبِ حقيقةُ الاعتقادِ لظهرَ أثرُ ذلك على الجوارحِ في تنفيذِ الأعمالِ الصالحة».

قال الصديقُ رضي الله عنه: «وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ»

— ما أعظمَ فقهَه! ما فرَّقَ بين شعيرتَينِ من شعائرِ الإسلام، وقد قال اللهُ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة، رقم: ٥].

⚫
⚫
⚫

⚫ العنصر الثاني: شروط قبول العمل الصالح

● إِنَّ العملَ الصالحَ لا يكونُ صالحًا حتى يجمعَ أمرين: أن يكونَ خالصًا لله، وأن يكونَ صوابًا موافقًا للشرع.

وقد جمعَ اللهُ الشرطينِ في آيةٍ واحدة: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف، رقم: ١١٠] — ﴿عَمَلًا صَالِحًا﴾ ما وافقَ السنة، ﴿وَلَا يُشْرِكْ﴾ ما كان خالصًا لله. فمن جمعَ بينهما قُبِلَ عملُه، ومن أخلَّ بأحدِهما رُدَّ عليه.

« فالعمل الصالح هو ما توافرت فيه شروطٌ بيَّنَها اللهُ تعالى في كتابِه وأخبرَنا بها نبيُّه صلى الله عليه وسلم في سُنَّتِه».

● الشرطُ الأول: الإيمانُ والتوحيدُ والسلامةُ من الشرك

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف، رقم: ١١٠] — شرطٌ صريح: لا يُقبَلُ عملٌ مع شرك، ولو كان صالحًا في ظاهرِه.

«فالأعمالُ الصالحةُ لا تُقبَلُ مع الكفرِ والشركِ بالله».

﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأحزاب، رقم: ١٩] — إحباطٌ إلهيٌّ لأعمالٍ عظيمةٍ في ظاهرِها، لأنَّ الإيمانَ مفقودٌ في باطنِها.

﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة، رقم: ٥] — خُسرانٌ مبينٌ لمن عملَ ولم يؤمن؛ فقد ضيَّعَ الدنيا والآخرة.

وقال تعالى:

﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر، رقم: ٦٥] — خطابٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فما بالُك بمن دونَه؟!

وقال سبحانه:

﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان، رقم: ٢٣] — غبارٌ متطايرٌ في الهواء! هكذا تكونُ أعمالُ من فقدَ التوحيد.

وقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ)) <رواه مسلم (٤/ ٢٢٨٩/ ح: ٢٩٨٥) في الزهد والرقائق، باب: من أشرك في عمله غير الله> — اللهُ غنيٌّ عن كلِّ عملٍ خالطه شرك؛ فمن أرادَ أن يُقبَلَ عملُه فليُخلِصْ لله.

● الشرطُ الثاني: الإخلاصُ للهِ تعالى

« وهو أن يكونَ قصدُه وجهَ اللهِ لا الدنيا ولا الرياءَ ولا طلبَ المحمدةِ من الشهرة».

قال ابنُ رجب رحمه الله: «اعلمْ أنَّ العملَ لغيرِ اللهِ أقسام: فتارةً يكونُ رياءً محضًا كحالِ المنافقين؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء، رقم: ١٤٢]، وهذا الرياءُ المحضُ لا يكادُ يصدرُ من مؤمنٍ في فرضِ الصلاةِ والصيام، وقد يصدرُ في الصدقةِ أو الحجِّ الواجبِ أو غيرِهما من الأعمالِ الظاهرةِ أو التي يتعدى نفعُها؛ فإنَّ الإخلاصَ فيها عزيزٌ، وهذا العملُ لا يشكُّ مسلمٌ أنه حابطٌ، وأنَّ صاحبَه يستحقُّ المقتَ من اللهِ والعقوبةَ، وتارةً يكونُ العملُ للهِ ويشاركُه الرياء؛ فإن شاركَه من أصلِه، فالنصوصُ الصحيحةُ تدلُّ على بطلانِه، وأما إن كان العملُ للهِ وطرأَ عليه نيةُ الرياء، فإن كان خاطرًا ثم دفعه، فلا يضرُّه بغيرِ خلاف، وإن استرسلَ معه، فهل يحبطُ عملَه أو لا فيجازى على أصلِ نيته؟ في ذلك اختلافٌ بين العلماءِ من السلفِ قد حكاه الإمامُ أحمدُ وابنُ جرير، ورجَّحا أنَّ عملَه لا يبطلُ بذلك، وأنه يجازى بنيتِه الأولى، وهو مرويٌّ عن الحسنِ وغيرِه» <فتح الباري لابن رجب (١/ ٣٢)>.

قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ الَّذِي يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ — تَذَلُّلًا وَخُضُوعًا لَهُ لَكِنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَبُولِ دُعَائِهِ أَنَّ مَأْكَلَهُ حَرَامٌ — وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ)) <صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب: قبول الصدقة من الكسب الطيب، رقم: ١٠١٥>

— يا لها من صورةٍ تُبكي القلب! رجلٌ يُطيلُ السفر، أشعثُ أغبر، يمدُّ يديه إلى السماء، لكنَّ مأكلَه حرام، وملبسَه حرام، فكيف يُستجابُ له؟

«فاحذرْ — أخي المسلم — من كلِّ مأكلٍ خبيث، ومن المكاسبِ المحرمةِ لذاتِها أو محرمةٍ بأسبابِ حصولِ ثمنِها على غيرِ هدًى من ربًا وغشٍّ وخيانةٍ وبيعِ المحرماتِ على اختلافِها، ليزكو عملُك ويتقبلَ اللهُ منك».

قال ابنُ القيم رحمه الله: «لا يكونُ العبدُ متحققًا بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة، رقم: ٥] إلا بأصلينِ عظيمين: أحدُهما: متابعةُ الرسولِ صلى الله عليه وسلم، والثاني: الإخلاصُ للمعبود» <مدارج السالكين (١/ ١٠٤)>.

«وأهلُ الإخلاصِ للمعبودِ والمتابعة، وهم أهلُ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ حقيقةً، فأعمالُهم كلُّها لله، وأقوالُهم لله، وعطاؤُهم لله، ومنعُهم لله، وحبُّهم لله، وبغضُهم لله، فمعاملتُهم ظاهرًا وباطنًا لوجهِ اللهِ وحدَه، لا يريدونَ بذلك من الناسِ جزاءً ولا شكورًا، ولا ابتغاءَ الجاهِ عندهم، ولا طلبَ المحمدةِ والمنزلةِ في قلوبِهم، ولا هربًا من ذمِّهم، بل قد عدُّوا الناسَ بمنزلةِ أصحابِ القبور، لا يملكونَ لهم ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا» <مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لابن القيم (١/ ١٠٤)>.

فيا من ترفعُ يديك بالدعاء، ويا من تُصلِّي وتصومُ وتتصدَّق، احذرْ أن يكونَ عملُك لغيرِ الله، فإنَّ اللهَ لا يقبلُ إلا ما كان خالصًا لوجهِه.

● الشرطُ الثالث: الاتباعُ وموافقةُ السنة

«الشرطُ الثالث: الاتباعُ — وهو موافقةُ العملِ لسنةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم».

« والبعدُ عن البدعِ قليلِها وكثيرِها».

عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قال: ((جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)) <أخرجه البخاري في صحيحه (٨/ ٢٧٦، رقم: ٤٦١٥) في التفسير، باب: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾> — لقد أرادوا الخيرَ فأخطؤوه؛ لأنَّ الخيرَ ليس في المغالاة، بل في الاتباع.

قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا، فَهُوَ رَدٌّ)) <صحيح مسلم، كتاب الأقضية، باب: نقض الأحكام الباطلة، رقم: ١٧١٨>

— “ردٌّ”! كلمةٌ قاصمة: كلُّ عملٍ لا يوافقُ الشرعَ مردودٌ على صاحبِه، وإن تعبَ فيه ونصب.

● الشرطُ الرابع: طِيبُ المأكلِ وسلامةُ المكسب

«ومن أسبابِ قبولِ العملِ الصالح: طِيبُ المأكل، فالمسلمُ حقًّا طيِّبُ القلبِ بالإيمانِ الصادق، طيِّبُ اللسانِ بذكرِ الله، طيِّبُ الأعمالِ بإخلاصِه لله وقيامِه بذلك، ولا يزكو العملُ الصالحُ إلا بطِيبِ المأكلِ وسلامتِه من المحرمات».

قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ الَّذِي يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ — تَذَلُّلًا وَخُضُوعًا لَهُ لَكِنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَبُولِ دُعَائِهِ أَنَّ مَأْكَلَهُ حَرَامٌ — وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ)) <صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب: قبول الصدقة من الكسب الطيب، رقم: ١٠١٥>.

