رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الفعل في اللغة العربية: بنيته وأقسامه ودلالاته
- رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الفعل في اللغة العربية: بنيته وأقسامه ودلالاته
- بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
- مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
- رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الفعل في اللغة العربية: بنيته وأقسامه ودلالاته
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
الفعل في اللغة العربية: بنيته وأقسامه ودلالاته
تمهيد
يحتلّ الفعل مكانة مركزية في النظام النحوي والدلالي للغة العربية؛ إذ يمثل أحد المكوّنات الأساسية للجملة، ويضطلع بوظيفة التعبير عن الحدث وربطه بالزمن والفاعل أو المسند إليه. وإذا كان الاسم يدلّ في الأصل على معنى مستقل عن الزمن، فإن الفعل يتميز باقتران معناه بزمان مخصوص، ولذلك كان الزمن من أبرز المقومات التي يقوم عليها التصنيف التقليدي للأفعال العربية.
وقد أولى النحاة العرب الفعل عناية كبيرة منذ المراحل الأولى لنشأة الدرس النحوي، فبحثوا في أقسامه، وأبنيته، وإعرابه، وتصريفه، وعلاقته بالفاعل والمفعول به، كما درسوا الظواهر التي تلحقه من حذف وزيادة وإعلال وإبدال وإدغام. غير أن دراسة الفعل لا تقتصر على الجانب الصرفي والنحوي؛ إذ يكشف التحليل الدلالي والتداولي عن قدرته على تنظيم الحدث داخل الخطاب، وتحديد علاقته بالزمن والجهة والفاعلية.
أولًا: مفهوم الفعل
عرّف النحاة الفعل باعتباره كلمة تدل على معنى في نفسها وتقترن بأحد الأزمنة. ويظهر هذا التعريف بوضوح في التصور الذي نجده عند سيبويه ومن جاء بعده، حيث يُنظر إلى الفعل باعتباره عنصرًا يدل على الحدث ويقترن بالزمن.
فالفعل في قولنا: «كتبَ الطالبُ الدرسَ» يدل على حدث الكتابة، ويشير في الوقت نفسه إلى وقوع هذا الحدث في الزمن الماضي.
غير أن مفهوم الفعل في الدراسات اللسانية الحديثة أوسع من مجرد اقترانه بالزمن؛ فهو بنية لغوية تساهم في بناء الحدث وتمثيله، وتحدد علاقاته بالمشاركين فيه، مثل الفاعل والمفعول والمتلقي والمكان وغيرها.
ثانيًا: أقسام الفعل في العربية
يقسم النحاة العرب الفعل إلى ثلاثة أقسام أساسية:
1. الفعل الماضي
وهو ما دلّ على حدوث الفعل قبل زمن التكلم، مثل:
كتبَ – جلسَ – خرجَ – قرأَ.
ويتميز الفعل الماضي في الأصل بالبناء، ومن علاماته قبوله تاء التأنيث الساكنة، نحو:
نجحتْ الطالبةُ.
وقبوله تاء الفاعل، نحو:
كتبتُ – كتبتَ – كتبتِ.
ولا يعني ارتباط الماضي بالزمن الماضي دائمًا أن دلالته الزمنية جامدة؛ فقد يستخدم الماضي في بعض السياقات للدلالة على الاستقبال، كما في قوله تعالى: ﴿أتى أمرُ الله فلا تستعجلوه﴾، حيث جاء الفعل الماضي «أتى» في سياق يتصل بالمستقبل، وهو ما يكشف عن أهمية السياق في تحديد القيمة الزمنية للفعل.
2. الفعل المضارع
يدل الفعل المضارع في الأصل على حدث يقع في زمن الحال أو الاستقبال، مثل:
يكتبُ – يقرأُ – يذهبُ – يدرسُ.
ومن أبرز خصائصه قبوله دخول أدوات النصب والجزم، مثل:
لن يذهبَ.
لم يذهبْ.
كما يدخل عليه ما يدل على الاستقبال، مثل السين وسوف:
سيكتبُ الطالبُ.
سوف ينجحُ المجتهدُ.
والفعل المضارع أكثر الأفعال العربية قابلية للتفاعل مع السياق؛ إذ يمكن أن تتحدد دلالته الزمنية من خلال القرائن اللفظية والمقامية.
3. فعل الأمر
وهو ما يدل على طلب حدوث الفعل في المستقبل، مثل:
اكتبْ – اقرأْ – اجلسْ – انتبهْ.
