قصة شجرة الدر وعز الدين أيبك حين يتحول الصراع على السلطة إلى صراع على الحب والسيطرة.
- فقصة شجرة الدر وعز الدين أيبك ليست مجرد حكاية ملكة وسلطان بل هي قصة عن السلطة والخوف من فقدان المكانة والصراع على النفوذ والغيرة والقرارات التي قد تتحول إلى مأساة عندما تتداخل المشاعر مع المصالح
- وهوضح القصة من زاوية علم النفس وخاصة من خلال مفهوم النرجسية والتعلق المرضي والسيطرة العاطفية لكن مع ضرورة التمييز بين التحليل النفسي المعاصر وبين الحقائق التاريخية فلا نستطيع تشخيص شخصيات تاريخية تشخيصًا سريريًا من أحداث حياتها وح
كتبت/ د. سوزان حسين
فقصة شجرة الدر وعز الدين أيبك ليست مجرد حكاية ملكة وسلطان بل هي قصة عن السلطة والخوف من فقدان المكانة والصراع على النفوذ والغيرة والقرارات التي قد تتحول إلى مأساة عندما تتداخل المشاعر مع المصالح.
وهوضح القصة من زاوية علم النفس وخاصة من خلال مفهوم النرجسية والتعلق المرضي والسيطرة العاطفية لكن مع ضرورة التمييز بين التحليل النفسي المعاصر وبين الحقائق التاريخية فلا نستطيع تشخيص شخصيات تاريخية تشخيصًا سريريًا من أحداث حياتها وحدها
♦️أولًا من هي شجرة الدر؟
كانت شجرة الدر أمرأة ذات نفوذ أستثنائي في تاريخ مصر الوسيط برز دورها في أواخر العصر الأيوبي خاصة أثناء وفاة السلطان الصالح أيوب خلال الحملة الصليبية السابعة سنة ١٢٤٩م حين ساهمت في إدارة شؤون الدولة في ظرف بالغ الخطورة.
وبعد وفاة توران شاه سنة ١٢٥٠م تولت السلطنة لفترة قصيرة ثم تنازلت عن العرش وتزوجت عز الدين أيبك الذي أصبح أول سلاطين دولة المماليك في مصر.
لكن الزواج لم يكن مجرد علاقة عاطفية فقد كان أيضًا أرتباطًا سياسيًا في مرحلة أنتقالية شديدة الأضطراب وكان لكل طرف نفوذه وطموحاته وحساباته.
♦️ثانيًا كيف بدأت نهاية العلاقة بين شجرة الدر وأيبك؟
مع مرور السنوات لم يعد الصراع بين شجرة الدر وأيبك متعلقًا بالزواج وحده بل أصبح صراعًا على من يمتلك القرار الحقيقي في الدولة.
كانت شجرة الدر قد أعتادت ممارسة السلطة بينما كان أيبك يسعى إلى تثبيت حكمة وبناء تحالفات سياسية وعسكرية تضمن له الأستمرار.
ثم جاءت نقطة التحول الكبرى عام ١٢٥٧م عندما قرر أيبك الزواج من أبنة بدر الدين لؤلؤ حاكم الموصل في إطار تحالف سياسي وقد رأت شجرة الدر في هذه الخطوة تهديدًا لمكانتها ونفوذها وسط خلافات سابقة بينهما.
✍️وهنا أصبح السؤال:
هل كان دافعها الغيرة العاطفية أم الخوف من فقدان السلطة أم الشعور بالخيانة أم مزيجًا من كل ذلك؟
💡لا يمكن الجزم بدافع واحد لكن هذه العوامل تساعدنا على فهم السياق الذي وقعت فيه المأساة.
♦️ثالثًا هل كانت شجرة الدر شخصية نرجسية؟
💡من منظور علم النفس يمكننا تحليل بعض السلوكيات المنسوبة إليها تاريخيًا لكن لا يصح أن نجزم بأنها كانت مصابة بأضطراب الشخصية النرجسية.
✨️هناك فرق بين الطموح وحب السلطة وبين النرجسية بوصفها نمطًا نفسيًا مستمرًا.
ومن تحليلي يرجع ذلك لعدة نقاط
١. التمسك بالمكانة والنفوذ
قد يشعر الإنسان الذي بنى هويته حول النجاح والسيطرة بأن فقدان منصبه ليس مجرد خسارة عملية بل تهديد لقيمته وصورته عن نفسه وفي حالة شجرة الدر كان تراجع نفوذها المحتمل مرتبطًا أيضًا بمستقبلها السياسي وأمنها.