فيا من رفعتَ أكفَّ الضراعةِ إلى الله، ويا من تريدُ أن يُستجابَ دعاؤُك، طهِّرْ مأكلَك ومشربَك وملبسَك؛ فإنَّ اللهَ طيِّبٌ لا يقبلُ إلا طيبًا.

● الشرطُ الخامس: المداومةُ والاستقامة

«ومن أسبابِ قبولِ العملِ الصالح: إدامةُ هذا العملِ والاستقامةُ عليه، فإنَّ المستقيمَ على الطاعةِ يدلُّ على قناعتِه بها ورضاه بها واطمئنانِه لها».

قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت، رقم: ٣٠]

— استقامةٌ بعد إيمان، وبشارةٌ عند موت، وأمانٌ في قبر، ونعيمٌ في جنة.

قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف، رقم: ١٣]

— لا خوفٌ من المستقبل، ولا حزنٌ على الماضي.

● الشرطُ السادس: دعاءُ اللهِ والتضرعُ بين يديه أن يقبلَ العمل

«ومن أسبابِ قبولِ العملِ الصالح: دعاءُ اللهِ — جلَّ وعلا — والتضرعُ بين يديه أن يقبلَ منك عملَك، ويعوذَك من طغيانِ الرياءِ والعُجبِ والتكبرِ على اللهِ بالعمل».

قال تعالى:

﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة، رقم: ١٢٧]

— دعاءُ الخليلِ وابنِه وهما يبنيانِ بيتَ الله! بنيا البيتَ بأيديهما، ومع ذلك خافا ألا يُتقبَّلَ منهما. فأين نحن من هذا الأدبِ الرفيع؟

⚫
⚫
⚫

⚫ العنصر الثالث: أسباب حبوط العمل وموانع القبول

● العمل الصالحَ قد يُعمَلُ ثم يُحبَطُ ويُردُّ على صاحبِه، وذلك لأسبابٍ وموانعَ بيَّنَها القرآنُ والسنة. فاحذرْ أن يكونَ عملُك من هذا القبيل، وأنت تحسبُ أنك تُحسِنُ صنعًا.

ومن الموانع :

● المانعُ الأول: الشركُ والكفر

«فالأعمالُ الصالحةُ لا تُقبَلُ مع الكفرِ والشركِ بالله، قال اللهُ — جلَّ وعلا —: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾، فمن لم يؤمنْ باللهِ ويعبدْه وحدَه لا شريكَ له فكلُّ أعمالِه باطلة».

وقال تعالى:

﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة، رقم: ٥]

— خُسرانٌ في الدنيا والآخرة لمن عملَ ولم يؤمن.

وقال سبحانه:

﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر، رقم: ٦٥]

— خطابٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فما بالُك بمن دونَه؟!

وقال تعالى:

﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان، رقم: ٢٣] — غبارٌ متطاير! هكذا تكونُ أعمالُ من أشركَ بالله.

قال القاضي عياض رحمه الله: «وقد انعقدَ الإجماعُ على أنَّ الكفارَ لا تنفعُهم أعمالُهم، ولا يُثابونَ عليها بنعيمٍ ولا تخفيفِ عذاب، لكنَّ بعضَهم أشدُّ عذابًا من بعضٍ بحسبِ جرائمِهم».

وعَن عَائِشَةَ رضي الله عنها أنها قالت: ((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: لَا يَنْفَعُهُ؛ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)) <مسلم، كتاب الإيمان، باب: أهون أهل الدنيا عذابًا، (١/ ١٩٦)، ورقم الحديث: ٢١٤>

— عملٌ عظيمٌ في الجاهلية، لكنه لم يؤمنْ بالبعثِ والحساب، فما نفعَه!

قال تعالى:

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود، رقم: ١٥-١٦]

— يأخذونَ أجورَهم في الدنيا من شهرةٍ ومالٍ وذِكر، ثم لا يجدونَ في الآخرةِ إلا النار.

«أي: من كان كلُّ حظِّه من وجودِه التمتعَ بلذاتِ هذه الحياةِ الأولى، التي هي أدنى الحياتين اللتين خُلقَ لهما؛ وهي: الطعام، والشراب، والوقاع، وزينتُها من اللباس، والأثاث، والرياش، والأولاد، والأموال، لا يريدُ مع ذلك استعدادًا للحياةِ الآخرةِ ولقاءَ اللهِ تعالى بالبرِّ والإحسان، وتزكيةَ النفسِ بباعثِ الإيمان

— ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾؛ أي: نؤدِّ إليهم ثمراتِ أعمالِهم التي يعملونَها وافيةً تامةً، بحسبِ سنتنا في الأسبابِ والمسبباتِ ونظامِ الأقدار».