والأمر ليس مجرد صيغة صرفية، بل هو أيضًا وظيفة تداولية؛ فقد يدل على الطلب الحقيقي، أو الدعاء، أو الالتماس، أو النصح، أو التهديد، بحسب السياق.
ففي قولنا:
«اجتهدْ في دراستك»
يفيد الأمر النصح، بينما قد يحمل الأمر في سياق آخر معنى الالتماس أو التهديد.
ثالثًا: الفعل من المنظور الصرفي
يتميز النظام الصرفي العربي بثراء كبير في تصريف الأفعال. ويظهر ذلك في التمييز بين المجرد والمزيد.
فالفعل المجرد يتكون من أصوله الأساسية، مثل:
كتبَ – جلسَ – خرجَ.
أما المزيد فتضاف إلى بنيته حروف تؤدي غالبًا إلى تغيرات في المعنى، مثل:
أخرجَ – استخرجَ – تَعلّمَ – انكسرَ.
وتُسهم الأبنية الصرفية في توجيه الدلالة؛ فصيغة استفعل قد تفيد الطلب، كما في:
استغفرَ = طلب المغفرة.
وقد تفيد أبنية أخرى معاني المشاركة أو التعدية أو المطاوعة وغيرها.
وهذا يبين أن الصرف العربي لا يتعامل مع بنية الفعل بوصفها شكلًا صوتيًا فقط، وإنما بوصفها بنية تحمل فروقًا دلالية.
رابعًا: الفعل الصحيح والمعتل
يقسم الفعل من حيث سلامة أصوله إلى صحيح ومعتل.
فالفعل الصحيح هو ما خلت أصوله من حروف العلة، مثل:
كتبَ – جلسَ – فهمَ.
أما الفعل المعتل فهو ما كان أحد حروفه الأصلية حرف علة، مثل:
قالَ – وعدَ – سعى.
وتتفرع الأفعال المعتلة إلى أنواع معروفة في الدرس الصرفي، منها:
– المثال: وعدَ.
– الأجوف: قالَ.
– الناقص: دعا، سعى.
– اللفيف: وفى، روى.
وتكشف هذه التصنيفات عن طبيعة النظام الصرفي العربي وقدرته على التعامل مع التغيرات الصوتية التي تطرأ على بنية الكلمة.
خامسًا: الفعل المتعدي واللازم
من منظور نحوي ودلالي، ينقسم الفعل إلى لازم ومتعدٍّ.
فالفعل اللازم يكتفي بفاعله ولا يحتاج إلى مفعول به، مثل:
جلسَ الطفلُ.
ذهبَ الطالبُ.
أما الفعل المتعدي فيتجاوز أثره إلى مفعول به، مثل:
قرأَ الطالبُ الكتابَ.
كتبَ الباحثُ المقالةَ.
ولا يتعلق هذا التقسيم بالبنية النحوية وحدها، بل يرتبط أيضًا بالكيفية التي يمثل بها الفعل الحدث؛ فبعض الأفعال تقتضي مشاركًا واحدًا، بينما تستدعي أفعال أخرى مشاركين أو أكثر.
سادسًا: الفعل والفاعل
تقوم الجملة الفعلية في العربية في صورتها الأساسية على علاقة بين الفعل والفاعل، كما في:
«وصلَ المسافرُ.»
فالحدث هو «الوصول»، والمسافر هو من أسند إليه هذا الحدث.
وقد يأتي الفعل قبل الفاعل، وهو الترتيب الشائع في الجملة الفعلية:
نجحَ الطالبُ.
وقد يتقدم الفاعل:
الطالبُ نجحَ.
غير أن اختلاف الترتيب لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير المعنى المعجمي، وإنما قد يؤثر في البنية المعلوماتية للخطاب، وفي إبراز عنصر دون آخر.
سابعًا: الفعل والزمن
يعد الزمن من أهم القضايا المرتبطة بالفعل العربي. والتقسيم التقليدي إلى ماضٍ ومضارع وأمر مفيد في وصف النظام النحوي، لكنه لا يستنفد جميع القيم الزمنية التي يمكن أن يؤديها الفعل.
فالفعل الماضي قد يدل على الماضي:
وصلَ المسافرُ أمس.
وقد يدل على الاستقبال في بعض السياقات:
إذا جاءَ الشتاءُ تغيّرَ الطقسُ.
كما أن المضارع قد يدل على الحال:
يقرأُ الطالبُ الآن.
وقد يدل على المستقبل:
يسافرُ غدًا.