١. الحساسية تجاه الرفض أو الأستبدال
عندما يعتقد شخص أن شريكه سيستبدله بآخر قد يشعر بالغيرة أو الإهانة أو الخوف من الهجر لكن هذه المشاعر وحدها لا تعني النرجسية ولا تبرر إيذاء الطرف الآخر.
٣. الخوف من فقدان السيطرة
في العلاقات التي تتشابك فيها المصالح الشخصية مع النفوذ قد يتحول الخلاف إلى محاولة لفرض الإرادة بدلًا من التفاوض وإذا أعتقد أحد الطرفين أن خسارته للمكانة تهدد مستقبله فقد يلجأ إلى قرارات أنتقامية أو مدمرة.
♦️هذه أحتمالات تفسيرية وليست إثباتًا لما كان يدور داخل نفس شجرة الدر كما أن سلوك أيبك وطموحه السياسي جزء أساسي من القصة ولا ينبغي أقتصار الأزمة في شخصية المرأة وحدها.
♦️رابعًا لماذا قررت شجرة الدر قتل عز الدين أيبك؟
وفقًا للروايات التاريخية الشائعة دبرت شجرة الدر قتل أيبك على يد خدمها وقُتل أثناء أستعداده للأستحمام بعد ممارسة لعبة الكرة وتذكر مصادر تاريخية أن مقتله وقع في أبريل عام 1257م بينما تختلف بعض الروايات في تفاصيل الحادثة والمسؤوليات المحيطة بها.
✨️يمكن فهم قرارها من خلال ثلاثة محاور محتملة:
* الخوف من الإقصاء فزواج أيبك الجديد كان يمكن أن يغير توازن القوى داخل القصر.
* الصراع على السلطة فلم تكن العلاقة زوجية فقط بل كانت شجرة الدر صاحبة نفوذ سياسي سابق وكان أيبك يسعى إلى ترسيخ سلطته الخاصة.
* الشعور بالخيانة وفقدان الأمان فربما أجتمعت مشاعر الغيرة والتهديد السياسي لكن لا نستطيع تحديد وزن كل منها على وجه اليقين.
والأهم نفسيًا أن الشعور بالخيانة لا يؤدي بالضرورة إلى العنف معظم من يتعرضون للرفض أو الخذلان لا يرتكبون جرائم إنما يصبح الخطر أكبر عندما تتضافر عوامل متعددة مثل الرغبة في الأنتقام والتفكير المتصلب وغياب الضوابط الأخلاقية والقانونية والأعتقاد بأن السيطرة أهم من حياة الآخر.
♦️خامسًا هل كانت جريمة قتل أيبك نهاية أنتصار شجرة الدر؟
على العكس كان قتل أيبك بداية أنهيارها السياسي.
لم تتمكن شجرة الدر من تثبيت سلطتها بعد مقتله وتولى أبنه المنصور علي السلطنة بدعم من المماليك وبعد أيام قُتلت شجرة الدر نفسها عام 1257م في نهاية مأساوية لأمرأة كانت قد وصلت إلى قمة السلطة في مصر.
وهنا تظهر مفارقة القصة أن المرأة التي خاضت صراعًا للحفاظ على نفوذها وأنتهت إلى قرار التخلص من زوجها لم تستطع السيطرة على النتائج التي ترتبت على ذلك القرار.
لم يكن قتل أيبك ضمانًا لبقاء سلطتها بل ساهم في تقويض موقعها وكشف حدود قدرتها على التحكم في موازين القوى المحيطة بها.
♦️سادسًا الدرس النفسي من قصة شجرة الدر وأيبك
✨️من منظور الصحة النفسية والإرشاد الأسري يمكن أستخلاص عدة دروس مهمة:
* الحب ليس امتلاكًا فلا يحق لأي طرف أن يتحكم في حياة الآخر أو يفرض عليه قراراته بالقوة.
* الغيرة ليست دليلًا على الحب قد تكون الغيرة شعورًا طبيعيًا لكنها تصبح مؤذية عندما تتحول إلى مراقبة أو تهديد أو أنتقام.
* الخوف من الفقد قد يشوه الحكم على الأمور حين يختلط التهديد العاطفي بالمصلحة الشخصية قد يتخذ الإنسان قرارات لا يمكن إصلاح عواقبها.
* القوة الحقيقية هي القدرة على ضبط النفس فليست القوة في فرض الإرادة أو إقصاء المنافس بل في التعامل مع الخلاف دون تدمير الذات أو الآخرين.