وقال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور، رقم: ٣٩]

— سراب! يظنُّ العطشانُ أنه ماء، فإذا وصلَه لم يجدْ شيئًا. هكذا أعمالُ الكافرينَ يومَ القيامة.

● المانعُ الثاني: الرياءُ والعُجب

قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ)) <رواه مسلم (٤/ ٢٢٨٩/ ح: ٢٩٨٥) في الزهد والرقائق، باب: من أشرك في عمله غير الله>

— من عملَ لأجلِ الناس، تركَه اللهُ وشِرْكَه، فلم يقبلْ منه شيئًا.،

قال ابنُ رجب رحمه الله: «وهذا العملُ لا يشكُّ مسلمٌ أنه حابطٌ، وأنَّ صاحبَه يستحقُّ المقتَ من اللهِ والعقوبة» <فتح الباري لابن رجب (١/ ٣٢)>.

«فاحفظوا أعمالَكم من الشركِ أعظمَ مما تتحفظونَ على أنفسِكم من أعدائِكم، وأعظمَ مما تتحفظونَ على أموالِكم من السراق؛ فإنَّ خطرَ الشركِ عظيم».

فيا من يعملُ ليراه الناس، ويا من يُصلِّي ليُقالَ عنه صالح، احذرْ! فإنَّ اللهَ لا يقبلُ إلا ما كان خالصًا لوجهِه.

● المانعُ الثالث: البدعةُ ومخالفةُ السنة

قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا، فَهُوَ رَدٌّ)) <صحيح مسلم، كتاب الأقضية، باب: نقض الأحكام الباطلة، رقم: ١٧١٨>

— مردود! ولو تعبَ فيه ونصب، ولو ظنَّ أنه يُقرِّبُ إلى الله.

قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ)) <سنن أبي داود، كتاب السنة، باب: في لزوم السنة، رقم: ٤٦٠٧، وصححه الألباني> — كلُّ بدعةٍ ضلالة، وكلُّ ضلالةٍ في النار.

«ومن أسبابِ قبولِ العملِ الصالح: اتباعُ سنةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، والبعدُ عن البدعِ قليلِها وكثيرِها».

● المانعُ الرابع: المعاصي والذنوب

«ومتى تخلَّفَ العملُ عن الإيمانِ دلَّ على ضعفِ الإيمانِ في القلب؛ إذ لو كان في القلبِ حقيقةُ الاعتقادِ لظهرَ أثرُ ذلك على الجوارح».

● المانعُ الخامس: أكلُ الحرام

«فاحذرْ — أخي المسلم — من كلِّ مأكلٍ خبيث، ومن المكاسبِ المحرمةِ لذاتِها أو محرمةٍ بأسبابِ حصولِ ثمنِها على غيرِ هدًى من ربًا وغشٍّ وخيانةٍ وبيعِ المحرماتِ على اختلافِها، ليزكو عملُك ويتقبلَ اللهُ منك».

قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ الَّذِي يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ — تَذَلُّلًا وَخُضُوعًا لَهُ لَكِنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَبُولِ دُعَائِهِ أَنَّ مَأْكَلَهُ حَرَامٌ — وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ)) <صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب: قبول الصدقة من الكسب الطيب، رقم: ١٠١٥>.

«ومن أسبابِ قبولِ العملِ الصالح: طِيبُ المأكل، فالمسلمُ حقًّا طيِّبُ القلبِ بالإيمانِ الصادق، طيِّبُ اللسانِ بذكرِ الله، طيِّبُ الأعمالِ بإخلاصِه لله وقيامِه بذلك، ولا يزكو العملُ الصالحُ إلا بطِيبِ المأكلِ وسلامتِه من المحرمات».

● المانعُ السادس: المَنُّ والأذى في الصدقة

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة، رقم: ٢٦٤] — فيا من تتصدَّقُ ثم تمنُّ وتؤذي، احذرْ! فإنَّ صدقتَك قد حبطت وأنت لا تشعر.