ومن هنا يتضح أن الزمن في اللغة لا تحدده الصيغة الفعلية وحدها، بل تتضافر في تحديده الصيغة والسياق والقرائن الزمنية.
ثامنًا: الفعل والجهة
تفرق الدراسات اللسانية الحديثة بين الزمن والجهة. فالزمن يتعلق بموقع الحدث بالنسبة إلى زمن التكلم، بينما تتعلق الجهة بكيفية تقديم الحدث: أهو مكتمل، أم مستمر، أم متكرر، أم على وشك الوقوع؟
وتستطيع العربية التعبير عن جوانب مختلفة من الحدث من خلال وسائل لغوية متعددة، مثل:
كان يكتبُ للدلالة على الاستمرار في الماضي.
ما زال يكتبُ للدلالة على استمرار الحدث.
قد كتبَ للإشارة إلى تحقق الحدث في سياق معين.
وهكذا فإن الفعل يدخل في شبكة أوسع من العلاقات الزمنية والجهية داخل الخطاب.
تاسعًا: الفعل في بناء المعنى
لا يمكن فهم الفعل بمعزل عن بقية عناصر الجملة؛ فاختيار فعل معين قد يغيّر طريقة تمثيل الحدث.
فثمة فرق دلالي بين:
كسرَ الطفلُ الزجاجَ.
و:
انكسرَ الزجاجُ.
في الجملة الأولى يبرز الفاعل بوصفه محدثًا للحدث، بينما تركز الثانية على حدوث الانكسار دون إبراز من أحدثه.
وهذا يبين أن الاختيار بين المبني للمعلوم والمبني للمجهول، وبين الأفعال المتعدية واللازمة، ليس اختيارًا شكليًا فقط، بل هو أيضًا اختيار في طريقة بناء الحدث وتقديمه إلى المتلقي.
عاشرًا: الفعل في الدراسات اللسانية الحديثة
انتقلت الدراسات الحديثة من النظر إلى الفعل بوصفه مجرد «كلمة» ذات علامة زمنية إلى اعتباره عنصرًا مركزيًا في بناء الجملة والحدث.
ففي اللسانيات التوليدية، يدرس الفعل ضمن البنية التركيبية وعلاقته بمختلف المكونات، ولا سيما الفاعل والمفعول والمتممات.
أما في اللسانيات الوظيفية، فينظر إلى الفعل باعتباره جزءًا من بناء تواصلي يؤدي وظيفة في تنظيم الرسالة وتحديد العلاقات بين المشاركين في الحدث.
وفي المقاربات الدلالية، تبرز قضايا مثل بنية الحدث، والأدوار الدلالية، والتعدية، والفاعلية، وهي قضايا تكشف أن دراسة الفعل تتجاوز التصنيف النحوي التقليدي إلى تحليل كيفية بناء التجربة الإنسانية في اللغة.
خاتمة
يظهر من خلال هذا العرض أن الفعل العربي بنية لغوية مركبة تتداخل فيها المستويات الصرفية والنحوية والدلالية والتداولية. فهو يدل على الحدث، ويرتبط بالزمن، ويسهم في تحديد العلاقات بين عناصر الجملة، كما تتغير دلالته بحسب صيغته الصرفية والسياق الذي يرد فيه.
وقد قدم النحو العربي القديم وصفًا دقيقًا لأقسام الفعل وأحكامه وتصريفاته، بينما وسعت الدراسات اللسانية الحديثة مجال النظر إليه، فربطته ببنية الحدث، والزمن والجهة، والأدوار الدلالية، والبنية التركيبية والتواصلية.
ومن ثم فإن الفعل لا ينبغي أن يُدرس باعتباره مجرد قسم من أقسام الكلمة، بل باعتباره محورًا أساسيًا في بناء الجملة العربية وتمثيل الحدث وإنتاج المعنى.
مراجع
– سيبويه، الكتاب، تحقيق عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة.
– ابن جني، الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
– ابن هشام الأنصاري، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، دار الفكر.
– ابن عقيل، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، دار التراث.
– إبراهيم أنيس، من أسرار اللغة، مكتبة الأنجلو المصرية.
– تمام حسان، اللغة العربية: معناها ومبناها، عالم الكتب.
– أحمد المتوكل، الوظائف التداولية في اللغة العربية، دار الثقافة.
– محمد حماسة عبد اللطيف، بناء الجملة العربية، دار غريب.
– Noam Chomsky, Lectures on Government and Binding, Foris, 1981.
– Simon C. Dik, The Theory of Functional Grammar, Foris, 1989