* لا يجوز أستخدام التشخيص النفسي لتبرير الجريمة حتى لو وجدت سمات نرجسية لدى شخص ما فإن ذلك لا يثبت أنه سيصبح عنيفًا ولا يعفيه من المسؤولية عن أفعاله.
وفي النهاية حابة أوضح :
إن قصة شجرة الدر وعز الدين أيبك تضعنا أمام سؤال إنساني عميق وهو ماذا يحدث عندما يصبح الحفاظ على المكانة أهم من الحفاظ على العلاقة وعندما يتحول الخوف من الفقد إلى رغبة في السيطرة؟
ربما لم تكن المأساة مجرد غيرة امرأة من زواج زوجها ولا مجرد صراع بين سلطان وملكة سابقة بل كانت نتيجة تشابك الحب والمصلحة والسلطة والخوف في زمن لا يرحم الضعفاء ولا يتسامح مع أختلال موازين القوة.
ومن منظور الصحة النفسية فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي علاقة هو أن يعتقد أحد الطرفين أن خسارة الآخر تعني خسارة ذاته وأن إيذائه هو الطريق الوحيد لأستعادة السيطرة.
فالعلاقة الصحية لا تُبنى على أمتلاك الآخر ولا تُحمى بالأنتقام ولا تُقاس بقوة السيطرة عليه بل تقوم على الأحترام والحدود الواضحة والقدرة على تقبل الرفض والأنفصال دون تحويل الألم إلى أذى.
وهختم المقالة بسؤال وهو هل كان قرار شجرة الدر بقتل أيبك تعبيرًا عن الغيرة العاطفية أم خوفًا من فقدان السلطة أم أن الصراع على النفوذ جعلها ترى في التخلص منه مخرجًا؟ وأين تنتهي مشاعر الإنسان المشروعة وأين تبدأ مسؤوليته عن قراراته؟
الإجابة من منظوري للصحة النفسية والإرشاد الأسري:
في تقديري لم يكن قرار شجرة الدر بقتل عز الدين أيبك ناتجًا عن الغيرة العاطفية وحدها بل يُحتمل أنه كان نتيجة تداخل ثلاثة عوامل رئيسية منها الخوف من فقدان السلطة والشعور بالتهديد والصراع على المكانة والنفوذ.
فشجرة الدر لم تكن زوجة تخشى زواج زوجها من أمرأة أخرى فحسب بل كانت أمرأة وصلت إلى قمة الحكم ثم أصبحت تواجه أحتمال تراجع نفوذها مع سعي أيبك إلى تثبيت سلطته وبناء تحالفات جديدة ولذلك قد يكون زواجه الثاني قد مثّل لها تهديدًا عاطفيًا وسياسيًا في الوقت نفسه.
لكن هل يمكن وصفها بالنرجسية؟ لا نستطيع الجزم بذلك فالنرجسية تشخيص نفسي لا يُستخلص من جريمة واحدة أو موقف تاريخي وإن كان التمسك بالسيطرة أو عدم تقبل فقدان المكانة من السلوكيات التي يمكن مناقشتها نفسيًا دون إصدار تشخيص.
أما أين تنتهي المشاعر المشروعة وتبدأ المسؤولية؟
تنتهي مشروعية المشاعر عندما تتحول إلى أعتداء على حقوق الآخرين فالغيرة شعور والغضب شعور والخوف من الخيانة شعور لكن القتل قرار وفعل يتحمل صاحبه مسؤوليته لا يمنحنا الألم الحق في إيذاء من تسبب فيه ولا يبرر الخذلان الأنتقام.
والدرس الأهم من القصة هو عندما يربط الإنسان قيمته بالسيطرة على الآخرين قد يرى في فقدان السيطرة إهانة تستوجب الأنتقام بدلًا من أن يتعامل معه بوصفه واقعًا يحتاج إلى التكيف معه.
فهل كانت شجرة الدر ضحية خوفها من فقدان السلطة أم أنها أصبحت أسيرة رغبتها في الأحتفاظ به؟
ربما أجتمعت العوامل كلها لكننا لا نستطيع معرفة دوافعها الداخلية على وجه اليقين.
وفي النهاية القوة الحقيقية ليست في القدرة على التخلص من الآخر بل في القدرة على مواجهة الخذلان دون أن نفقد إنسانيتنا أو ندمّر أنفسنا والآخرين.
دكتورة سوزان حسين عبدالدايم
أستشاري الصحة النفسية والإرشاد الأسري وتعديل السلوك