⚫
⚫
⚫

⚫ العنصر الرابع: مجالات العمل الصالح وأبواب الخير

● إنَّ من رحمةِ اللهِ وفضلِه على عبادِه أن يسَّرَ لهم الطاعاتَ وأكثرَ لهم من طرقِها وأبوابِها، وتابعَ لعبادِه مواسمَ الحسنات، ليدومَ نشاطُ المسلمِ ويبقى ملازمًا لعبادةِ مولاه حتى يلقاه.

قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((لَيْسَ مِنْ نَفْسِ ابْنِ آدَمَ إِلَّا عَلَيْهَا صَدَقَةٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمِنْ أَيْنَ لَنَا صَدَقَةٌ نَتَصَدَّقُ بِهَا؟ ، فَقَالَ: إِنَّ أَبْوَابَ الْخَيْرِ لَكَثِيرَةٌ: التَّسْبِيحُ، وَالتَّحْمِيدُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَالتَّهْلِيلُ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَتُسْمِعُ الْأَصَمَّ، وَتَهْدِي الْأَعْمَى، وَتُدِلُّ الْمُسْتَدِلَّ عَلَى حَاجَتِهِ، وَتَسْعَى بِشِدَّةِ سَاقَيْكَ مَعَ اللَّهْفَانِ الْمُسْتَغِيثِ، وَتَحْمِلُ بِشِدَّةِ ذِرَاعَيْكَ مَعَ الضَّعِيفِ، فَهَذَا كُلُّهُ صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ)) <صحيح ابن حبان (٣٣٧٧)، والطبراني في الدعاء (١٧٢٩)، وقال الألباني: صحيح لغيره في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (٣٣٦٨)>

— فتحَ لنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أبوابَ الخيرِ كلَّها: تسبيحٌ، وتحميدٌ، وتكبيرٌ، وتهليلٌ، وأمرٌ بالمعروف، ونهيٌ عن المنكر، وإماطةُ أذى، وإسماعُ أصمَّ، وهدايةُ أعمى، وإرشادُ مستدِلٍّ، وسعيٌ مع لهفان، وحملٌ مع ضعيف — كلُّ ذلك صدقةٌ منك على نفسِك.

قال يزيدُ بنُ أبي حبيب: « كَانَ أَبُو الخَيْرِ اليَزَنِيُّ المِصْرِيُّ لَا يُخْطِئُهُ يَوْمٌ لَا يَتَصَدَّقُ مِنْهُ بِشَيْءٍ وَلَوْ كَعْكَةً وَلَوْ بَصَلَةً» <أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٢٤٣١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٤٥١٠)>

— فما أعظمَ همَّتَه! لا يمرُّ عليه يومٌ دون صدقة، ولو بأقلِّ القليل.

«إنَّ أعمالَك الصالحةَ لا تنحصرُ في عبادةٍ معينة، ولا في ميدانٍ ضيق، بل أعمالٌ عامةٌ ومجالٌ واسعٌ وشموليةٌ في أمورِ الدينِ والدنيا، فأعمالُك الصالحةُ تشملُ ما يُصلِحُ دينَك ودنياك، وما تستقيمُ به الحياة، وما تلقى اللهَ به».

● أعمالُ القلوب

«فيدخلُ فيه دخولًا أوليًّا أعظمُ أعمالِ القلوبِ من التوحيدِ للهِ سبحانه وتعالى والخوفِ منه، والإنابةِ إليه والتوكلِ عليه، والرجاءِ فيه والتعلقِ به، فكلُّ ذلك من العملِ الصالح، بل هو من أساسِ العملِ الصالح».

● أعمالُ الجوارح

«كما يدخلُ في ذلك أعمالُ الجوارحِ كلُّها؛ فالأقدامُ تنتصبُ قيامًا في الصلاة، والجباهُ تخرُّ سجودًا فيها، والأيدي تتحركُ إنفاقًا، ونحوُ ذلك من كلِّ ما هو متصلٌ بالجوارحِ من اللسانِ والعينِ والأذن، كلٌّ بما فيه مما وردتْ به أنواعُ العباداتِ المختلفة».

● الأعمالُ المتعدية

أداؤُك للصلواتِ الخمسِ في الجماعةِ في المسجدِ عملٌ صالح، زكاتُك وصومُك وحجُّك أعمالٌ صالحة، برُّك بالأبوينِ وإحسانُك إليهما عملٌ صالحٌ تتقربُ به إلى الله، صلتُك لرحمِك وتفقدُ أحوالِهم وزيارتُهم والإحسانُ إليهم ومواساةُ فقيرِهم، وعيادةُ مريضِهم، وصبرُك على بعضِ أخطائِهم عملٌ صالح، إحسانُك إلى الجار، كفُّك الأذى عنه، إحسانُك إليه وكفُّ الأذى عنه عملٌ صالحٌ تقربًا إلى الله».

إفشاؤُك للسلام، وإطعامُك الطعام، وصلاتُك بالليلِ أعمالٌ صالحة، إصلاحُك بين المتخاصمينَ وتقريبُك بين وجهةِ النظر، وإسعافُك للضعيف، والكلمةُ الطيبةُ كلُّها أعمالٌ صالحة».

إكرامُك لليتيم، وإحسانُك، وتأديبُه عملٌ صالحٌ تلقى اللهَ به».

بناؤُك مسجدًا ومشاركتُك في بنائِه عملٌ صالح، بناؤُك مستشفى لعلاجِ المرضى من الأعمالِ الصالحةِ والأوقافِ الخيرة، تشييدُك للمصنعِ للأمةِ تنتفعُ به عملٌ صالحٌ تلقى اللهَ به».

بقلمِك الصادق، وكلماتِك المؤثرةِ تعالجُ قضيةً بصدقٍ وإخلاص، وتنشرُ من فضيلةٍ وتحذرُ من رذيلة، وتُصلِحُ شأنَ المجتمع، وتساهمُ في بناءِ مجتمعِك المسلمِ وسلامتِه من المبادئِ الهدامةِ والآراءِ المضللةِ عملٌ صالحٌ تقربُ به إلى الله».

غرسُك للنخيلِ وزراعتُك للأرضِ أعمالٌ صالحةٌ تلقى اللهَ بها».

إنفاقُك لمالِك للضعيفِ عملٌ صالحٌ كما قال — صلى الله عليه وسلم —: ((اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ))».

أداؤُك لمسئوليتِك وإخلاصُك في أعمالِك، وأداؤُك لما ائتُمِنتَ عليه، أعمالٌ صالحة، نصحُك للمجتمعِ وتوجيهُك لهم، وتحذيرُهم من مبادئِ الشرِّ والفساد، وتذكيرُهم بنعمِ اللهِ عليهم من أمنِهم واستقرارِهم ورغدِ عيشِهم، وتحذيرُهم من دعاةِ السوءِ ودعاةِ الفساد، ومن أربابِ القنواتِ الملحدةِ والآراءِ المضللةِ كلُّ هذه أعمالٌ صالحة».

● الأعمالُ المستمرةُ بعد الموت .

« إنَّ شمولَ هذا العملِ الصالحِ يتجاوزُ الحياةَ الدنيا كلَّها إلى ما وراءَها؛

عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: ((إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، وَعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ))» <رواه مسلم في كتاب الوصية، باب: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، (٣/ ١٢٥٥) (١٦٣١)> — فما أعظمَ هذه الثلاثة! صدقةٌ جاريةٌ تُثمرُ لك بعد موتِك، وعلمٌ نافعٌ يُنتفَعُ به من بعدِك، وولدٌ صالحٌ يدعو لك في ظُلمةِ القبر.

● العملُ الصالحُ في رمضان — موسمٌ من مواسمِ الخير .

«إنَّ من فضلِ اللهِ ورحمتِه بعبادِه: أن يسَّرَ لهم مواسمَ خيرٍ يستكثرونَ فيها من الطاعاتِ والقربات، تُضاعفُ فيها الأجور، وتُكفَّرُ فيها السيئات، وتُقالُ فيها العثرات، ويعتِقُ اللهُ فيها من شاءَ من عبادِه من النيران، ومن هذه المواسمِ شهرُ رمضان».

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة، رقم: ١٨٣]

— غايةٌ الصيام التقوى. فمن صامَ ولم يتقِ فقد ضيَّعَ غايةَ الصيام.

وقال سبحانه :

﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة، رقم: ١٨٤]

— خيرٌ يجهلُه كثيرون، مع أنهم يرونَ أثرَه في الصحةِ والنفسِ والمجتمع.

وقوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة، رقم: ١٨٤] — أيامٌ قليلة، لكنها عند اللهِ عظيمة، وفي الميزانِ ثقيلة، وفي الأجرِ مضاعفة.

«وينبغي للمؤمن أن يستقبلَ أيامَه ولياليَه بالأعمالِ الصالحة، فما هي إلا ليالٍ معدودةٌ ثم تنقضي».

ومن هذه الأعمالِ الصالحةِ في رمضان:

• قراءةُ القرآنِ الكريمِ وتدبرُه

قال تعالى:

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة، رقم: ١٨٥] فحقيقٌ بمن أرادَ شرفَ رمضانَ أن يُعظِّمَ القرآنَ فيه تلاوةً وتدبرًا.

«قال بعضُ أهلِ العلم: إنَّ اللهَ عقَّبَ بالفاءِ السببيةِ التي تفيدُ التعليلَ ليبيِّنَ أنَّ سببَ اختيارِ رمضانَ ليكونَ شهرَ الصومِ هو إنزالُ القرآنِ فيه».

وقال تعالى:

﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر، رقم: ١] — والليلةُ التي نزلَ فيها القرآنُ هي أفضلُ ليالي العام، فجمعَ اللهُ لهذا الشهرِ شرفَ الزمانِ وشرفَ القرآن.

«وكان الإمامُ مالكٌ إذا أقبلَ رمضانُ توقفَ عن التأليفِ والدروسِ وقال: إنما هو إطعامُ طعامٍ، وقراءةُ قرآن. كان بعضُ السلفِ يختمُ القرآنَ في كلِّ ثلاثِ ليالٍ، وبعضُهم في كلِّ سبع، وكان قتادةُ يختمُ في كلِّ سبعٍ دائمًا، فعلى أقلِّ تقديرٍ أن يختمَ الصائمُ القرآنَ ولو مرةً واحدةً في رمضان».

• الصدقةُ وإطعامُ الطعامِ وتفطيرُ الصائمين .

قال تعالى:

﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة، رقم: ٢٧٤]

— ينفقونَ بالليلِ والنهار، سرًّا وعلانية؛ أي في كلِّ وقتٍ وفي كلِّ حال.

وعَن أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قال: انتهيتُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَلَمَّا رَأَىنِي قَالَ: ((هُمُ الْأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ))، قال: فجئتُ فَجَلَسْتُ فَلَمْ أَتَقَارَّ أَنْ قُمْتُ فَقُلْتُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي مَنْ هُمْ؟ قَالَ: ((هُمُ الْأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا)) من بينِ يديه ومن خلفِه وعن يمينِه وعن شمالِه ((وَقَلِيلٌ مَا هُمْ)) <صحيح البخاري (ص ١٢٦٨ برقم ٦٦٣٨)، وصحيح مسلم (ص ٣٨٤ برقم ٩٩٠) واللفظُ له>

— إنهم الأخسرونَ لأنهم جمعوا المالَ ومنعوه، إلا من أعطى يمينًا وشمالًا وأمامًا وخلفًا — فقليلٌ ما هم!

قال ابنُ القيم رحمه الله: «وكان العطاءُ والصدقةُ أحبَّ شيءٍ إليه صلى الله عليه وسلم، وكان سرورُه وفرحُه بما يعطيه أعظمَ من سرورِ الآخذِ بما يأخذه، وكان أجودَ الناسِ بالخير، يمينُه كالريحِ المرسلة» <زاد المعاد (٢/ ٢٢-٢٣) بتصرف>.

وعَن أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((مَا يَسُرُّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهَبًا تَمْضِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ إِلَّا شَيْئًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ)) <صحيح البخاري (ص ١٢٣٧ برقم ٦٤٤٤)، وصحيح مسلم (ص ٣٨٤ برقم ٩٩١)>

وقال تعالى:

﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان، رقم: ٨-٩]

— إطعامٌ على حبِّ المال ، أي مع شدةِ الحاجةِ إليه، ومع ذلك لا يريدونَ جزاءً ولا شكورًا.

وعَن أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، أَعَدَّهَا اللهُ لِمَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَفْشَى السَّلَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ)) <صحيح ابن حبان (ص ١٣٩ برقم ٥٠٩)>

— غرفٌ يُرى ظاهرُها من باطنِها! أعدَّها اللهُ لمن أطعمَ الطعام، وأفشى السلام، وصلَّى بالليلِ والناسُ نيام.

وعَن زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْءٌ)) <مسند الإمام أحمد (٢٨/ ٢٦١) برقم ١٧٠٣٣، وقال محققوه: صحيح لغيره> — أجرٌ كاملٌ لمن فطَّرَ صائمًا، دون أن ينقصَ من أجرِ الصائمِ شيء.

• قيامُ الليلِ والتراويح

قال تعالى:

﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة، رقم: ١٦-١٧]

— العبادة ليلا أجرٌ مخفيٌّ لا يعلمُه إلا الله! فلا تظنَّ أنَّ سهرَك في القيامِ يضيعُ هباءً.

وعَن أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَهُوَ قُرْبَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ لِلْإِثْمِ)) <سنن الترمذي (ص ٥٥٨ برقم ٣٥٤٩)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٣/ ١٧٨) برقم ٣٨٠١>

— أربعُ ثمراتٍ في حديثٍ واحد: دأبُ وصفة الصالحين، وقُربةٌ إلى الله، وتكفيرٌ للسيئات، ومنعٌ من الإثم.

وعَن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قال: جاءَ جبريلُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: ((يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ)) <المعجم الأوسط للطبراني (٤/ ٣٠٦) برقم ٤٢٧٨، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ٤٨٥): إسنادُه حسن>

— شرفُ المؤمنِ قيامُ الليل! فمن أرادَ الشرفَ فليقمْ بين يدي اللهِ في جوفِ الليل.

وعَن أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ)) <سنن الترمذي (ص ١٥١ برقم ٨٠٦)، وقال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح>

— فاحرصْ على القيامِ مع الإمامِ حتى ينصرف، ولا تنصرفْ قبله.

• الإكثارُ من الذكرِ والتسبيح

· عَن عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا))، فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ)) <أخرجه الترمذي (٢٥٢٧)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (١٢٣٢)>.

وعَن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ، أَوْ قَالَ: حَتَّى يُحْكَمَ بَيْنَ النَّاسِ)) <أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٢٤٣١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٤٥١٠)>.

وعَن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ)) قَالُوا: وَكَيْفَ؟ قَالَ: ((كَانَ لِرَجُلٍ دِرْهَمَانِ تَصَدَّقَ بِأَحَدِهِمَا وَانْطَلَقَ رَجُلٌ إِلَى عُرْضِ مَالِهِ فَأَخَذَ مِنْهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا)) <أخرجه النسائي في الكبرى (٢٥٢٦)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٣٦٠٦)>

— درهمٌ سبقَ مائةَ ألفِ درهم! لأنَّ الأولَ تصدَّقَ بكلِّ ما يملكُ إلا درهمًا، والثاني تصدَّقَ ببعضِ مالِه.

وعَن أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: ((يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى)) <أخرجه مسلم (٨٤)>

— كلُّ تسبيحةٍ صدقة، وكلُّ تحميدةٍ صدقة، وكلُّ تهليلةٍ صدقة، وكلُّ تكبيرةٍ صدقة. فما أعظمَ هذا الدين! وما أوسعَ أبوابَ الخير!

• صيامُ التطوع

عَن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((الصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَحِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ النَّارِ)) <أخرجه أحمد (٩٢٢٥)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٣٨٧٩)>

— جُنَّةٌ وحصنٌ حصينٌ من النار! فمن صامَ فقد تحصَّنَ من النار.

وعَن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ)) <أخرجه البخاري (١٨٩٦)، ومسلم (١٦٦)>

— بابٌ خاصٌّ للصائمين، يُنادى عليهم: أين الصائمون؟ فيقومونَ ويدخلون، فإذا دخلوا أُغلقَ فلا يدخلُ منه أحد.

وعَن أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: مُرْنِي بِأَمْرٍ آخُذُهُ عَنْكَ، قَالَ: ((عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ)) <أخرجه النسائي (٢٢٢٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٤٠٤٤)>

— «لا مثلَ له»! كلمةٌ جامعةٌ تُغني عن كلِّ وصف.

وعَن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ بَعَّدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا)) <أخرجه البخاري (٢٨٤٠)، ومسلم (١٦٨)>

— يومٌ واحدٌ يُبعِدُ وجهَك عن النارِ سبعينَ خريفًا! فكيف بمن صامَ شهرًا كاملًا؟

• قضاءُ حوائجِ الناس

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ لِلَّهِ أَقْوَامًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، وَيُقِرُّهَا فِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا عَنْهُمْ وَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ)) <أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٧٢٥٦)، وابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج (ص ٢)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٢١٦٤)>

— من بذلَ نعمةَ اللهِ في قضاءِ حوائجِ الناسِ أقرَّها اللهُ له وزادَه، ومن منعَها نُزعت منه وحُوِّلت إلى غيرِه

image 106

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى