رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الأمن الفكري
- رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الأمن الفكري
- بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
- مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
- رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الأمن الفكري
بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن من أعظمَ ما يمتنُّ اللهُ به على عباده نعمةُ الأمنِ والأمانِ؛ فهي سِراجُ الحياةِ، وروحُ العمرانِ، وأساسُ كلِّ نهضةٍ وبنيانٍ، ولا تُقامُ الشعائرُ، ولا تُؤدَّى العباداتُ، ولا تُبنى الحضاراتُ، ولا تُنمَى الثرواتُ إلا في ظلالِها الوارفةِ.
وإنَّ الأمنَ في مفهومِه الشموليِّ لا يقتصرُ على حمايةِ الأنفسِ والأموالِ والأعراضِ، بل يمتدُّ ليشملَ حمايةَ العقولِ من التضليلِ، والأفكارِ من الانحرافِ، والوعيِ من الغلوِّ والتطرفِ والشائعاتِ والأفكارِ الهدَّامةِ.
وقد كان الأمنُ أولَ دعوةٍ دعا بها خليلُ الرحمنِ إبراهيمُ عليه السلامُ، فقدَّمَه على الرزقِ، بل جعلَه قرينَ التوحيدِ في دعائِه؛ وهذا معنى عظيمٌ من معاني الإيمانِ الذي جاءت به شريعةُ الإسلامِ، فمنذُ أن أشرقتْ شمسُ هذه الشريعةِ الغرَّاءِ
● الأمنُ لغةً واصطلاحًا
▪️الأمنُ في اللغةِ: ضدُّ الخوفِ، وهو سكونُ القلبِ وطمأنينتُه، وعدمُ توقُّعِ المكروه.
▪️وفي الاصطلاحِ: هو سلامةُ الإنسانِ في نفسِه ودينِه وعقلِه وعِرضِه ومالِه، وهو أحدُ الضروراتِ الخمسِ التي جاءتِ الشرائعُ السماويةُ بالمحافظةِ عليها.
● الأمنُ أعظمُ نعمِ اللهِ
إنَّ من أعظمِ نعمِ اللهِ تعالى على الإنسانِ نعمةَ الأمنِ، فهي إحدى الركائزِ الأساسيةِ لاستقرارِ المجتمعاتِ وازدهارِها، وبه تُعبَدُ اللهُ في أرضِه، وبه تُحفَظُ الدماءُ أن تُراقَ، وبه تُصانُ الأعراضُ أن تُنتهَكَ، والأموالُ أن تُسلبَ، والأرضُ أن تُغتصَبَ. وهكذا كلُّ عبادةٍ مردُّها في الأساسِ إلى نعمةِ الأمنِ.
ولقد قدَّم السياقُ القرآنيُّ نعمةَ الأمنِ على طلبِ الرزقِ والمنافعِ الماديةِ؛ فقال سبحانه على لسانِ خليلِه إبراهيمَ عليه السلامُ:
﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِۦمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنࣰا وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ﴾ [البقرة، رقم: ١٢٦].
فتأمَّلوا كيف قدَّم الأمنَ على الرزقِ؛ لأنَّ الرزقَ لا يُهنَّأُ به في غيابِ الأمنِ، ولا تُستَطابُ ثمراتُه مع الخوفِ والاضطرابِ.
وقال تعالى حكايةً عن خليلِه أيضًا:
﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنࣰا وَٱجۡنُبۡنِی وَبَنِیَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ﴾ [إبراهيم، رقم: ٣٥].
فجمعَ عليه السلامُ بين أمنينِ عظيمينِ: أمنٍ عامٍّ شاملٍ يحفظُ الأنفسَ والأموالَ والأعراضَ، وأمنٍ خاصٍّ هو أمنُ العقيدةِ من الشركِ، وسلامةُ التوحيدِ من الضلالِ، وهذا هو لبُّ الأمنِ الفكريِّ الذي ننشُدُه.
قال الفخر الرازي: (وإنما قال: ﴿بَلَدًا ءَامِنࣰا﴾ على التنكير، وقال: ﴿رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنࣰا﴾ على التعريف لوجهين: الأول: أن الدعوة الأولى وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلدًا، كأنه قال: اجعل هذا الوادي بلدًا آمًنا، والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلدًا، فكأنه قال: اجعل هذا المكان الذي صيرته بلدًا ذا أمن وسلامة؛ الثاني: أن تكون الدعوتان وقعتا بعد ما صار المكان بلدًا، وهذا إنما تذكره للمبالغة في وصفه بالحرارة؛ لأن التنكير يدل على المبالغة، فقوله: ﴿رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنࣰا﴾ معناه: اجعله من البلدان الكاملة في الأمن، وأما قوله: ﴿رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنࣰا﴾ فليس فيه إلا طلب الأمن لا طلب المبالغة) <مفاتيح الغيب: فخر الدين الرازي، ج٤، ص٥٦، ط١، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٤٢٠هـ>.
● حديثُ النعمةِ الجامعةِ
وعن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الخَطْمِيِّ، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» <رواه الترمذي وابن ماجه>.
قال المُناوي: (يعني: من جمع الله له بين عافية بدنه وأمن قلبه حيث توجه وكفاف عيشه بقوت يومه وسلامة أهله فقد جمع الله له جميع النعم التي من ملك الدنيا لم يحصل على غيرها؛ فينبغي أن لا يستقبل يومه ذلك إلا بشكرها بأن يصرفها في طاعة المنعم لا في معصية ولا يفتر عن ذكره، «فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» أي: فكأنما أعطي الدنيا بأسرها) <فيض القدير: محمد عبد الرؤوف المناوي، ج٦، ص١٣٤، ط١، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٥هـ>.
فيا لها من نعمةٍ لو تأمَّلَها العاقلُ لَعَلِمَ أنَّه لا يَعدِلُها شيءٌ في هذه الدنيا.
وقال العاقلُ الحكيمُ:
«ومَنْ رَعَى غَنَمًا في أَرْضِ مَسْبَعَةٍ *** ونامَ عَنْها تَوَلَّى رَعْيَهَا الأَسَدُ»
فتأمَّلْ كيف أنَّ التهاونَ في حفظِ النعمةِ يُعرِّضُها للضياعِ.
● امتنانُ اللهِ على قريشٍ بنعمةِ الأمنِ
وقد امتنَّ اللهُ سبحانه على قريشٍ بنعمةِ الأمنِ فقال:
﴿وَقَالُوا۟ إِن نَّتَّبِعِ ٱلۡهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفۡ مِنۡ أَرۡضِنَاۤۚ أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنࣰا یُجۡبَىٰۤ إِلَیۡهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَیۡءࣲ رِّزۡقࣰا مِّن لَّدُنَّا﴾ [القصص، رقم: ٥٧].
فأنكرَ عليهم سبحانَه تخوُّفَهم من اتباعِ الهدى بحجَّةِ الخوفِ من التخطُّفِ، وذكَّرَهم بأنَّه جعلَ لهم حرمًا آمنًا يُجبَى إليه ثمراتُ كلِّ شيءٍ.
قال القرطبي: (أي ذا أمن؛ وذلك أن العرب كانت في الجاهلية يغير بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضًا، وأهل مكة آمنون حيث كانوا بحرمة الحرم، فأخبر أنه قد أمنهم بحرمة البيت، ومنع عنهم عدوهم، فلا يخافون أن تستحل العرب حرمة في قتالهم، قال يحيى بن سلَّام يقول: “كنتم آمنين في حرمي، تأكلون رزقي، وتعبدون غيري، أفتخافون إذا عبدتموني وآمنتم بي”) <الجامع لأحكام القرآن: أبو عبد الله القرطبي، ج١٣، ص٢٩٧، ط٢، دار الكتب المصرية، القاهرة، ١٣٨٤هـ>.
● الأمنُ قرينُ الإيمانِ
وقال تعالى:
﴿فَلۡیَعۡبُدُوا۟ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَیۡتِ ٱلَّذِیۤ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعࣲ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ﴾ [قريش، رقم: ٣ – ٤].
قال أبو حيان: (فضلهم على العرب بكونهم يأمنون حيث ما حلوا، فيقال: هؤلاء قطان بيت الله، فلا يتعرض إليهم أحد، وغيرهم خائفون، والتنكير في ﴿خَوۡفِۭ﴾ لشدته، يعني آمنهم من خوف عظيم، وهو خوف أصحاب الفيل، أو خوف التخطُّف في بلدهم ومسايرهم) <البحر المحيط في التفسير: أبو حيان الأندلسي، ج١٠، ص٥٤٧، ط١، دار الفكر، بيروت، ١٤٢٠هـ>.
فانظُرْ كيف قَرَنَ اللهُ بين نعمةِ الطعامِ ونعمةِ الأمنِ؛ لأنَّهما قِوامُ الحياةِ، وعليهما مدارُ العبوديةِ.
● امتنانُ اللهِ في سورةِ العنكبوتِ
وقال تعالى مذكِّرًا قريشًا بنعمتِه عليهم:
﴿أَوَلَمۡ یَرَوۡا۟ أَنَّا جَعَلۡنَا حَرَمًا ءَامِنࣰا وَیُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنۡ حَوۡلِهِمۡۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ یُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ یَكۡفُرُونَ﴾ [العنكبوت، رقم: ٦٧].
فتأمَّلْ كيف جعلَ اللهُ الأمنَ دليلًا على وحدانيتِه، ونعمةً تستوجبُ الشكرَ لا الكفرانَ.
● التحذيرُ من كفرانِ النعمةِ
وقد حذَّرَنا اللهُ من كفرانِ النعمِ – ومنها نعمةُ الأمنِ – فقال:
﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلࣰا قَرۡیَةࣰ كَانَتۡ ءَامِنَةࣰ مُّطۡمَئِنَّةࣰ یَأۡتِیهَا رِزۡقُهَا رَغَدࣰا مِّن كُلِّ مَكَانࣲ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُوا۟ یَصۡنَعُونَ﴾ [النحل، رقم: ١١٢].
قال الزمخشري: (يجوز أن تراد قرية مقدرة على هذه الصفة، وأن تكون في قرى الأولين قرية كانت هذه حالها، فضربها الله مثلًا لمكة إنذارًا من مثل عاقبتها مطمئنة لا يزعجها خوف؛ لأن الطمأنينة مع الأمن، والانزعاج والقلق مع الخوف) <الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: أبو القاسم الزمخشري، ج٢، ص٦٣٦، ط٣، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٧هـ>.
فاحذرْ -أخي الحبيب- أن تُبدِّلَ نعمةَ الأمنِ بالخوفِ، والأمانَ بالاضطرابِ، فإنَّ الذنوبَ تُزيلُ الدولَ، وتُبدِّلُ النعمَ، وتُعقِبُ الأمنَ خوفًا.
● وعدُ اللهِ للمؤمنين
وجعلَ اللهُ الأمنَ قرينًا لأهلِ الإيمانِ في الدنيا والآخرةِ إن هم حقَّقوا الإيمانَ على الوجهِ الأكملِ؛ فقال سبحانه:
﴿وَلَیُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنࣰاۚ یَعۡبُدُونَنِی لَا یُشۡرِكُونَ بِی شَیۡءࣰاۚ﴾ [النور، رقم: ٥٥].
قال ابن عاشور: (وإنما قال: ﴿وَلَیُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنࣰاۚ﴾ ولم يقل: “وليؤمننهم” كما قال في سابقيه؛ لأنهم ما كانوا يطمحون يومئذ إلا إلى الأمن، فكانوا في حالة هي ضد الأمن ولو أعطوا الأمن دون أن يكونوا في حالة خوف لكان الأمن منة واحدة. والمقصود: الأمن من أعدائهم المشركين والمنافقين، وليس هذا الوعد بمقتضٍ أن لا تحدث حوادث خوف في الأمة في بعض الأقطار، وإنما كانت تلك المخاوف مسببات عن أسباب بشرية) <التحرير والتنوير: محمد الطاهر بن عاشور، ج١٨، ص٢٠٤، ط١، الدار التونسية للنشر، تونس، ١٩٨٤م>.
● الأمنُ في مقاصدِ الشريعةِ
فمن مقاصدِ الشرائعِ السماويةِ: المحافظةُ على الضرورياتِ الخمسِ، وهي: حفظُ النفسِ والدينِ والعقلِ والعِرضِ والمالِ، وهو الأمنُ؛ فالآمنُ لا يخافُ على نفسِه، ولا على دينِه، ولا على عقلِه، ولا على عِرضِه، ولا على مالِه.
قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ: (العقل هو أكبر المعاني، وأعظم الحواسّ نفعًا، وبه يدخل في التكليف، وهو شرط في صحة التصرفات وأداء العبادات) <مجموع الفتاوى: أحمد بن تيمية، ج٣، ص٢٨٠، ط١، مجمع الملك فهد، المدينة المنورة، ١٤٢٥هـ>.
وقال الإمامُ القرطبيُّ: (والصحيح الذي يعول عليه أن التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف، وبه يعرف الله، يفهم كلامه، ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله، إلا أنَّه لما لم ينهض بكل المراد من العبد، بعثت الرسل، وأنزلت الكتب، وفيه قيل في مأثور الحكم: ما أعطي أحد شيئًا أفضل من عقل يهديه إلى هدى، ويصده عن ردى) <الجامع لأحكام القرآن: أبو عبد الله القرطبي، ج١، ص٢٧٠، ط٢، دار الكتب المصرية، القاهرة، ١٣٨٤هـ>.
● دعاءُ إبراهيمَ عليه السلامُ
وقد علَّمَنا الخليلُ عليه السلامُ أن نبدأَ بدعاءِ الأمنِ قبلَ كلِّ شيءٍ، فقال:
﴿رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنࣰا وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ﴾ [البقرة، رقم: ١٢٦].
وقال:
﴿رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنࣰا وَٱجۡنُبۡنِی وَبَنِیَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ﴾ [إبراهيم، رقم: ٣٥].
فهذا هو الأمنُ الفكريُّ في أسمى صورِه: أمنُ العقيدةِ، وسلامةُ التوحيدِ.
مفهومُ الأمنِ الفكريِّ وحقيقتُه
● التعريفُ الاصطلاحيُّ
يتمثَّلُ الأمنُ الفكريُّ في سلامةِ فكرِ الإنسانِ من الانحرافِ والاضطرابِ، وحمايةِ عقيدتِه من الشبهاتِ المضلِّلةِ، وعقلِه من الأفكارِ الهدَّامةِ، ووعيِه من الغلوِّ والتطرفِ، بما يحقِّقُ له الطمأنينةَ على ثوابتِه الدينيةِ والأخلاقيةِ والوطنيةِ.
ولا يتحقَّقُ هذا الأمنُ إلا بفكرٍ يستنيرُ بالوحيِ، ويستندُ إلى العلمِ والبصيرةِ، ويتحرَّرُ من أسرِ الهوى والتعصُّبِ، ويزنُ الأفكارَ بميزانِ الحقِّ، بعيدًا عن الأهواءِ التي تُضلِّلُ العقولَ وتُفرِّقُ الصفوفَ.
● الأساسُ القرآنيُّ للأمنِ الفكريِّ
وقد دلَّ القرآنُ الكريمُ على الصلةِ بين الإيمانِ الصحيحِ والأمنِ والهدايةِ فقال:
﴿ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَلَمۡ یَلۡبِسُوۤا۟ إِیمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُو۟لَٰۤئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ﴾ [الأنعام، رقم: ٨٢].
قال الإمامُ أحمدُ في مسنده: لمَّا نزلت هذه الآيةُ: ﴿ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَلَمۡ یَلۡبِسُوۤا۟ إِیمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ﴾، شقَّ ذلك على الناسِ وقالوا: يا رسولَ اللهِ، فأيُّنا لا يظلمُ نفسَه؟ قال: «إِنَّهُ لَيْسَ الَّذِي تَعْنُونَ! أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿یَٰبُنَیَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِیمࣱ﴾، إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ» <مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج٣، ص٤٩٠، حديث رقم: ١٥٩٧٥، ط١، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٢١هـ>.
فتوحيدُ اللهِ بربوبيتِه وأسمائِه وصفاتِه، وتوحيدُ العبدِ للهِ بأفعالِه، يُسلِّمُ الفكرَ من الانحرافِ والزيغِ والضلالِ، وما ضلَّ من ضلَّ إلا بسببِ إهمالِ جانبِ التوحيدِ.
● التفرُّقُ سببُ الضلالِ
كما حذَّرَ من سلوكِ السبلِ التي تفضي إلى التفرُّقِ والانحرافِ فقال:
﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِی مُسۡتَقِیمࣰا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِیلِهِۦۚ﴾ [الأنعام، رقم: ١٥٣].
ونهى عن اتباعِ الهوى لما يترتَّبُ عليه من الضلالِ فقال:
﴿وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَیُضِلَّكَ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِۚ﴾ [ص، رقم: ٢٦].
فما ضلَّت الأممُ إلا حينَ اتَّبَعَتِ الأهواءَ، وتركتِ الوحيَ، وتفرَّقتْ بها السبلُ عن سواءِ السبيلِ.
● حديثُ الفرقِ والنجاةِ
وعن عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَافْتَرَقَتْ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَإِحْدَى وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ؟ قَالَ: الْجَمَاعَةُ» <رواه ابن ماجه>.
والمقصودُ بالجماعةِ: هي ما كان عليه النبيُّ ﷺ وأصحابُه، في العقيدةِ والعملِ.
وقال الشاعر:
«وما الدينُ إلا أن تُقامَ شعائرٌ *** وتُؤْمَنَ سُبْلٌ بَيْنَنَا وشِعَابُ»
فالدينُ ليس شكلياتٍ ولا مظاهرَ، بل هو منهجُ حياةٍ كاملٌ.
● التمسُّكُ بالوحي سبيلُ النجاةِ
وقد أرشدَ النبيُّ ﷺ إلى التمسُّكِ بأصولِ الهدايةِ ومصادرِها الصحيحةِ فقال: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِيشُ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» <رواه أبو داود>.
كما قرَّرَ قاعدةَ ردِّ ما يخالفُ أصولَ الدينِ بقولِه ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» <متفق عليه>.
فمن ثمَّ، فإنَّ الأمنَ الفكريَّ كما يهدفُ إلى الوقايةِ من الأفكارِ المنحرفةِ، فإنَّه يهدفُ كذلك إلى بناءِ الوعيِ الصحيحِ، وترسيخِ الفهمِ السليمِ للدينِ، وتحريرِ العقلِ من أسرِ الأهواءِ.
● قصةُ كعبِ بنِ مالكٍ: نموذجٌ للتحصينِ الفكريِّ
حصَّنَ رسولُ اللهِ ﷺ أصحابَه فكريًّا، ورسَّخَ إيمانَهم، وجمَّلَ إخلاصَهم، حتى يهجرَ النبيُّ ﷺ الثلاثةَ الذين خُلِّفوا عن غزوةِ تبوكَ، ومنهم كعبُ بنُ مالكٍ رضي الله عنه، بأمرٍ من اللهِ سبحانه تعزيرًا لهم وابتلاءً وامتحانًا، فتأتي لكعبٍ رسالةٌ من ملكِ الرومِ: بلغنا أن صاحبَك قد جفاك، فالحقْ بنا نواسِك، فيقولُ كعبٌ: هذا واللهِ من البلاءِ، ثم يحرقُها في التنورِ. إنه محصَّنٌ فكريًّا، لا تهزُّهُ الإغراءاتُ.
● قصةُ خبيبِ بنِ عديٍّ: ثباتُ القلبِ المحصَّنِ
يقالُ لأحدِهم وهو خبيبُ بنُ عديٍّ رضي الله عنه، وهو مصلوبٌ: هل تتمنى أن محمدًا مكانَك؟ فيقولُ: لا أتمنى أنه يُشاكُ بشوكةٍ وأنا في أهلي.
● قصةُ أمِّ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ: التضحيةُ بالدنيا لأجلِ الدينِ
تقولُ أمُّ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ رضي الله عنه الكافرةُ له: ارجع عن دينِك أو أتركُ الطعامَ والشرابَ. فيقولُ: لو أن لك مائةَ نفسٍ خرجت نفسًا نفسًا على أن أتركَ الإسلامَ ما تركتُه.
● قصةُ الصحيفةِ: وحدةُ مصدرِ التلقِّي
حصَّنَهم ﷺ بتوحيدِ مصدرِ التلقِّي عند الصحابةِ، فلا الأحبارُ ولا الرهبانُ ولا السحرةُ ولا الكهنةُ مصادرُ صحيحةٌ للتلقِّي عنهم أو الأخذِ منهم، أما أهلُ الكتابِ فشنَّ القرآنُ الكريمُ عليهم حملةً شعواءَ بما بدَّلوا كلامَ اللهِ سبحانه، ولما رأى النبيُّ ﷺ صحيفةً من التوراةِ في يدِ عمرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه غضبَ وقال: «وَاللَّهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي».
فالمبتدئون ليسوا مؤهَّلينَ للتعرضِ للفتنةِ، والواجبُ على المسلمِ أن يكونَ مصدرُ تلقِّيهِ كتابَ اللهِ وسنةَ رسولِه ﷺ.
● حديثُ الفتنِ العارضةِ على القلوبِ
وعن حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: عَلَى قَلْبٍ أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا لَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَآخَرَ أَسْوَدَ مُرْبَادٍّ كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا» <رواه مسلم>.
فتحصينُ القلبِ بالإيمانِ هو العاصمُ من الفتنِ، وهو حصنُ الأمنِ الفكريِّ الحقيقيُّ.
● قصةُ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ: الاعتصامُ بالجماعةِ
تأمَّلْ كلامَ المؤمنِ الورِعِ الحكيمِ المجرِّبِ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ رضي الله عنه في الفتنةِ، فقد دعاه بعضُ الناسِ للخروجِ معهم، فأبى عليهم، وقال: “لا، إلا أن تعطوني سيفًا له عينان بصيرتان، ولسان ينطق بالكفر فأقتله، وبالمؤمن فأكف عنه”، وضربَ لهم سعدٌ مثلًا فقال: “مثلنا ومثلكم كمثل قوم كانوا على محجَّةٍ – أي: البيضاء الواضحة – فبينا هم كذلك يسيرون هاجت ريح عجاجة، فضلوا الطريق، فقال بعضهم: الطريق ذات اليمين، فأخذوا فيه فتاهوا وضلوا، وقال آخرون: الطريق ذات الشمال، فأخذوا فيه فتاهوا وضلوا، وقال آخرون: كنا على الطريق حيث هاجت الريح، فثبتنا، فأناخوا وأصبحوا، فذهبت الريح وتبين الطريق”.
فالاعتصامُ بالجماعةِ، ولزومُ الطريقِ المستقيمِ، هو سبيلُ النجاةِ عند الفتنِ.
الأسسُ الشرعيةُ للأمنِ الفكريِّ
● المبحثُ الأولُ: الوسطيةُ والاعتدالُ أساسُ الأمنِ الفكريِّ
▪️ حقيقةُ الوسطيةِ
تُعَدُّ الوسطيةُ والاعتدالُ من أهمِّ الأسسِ التي يقومُ عليها الأمنُ الفكريُّ؛ فبهما يستقيمُ فهمُ الإنسانِ لدينِه، ويتوازنُ فكرُه وسلوكُه، ويسلمُ من الغلوِّ والتشدُّدِ كما يسلمُ من التفريطِ والانحلالِ.
وقد أقامَ الإسلامُ منهجَه على الاعتدالِ الذي يضعُ الأمورَ في مواضعِها، ويمنحُ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، ويوازنُ بين الحقوقِ والواجباتِ، دون إفراطٍ يجاوزُ حدودَ الشرعِ، أو تفريطٍ يُخِلُّ بمقاصدِه.
▪️ الأدلةُ القرآنيةُ
وقد بيَّنَ القرآنُ الكريمُ مكانةَ الاعتدالِ في بناءِ الأمةِ فقال:
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةࣰ وَسَطࣰا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَاۤءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ [البقرة، رقم: ١٤٣].
فالأمةُ الوسطُ هي التي تشهدُ على الناسِ بالعدلِ، وتكونُ قدوةً لهم في الاعتدالِ، فلا تغلو ولا تُفرِّطُ.
وحذَّرَ من الغلوِّ الذي يُخرِجُ الدينَ عن مقصدِه فقال:
﴿یَٰۤأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُوا۟ فِی دِینِكُمۡ وَلَا تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ﴾ [النساء، رقم: ١٧١].
فتأمَّلْ كيف نُهينا عن الغلوِّ في الدينِ، وعن القولِ على اللهِ بغيرِ حقٍّ.
وقال تعالى:
﴿قُلۡ یَٰۤأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُوا۟ فِی دِینِكُمۡ غَیۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوۤا۟ أَهۡوَاۤءَ قَوۡمࣲ قَدۡ ضَلُّوا۟ مِن قَبۡلُ﴾ [المائدة، رقم: ٧٧].
فتأمَّلوا كيف قرنَ اللهُ بين الغلوِّ واتباعِ الأهواءِ؛ لأنَّ الغلوَّ في الدينِ ناتجٌ عن الهوى، لا عن العلمِ والهدى.
▪️ التوازنُ في الحياةِ
كما أرسى القرآنُ مبدأَ التوازنِ في شؤونِ الحياةِ، فنهى عن الإسرافِ والتقتيرِ فقال:
﴿وَٱلَّذِینَ إِذَاۤ أَنفَقُوا۟ لَمۡ یُسۡرِفُوا۟ وَلَمۡ یَقۡتُرُوا۟ وَكَانَ بَیۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامࣰا﴾ [الفرقان، رقم: ٦٧].
وقرَّرَ أنَّ اليسرَ ورفعَ الحرجِ من مقاصدِ التشريعِ فقال:
﴿یُرِیدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡیُسۡرَ وَلَا یُرِیدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾ [البقرة، رقم: ١٨٥].
▪️ الأدلةُ النبويةُ
وأكَّدتِ السنةُ النبويةُ هذه المعاني، فحذَّرَ النبيُّ ﷺ من الغلوِّ بقولِه: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ؛ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» <رواه النسائي>.
وقال ﷺ: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» <رواه مسلم>.
▪️ حديثُ السبيلِ والسبلِ
وقد خطَّ النبيُّ ﷺ خطًّا مستقيمًا على الأرضِ، وخطَّ حولَه خطوطًا مائلةً، ثم قال: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ، وَهَذِهِ سُبُلٌ، عَلَى كُلٍّ مِنْهَا شَيْطَانٌ»، ثم قرأَ قولَ اللهِ سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِی مُسۡتَقِیمࣰا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِیلِهِۦۚ﴾ [الأنعام، رقم: ١٥٣] <رواه أحمد والدارمي>.
فالأمنُ الفكريُّ لا يتحقَّقُ بالغلوِّ ولا بالتفريطِ، وإنما يتحقَّقُ بفهمٍ صحيحٍ يلتزمُ بالثوابتِ، ويراعي المقاصدَ، ويجمعُ بين الاستقامةِ والرحمةِ، وبين التمسُّكِ بالحقِّ وحسنِ التعاملِ مع الخلقِ.
● المبحثُ الثاني: التثبُّتُ من الأخبارِ ومحاربةُ الشائعاتِ
▪️ خطورةُ الشائعاتِ
يُعَدُّ التثبُّتُ من الأخبارِ من أهمِّ دعائمِ الأمنِ الفكريِّ، ووسائلِ حمايةِ المجتمعِ من التضليلِ والاضطرابِ؛ إذ قد تتحوَّلُ الكلمةُ التي تُنقَلُ بغيرِ تحقُّقٍ إلى شرارةٍ تُشعِلُ الفتنَ، أو وسيلةٍ لتشويهِ السمعةِ، أو سببٍ لزعزعةِ الثقةِ بين الناسِ ومؤسَّساتِهم.
وقد أصبحتِ الشائعاتُ أكثرَ خطورةً مع سرعةِ تداولِ المعلوماتِ عبر وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ، حيث تنتشرُ الأخبارُ أحيانًا قبل التحقُّقِ من صحتِها، وتُقتَطَعُ الوقائعُ من سياقاتِها، وتُروَّجُ الادعاءاتُ حتى يظنَّها الناسُ حقائقَ ثابتةً.
▪️ منهجُ الشريعةِ في التعاملِ مع الأخبارِ
ومن هنا، جاءتِ الشريعةُ الإسلاميةُ لتؤسِّسَ منهجًا راسخًا في التعاملِ مع الأخبارِ، قوامُه التثبُّتُ، وإعمالُ العقلِ، وحسنُ الظنِّ بالمؤمنين، والرجوعُ إلى أهلِ الاختصاصِ، وتحمُّلُ المسؤوليةِ عن كلِّ ما يُقالُ أو يُنشَرُ.
وقد أمرَ القرآنُ الكريمُ بالتثبُّتِ من الأخبارِ قبل بناءِ المواقفِ عليها فقال:
﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِن جَاۤءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإࣲ فَتَبَیَّنُوۤا۟ أَن تُصِیبُوا۟ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةࣲ فَتُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِینَ﴾ [الحجرات، رقم: ٦].
فتأمَّلوا كيف علَّقَ اللهُ الأمرَ بالتبيُّنِ قبل التصديقِ والنشرِ؛ لأنَّ العجلةَ في نقلِ الأخبارِ تُوقِعُ في الندمِ.
▪️ ردُّ الأخبارِ إلى أهلِ الاختصاصِ
كما وجَّهَ إلى ردِّ الأخبارِ المتعلقةِ بالأمنِ والخوفِ إلى أهلِ العلمِ والاختصاصِ والجهاتِ المعنيةِ فقال:
﴿وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰۤ أُو۟لِی ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِینَ یَسۡتَنبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ﴾ [النساء، رقم: ٨٣].
▪️ التحذيرُ من تداولِ ما لا عِلمَ به
وحذَّرَ سبحانَه من الاستهانةِ بتداولِ الأخبارِ التي لا تستندُ إلى علمٍ فقال في سياقِ حادثةِ الإفكِ:
﴿إِذۡ تَلَقَّوۡنَهُۥ بِأَلۡسِنَتِكُمۡ وَتَقُولُونَ بِأَفۡوَاهِكُم مَّا لَیۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمࣱ وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَیِّنࣰا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِیمࣱ﴾ [النور، رقم: ١٥].
فتأمَّلْ كيف جعلَ اللهُ الكلمةَ العابرةَ التي لا تُلقِي لها بالًا عظيمًا في ميزانِه سبحانَه.
وقال سبحانه:
﴿وَلَا تَقۡفُ مَا لَیۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَٰۤئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡءُولࣰا﴾ [الإسراء، رقم: ٣٦].
▪️ الأدلةُ النبويةُ
وأكَّدتِ السنةُ النبويةُ خطورةَ نقلِ الأخبارِ دون تمحيصٍ فقال النبيُّ ﷺ: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» <رواه مسلم>.
فتأمَّلْ كيف عدَّ الحديثَ بكلِّ ما يُسمَعُ كذبًا؛ لأنَّ فيه نقلًا لما لم يثبُتْ.
وقال ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» <متفق عليه>.
▪️ خطرُ الكلمةِ
كما حذَّرَ من الاستهانةِ بالكلمةِ وعواقبِها فقال: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» <رواه البخاري>.
وأرشدَ إلى ضبطِ اللسانِ بقولِه ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» <متفق عليه>.
▪️ حديثُ مجالسِ الناسِ
وعن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ: كَحَامِلِ الْمِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ، إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا مُنْتِنَةً» <رواه مسلم>.
فالجليسُ الصالحُ يُعينُك على الخيرِ، وجليسُ السوءِ يُورِدُك مواردَ الهلاكِ.
ومن ثمَّ، فإنَّ مواجهةَ الشائعاتِ مسؤوليةٌ دينيةٌ وأخلاقيةٌ ومجتمعيةٌ، تبدأُ بالتحقُّقِ من مصادرِ المعلوماتِ، وعدمِ إعادةِ نشرِ ما لم تثبُتْ صحتُه، وتجنُّبِ الخوضِ في الأعراضِ، والابتعادِ عن التسرُّعِ في إصدارِ الأحكامِ.
● المبحثُ الثالثُ: سؤالُ أهلِ الذكرِ
▪️ مكانةُ العلمِ وأهلِه
يُعَدُّ سؤالُ أهلِ الذكرِ من أهمِّ دعائمِ الأمنِ الفكريِّ؛ إذ يحمي العقولَ من الجهلِ وسوءِ الفهمِ، ويقي المجتمعَ من الفتاوى المنحرفةِ والتفسيراتِ المغلوطةِ للنصوصِ، ويُعينُ الإنسانَ على التمييزِ بين الحقِّ والباطلِ.
ومن هنا، أكَّدتِ الشريعةُ مكانةَ العلمِ وأهلِه، ودعتْ إلى الرجوعِ إلى العلماءِ الراسخينَ فيما يُشكِلُ من أمورِ الدينِ، وحذَّرتْ من القولِ على اللهِ بغيرِ علمٍ، أو تصدُّرِ غيرِ المؤهَّلينَ للفتوى والتوجيهِ.
فليس كلُّ من تكلَّمَ في الدينِ امتلكَ أدواتَ فهمِه، ولا كلُّ من رفعَ شعارَ الإصلاحِ كان قولُه قائمًا على العلمِ والبصيرةِ.
▪️ الأدلةُ القرآنيةُ
وقد وجَّهَ القرآنُ الكريمُ إلى الرجوعِ إلى أهلِ العلمِ عند الجهلِ فقال:
﴿فَسۡـَٔلُوۤا۟ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [النحل، رقم: ٤٣].
فجعلَ اللهُ سؤالَ أهلِ العلمِ طريقًا إلى العلمِ، وسبيلًا إلى رفعِ الجهلِ.
وبيَّنَ فضلَ العلماءِ ورفعةَ منزلتِهم فقال:
﴿قُلۡ هَلۡ یَسۡتَوِی ٱلَّذِینَ یَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِینَ لَا یَعۡلَمُونَۗ﴾ [الزمر، رقم: ٩].
فتأمَّلْ كيف نفى اللهُ المساواةَ بين العالمِ والجاهلِ، فالعلمُ نورٌ والجهلُ ظلامٌ.
وقال تعالى:
﴿یَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمۡ وَٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتࣲۚ﴾ [المجادلة، رقم: ١١].
▪️ التخصصُ والتفقُّهُ في الدينِ
كما أشارَ إلى أهميةِ التخصصِ والتفقُّهِ في الدينِ فقال:
﴿وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِیَنفِرُوا۟ كَاۤفَّةࣰۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةࣲ مِّنۡهُمۡ طَاۤئِفَةࣱ لِّیَتَفَقَّهُوا۟ فِی ٱلدِّینِ﴾ [التوبة، رقم: ١٢٢].
وفي المقابلِ، حذَّرَ من إصدارِ الأحكامِ الشرعيةِ بغيرِ علمٍ فقال:
﴿وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلࣱ وَهَٰذَا حَرَامࣰا لِّتَفۡتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ﴾ [النحل، رقم: ١١٦].
فتأمَّلوا كيف جعلَ اللهُ القولَ في الحلالِ والحرامِ بغيرِ علمٍ افتراءً على اللهِ.
▪️ الأدلةُ النبويةُ
وأكَّدتِ السنةُ النبويةُ هذه المعاني، فبيَّنَ النبيُّ ﷺ أنَّ الفقهَ في الدينِ علامةُ خيرٍ فقال: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» <متفق عليه>.
وحذَّرَ من تصدُّرِ الجهالِ للفتوى وما يترتَّبُ عليه من إضلالِ الناسِ فقال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» <متفق عليه>.
▪️ قولُ قتادةَ في الخرَّاصينَ
قال قتادةُ -رحمه الله-: “الخراصون هم أهل الغرة والظنون” <تفسير الطبري: محمد بن جرير الطبري، ج٢٢، ص٤٨٧، ط١، دار هجر، القاهرة، ١٤٢٢هـ>.
▪️ آيةُ الخرصِ
قال تعالى:
﴿قُتِلَ ٱلۡخَرَّٰصُونَ ٱلَّذِینَ هُمۡ فِی غَمۡرَةࣲ سَاهُونَ﴾ [الذاريات، رقم: ١٠ – ١١].
فتأمَّلْ كيف جعلَ اللهُ الخرصَ والظنَّ سببًا للهلاكِ.
فمن ثمَّ، فإنَّ تعزيزَ الأمنِ الفكريِّ يقتضي نشرَ العلمِ وتيسيرَ الرجوعِ إلى العلماءِ الموثوقينَ المعروفينَ بالعلمِ والاعتدالِ، واحترامَ التخصصِ، وعدمَ تلقِّي الأحكامِ الدينيةِ من مصادرَ مجهولةٍ، أو من خلالِ منصَّاتٍ وحساباتٍ إعلاميةٍ رقميةٍ غيرِ مسؤولةٍ.
التحدياتُ المعاصرةُ للأمنِ الفكريِّ
الغزوُ الفكريُّ
▪️ خطورةُ الغزوِ الفكريِّ
إنَّ من قضايا العصرِ المؤرقةِ، التي رمَتِ الإنسانيةَ بشررٍ، واصطلى بها العالمُ الإسلاميُّ فتحصَّلَ الضررُ؛ ذلكم الغزوُ الفكريُّ المتتابعُ، والاستهانةُ بعقولِ البسطاءِ المتراقعةِ، المصادمُ لشريعةِ الإسلامِ، والمضادُّ لهديِ خيرِ الأنامِ.
لم تنشبْ آثارُه تتأرجحُ بعقولِ بعضِ الشبابِ الأغرارِ، ومن يُغرَّرُ بهم، ويفتلُ لهم في الذُّرَى والغواربِ؛ لذا فإنَّ من أهمِّ أنواعِ الأمنِ الأمنُ الفكريُّ، بل هو لبُّ الأمنِ وركيزتُه؛ لأنَّ الأممَ والأمجادَ والحضاراتِ إنما تُقاسُ بعقولِ أبنائِها وأفكارِهم وقلوبِهم، لا بأجسادِهم وقوالبِهم.
▪️ وسائلُ الغزوِ الفكريِّ
وللهجمةِ صورٌ دينيةٌ واجتماعيةٌ وسياسيةٌ وفنيةٌ، وهدفُها واحدٌ؛ وهو إبعادُ الإسلامِ عن حياةِ الناسِ، وحصرُه وقصرُه على الاختيارِ الشخصيِّ غيرِ الملزمِ، وتحويلُه إلى شكلياتٍ لا لونَ لها ولا طعمَ ولا رائحةَ.
▪️ الأدلةُ القرآنيةُ
قال تعالى:
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّیۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوࣱ مُّبِینࣱ﴾ [البقرة، رقم: ١٦٨].
فتأمَّلْ كيف حذَّرَنا اللهُ من اتباعِ خطواتِ الشيطانِ؛ لأنها خطواتٌ مُتلاحقةٌ، تبدأُ صغيرةً ثم تتعاظمُ حتى تُهلِكَ صاحبَها.
▪️ حديثُ الفتنِ المتلاحقةِ
وعن حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ» <رواه مسلم>.
فتأمَّلْ كيف شبَّهَ النبيُّ ﷺ الفتنَ بقطعِ الليلِ المظلمِ؛ لأنها تتسللُ إلى القلوبِ تدريجيًّا حتى تُظلِمَها.
▪️ حديثُ التقليدِ الأعمى
وقال ﷺ محذِّرًا من التقليدِ الأعمى: «لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ» <متفق عليه>.
وقال ﷺ: «لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا» <رواه الترمذي>.
▪️ آيةُ الزبدِ
قال تعالى:
﴿فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَیَذۡهَبُ جُفَاۤءࣰۖ وَأَمَّا مَا یَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَیَمۡكُثُ فِی ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ یَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ﴾ [الرعد، رقم: ١٧].
فما يأتي به الغزوُ الفكريُّ من شبهاتٍ هو كالزبدِ الذي يذهبُ جفاءً، وما ينفعُ الناسَ من الحقِّ هو الذي يمكثُ في الأرضِ.
: الأمنُ الفكريُّ في البيئةِ الرقميةِ
▪️ ضرورةُ الأمنِ الفكريِّ في العصرِ الرقميِّ
أصبحَ الأمنُ الفكريُّ في عصرِ الانفتاحِ الإعلاميِّ والتواصلِ الرقميِّ ضرورةً لحمايةِ هويةِ المجتمعِ وثوابتِه، وصيانةِ عقولِ أفرادِه من التضليلِ والاستلابِ الفكريِّ.
فالتواصلُ مع الثقافاتِ المختلفةِ والانفتاحُ على معارفِ الآخرينَ ليس خطرًا في ذاتِه، بل قد يكونُ سبيلًا إلى تبادلِ الخبراتِ والاستفادةِ من التجاربِ الإنسانيةِ؛ وإنما تكمنُ الخطورةُ في تلقِّي الأفكارِ دون وعيٍ أو تمحيصٍ، أو تقليدِ الآخرينَ تقليدًا أعمى، أو تمريرِ المفاهيمِ الهدَّامةِ في صورةِ الترفيهِ أو التقدمِ أو الحريةِ.
وقد زادتْ وسائلُ التواصلِ من سرعةِ انتشارِ الأفكارِ والاتجاهاتِ، وأتاحتْ لغيرِ المتخصصينَ التأثيرَ في وعيِ الناسِ وتصوراتِهم؛ مما يجعلُ بناءَ العقلِ الناقدِ، وتعزيزَ الثقةِ بالهويةِ، والتمييزَ بين ما يُنتَفَعُ به وما يتعارضُ مع القيمِ والثوابتِ، من أهمِّ وسائلِ تحقيقِ الأمنِ الفكريِّ.
▪️ المنهجُ القرآنيُّ في تلقِّي الأفكارِ
وقد أرشدَ القرآنُ الكريمُ إلى المنهجِ الرشيدِ في تلقِّي الأفكارِ وتمييزِ صحيحِها من سقيمِها، فأثنى على أصحابِ البصيرةِ الذين يستمعونَ إلى الأقوالِ ويميزونَ بينها فقال:
﴿ٱلَّذِینَ یَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَیَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥۤۚ أُو۟لَٰۤئِكَ ٱلَّذِینَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ وَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمۡ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [الزمر، رقم: ١٨].
فالمؤمنُ الحقُّ هو الذي يستمعُ إلى كلِّ قولٍ، ثم يزنُه بميزانِ الشرعِ، ويتبعُ أحسنَه، لا الذي ينساقُ وراءَ كلِّ ما يُعرَضُ عليه.
▪️ الإعراضُ عن مجالسِ الخوضِ
وأرشدَ إلى الإعراضِ عن مجالسِ الاستهزاءِ بآياتِ اللهِ والخوضِ فيها بغيرِ حقٍّ فقال:
﴿وَإِذَا رَأَیۡتَ ٱلَّذِینَ یَخُوضُونَ فِیۤ ءَایَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ یَخُوضُوا۟ فِی حَدِیثٍ غَیۡرِهِۦۚ﴾ [الأنعام، رقم: ٦٨].
▪️ الجمعُ بين الانفتاحِ والثباتِ
وهذه النصوصُ لا تعني الانغلاقَ عن العالمِ أو رفضَ كلِّ ما يأتي من خارجِه، بقدرِ ما تعني امتلاكَ الوعيِ الذي يمكِّنُ من الانتفاعِ بالمعارفِ والتجاربِ النافعةِ، مع الحفاظِ على الهويةِ الدينيةِ والقيمِ الأخلاقيةِ، والتمييزِ بين التقدمِ الحقيقيِّ وما يُروَّجُ باسمِ التقدمِ من أفكارٍ وسلوكياتٍ ضارةٍ.
▪️ وسائلُ التواصلِ: أداةٌ للوعيِ لا للتبعيةِ
ومن ثمَّ، فإنَّ تحصينَ المجتمعِ من مخاطرِ التأثيرِ الرقميِّ يبدأُ ببناءِ شخصيةٍ واعيةٍ، واثقةٍ بدينِها وهويتِها، منفتحةٍ على المعرفةِ النافعةِ، قادرةٍ على التمييزِ والنقدِ، لا تستسلمُ للتقليدِ ولا تنساقُ وراءَ الإثارةِ والشعاراتِ.
فالأمنُ الفكريُّ لا يتحقَّقُ بمنعِ التواصلِ مع الآخرينَ، بل بإعدادِ الإنسانِ ليُحسِنَ الاختيارَ، ويميزَ بين ما يبني فكرَه وما يُضلِّلُه، ويجعلَ من وسائلِ التواصلِ أداةً للوعيِ والإصلاحِ، لا مدخلًا للتبعيةِ والاضطرابِ.
▪️ تفصيلاتُ الأمنِ المجتمعيِّ في العصرِ الرقميِّ
ومما يُهدِّدُ الأمنَ المجتمعيَّ في العصرِ الرقميِّ: الجرائمُ الإرهابيةُ ضدَّ الأوطانِ والمجتمعاتِ، والاتجارُ بالأشخاصِ واستغلالُهم لمآربَ ماديةٍ أو أخلاقيةٍ، وتعاطي المخدِّراتِ والسمومِ والمؤثِّراتِ العقليةِ، ومخالفةُ أنظمةِ الإقامةِ والعملِ والحدودِ، وإيواءُ المتسللينَ والتسترُ عليهم، ومواجهةُ الظواهرِ السلبيةِ؛ كالتسولِ وجرائمِ وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ؛ كالابتزازِ والتشهيرِ، والمقاطعِ المكذوبةِ والمفبركةِ، وما تبثُّه من الإرجافِ والشائعاتِ، والبهتانِ والافتراءاتِ، واختراقاتِ الحواسيبِ والهواتفِ المحمولةِ، والاحتيالاتِ الماليةِ والأخلاقيةِ عبر المنصَّاتِ والشبكاتِ، والرسائلِ الوهميةِ، بدعوى الثراءِ السريعِ، والتسترِ التجاريِّ، واستهدافِ أموالِ الناسِ والاحتيالِ عليهم، بشتى الوسائلِ الاعتياديةِ والرقميةِ، وكذا الاختراقاتِ الإلكترونيةِ بشتى صورِها وأنواعِها، وجرائمِ الذكاءِ الاصطناعيِّ المفبركِ، الذي أصبحَ متاحًا للجميعِ.
▪️ الأدلةُ القرآنيةُ
قال تعالى:
﴿وَلَا یَحِیقُ ٱلۡمَكۡرُ ٱلسَّیِّئُ إِلَّا بِأَهۡلِهِ﴾ [فاطر، رقم: ٤٣].
وقال تعالى:
﴿وَیَمۡكُرُونَ وَیَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَیۡرُ ٱلۡمَٰكِرِینَ﴾ [الأنفال، رقم: ٣٠].
فتأمَّلْ كيف أنَّ مكرَ الأعداءِ لا يحيقُ إلا بأهلِه، وأنَّ اللهَ خيرُ الماكرينَ.
حمايةُ الشبابِ من الاستقطابِ الفكريِّ
▪️ مكانةُ الشبابِ وخطورةُ استهدافِهم
يُعَدُّ الشبابُ من أهمِّ الفئاتِ التي ينبغي أن تتضافرَ الجهودُ لحمايتِها فكريًّا؛ فهم طاقةُ المجتمعِ المتجددةُ، وبناةُ مستقبلِه، وتمتازُ هذه المرحلةُ العمريةُ بتطلُّعِ الإنسانِ إلى اكتشافِ هويتِه، والبحثِ عن المعنى، والرغبةِ في إثباتِ الذاتِ وتحقيقِ الانتماءِ.
وقد يستغلُّ أصحابُ الأفكارِ المنحرفةِ هذه الحاجاتِ لبثِّ الكراهيةِ، وتزييفِ الوعيِ، واستدراجِ الشبابِ للانخراطِ ضمن جماعاتٍ متطرفةٍ أو اتجاهاتٍ هدَّامةٍ، مستغلِّينَ قلةَ الخبرةِ أو الشعورَ بالتهميشِ أو الرغبةَ في التميزِ.
▪️ الأدلةُ القرآنيةُ
وقد دعا القرآنُ الكريمُ إلى إقامةِ مجتمعٍ يتعاونُ أفرادُه على الخيرِ، ويقومونَ بواجبِ التوجيهِ والإصلاحِ فقال:
﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةࣱ یَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَیۡرِ وَیَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَیَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [آل عمران، رقم: ١٠٤].
كما قدَّمَ القرآنُ نموذجًا تربويًّا بليغًا في وصايا لقمانَ لابنِه، جمعَ فيه بين ترسيخِ العقيدةِ، وتوجيهِ السلوكِ، وتنميةِ الشعورِ بالمسؤوليةِ فقال:
﴿یَٰبُنَیَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱنۡهَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَاۤ أَصَابَكَۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ﴾ [لقمان، رقم: ١٧].
فتأمَّلْ كيف جمعتْ وصيةُ لقمانَ بين العبادةِ والأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ والصبرِ على الأذى.
▪️ الأدلةُ النبويةُ
وأكَّدتِ السنةُ النبويةُ أنَّ رعايةَ الأجيالِ مسؤوليةٌ مشتركةٌ لا يجوزُ التفريطُ فيها فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» <متفق عليه>.
ويشملُ ذلك مسؤوليةَ الأسرةِ في التربيةِ والاحتواءِ، والمؤسساتِ التعليميةِ في تنميةِ التفكيرِ الناقدِ، والمؤسساتِ الدينيةِ في ترسيخِ الفهمِ الصحيحِ للدينِ، والمؤسساتِ الثقافيةِ والإعلاميةِ في تقديمِ خطابٍ واعٍ يجذبُ الشبابَ إلى المعرفةِ والعملِ والبناءِ، ويحصِّنُهم من التضليلِ والاستغلالِ.
▪️ إجراءاتٌ عمليةٌ
ومن ثمَّ، فإنَّ حمايةَ الشبابِ من الاستقطابِ الفكريِّ تقتضي إجراءاتٍ عمليةً، من أبرزِها: تعزيزُ الحوارِ داخلَ الأسرةِ والمؤسساتِ التعليميةِ، وإتاحةُ المجالِ للشبابِ للتعبيرِ عن تساؤلاتِهم ومناقشةِ ما يُعرَضُ لهم من أفكارٍ، وتنميةُ قدرتِهم على التحقُّقِ من المعلوماتِ ونقدِ الخطاباتِ المتطرفةِ، وتوفيرُ أنشطةٍ علميةٍ وثقافيةٍ وتطوعيةٍ تستوعبُ طاقاتِهم، وإشراكُهم في المبادراتِ المجتمعيةِ التي تعزِّزُ شعورَهم بالمسؤوليةِ والانتماءِ.
▪️ التمييزُ بين السائلِ والمُحرِّضِ
كما ينبغي التعاملُ مع الأخطاءِ الفكريةِ بالحكمةِ والتدرُّجِ، والتمييزُ بين صاحبِ السؤالِ الباحثِ عن الفهمِ، ومن يتعمَّدُ نشرَ التحريضِ والكراهيةِ؛ فالتوبيخُ والإقصاءُ وحدَهما قد يدفعانِ بعضَ الشبابِ إلى مزيدٍ من العزلةِ، بينما يسهمُ العلمُ والحوارُ والاحتواءُ في بناءِ الثقةِ وتصحيحِ المفاهيمِ.
وبذلك تتحوَّلُ حمايةُ الشبابِ من مجردِ مواجهةٍ للأفكارِ المنحرفةِ إلى مشروعٍ متكاملٍ لبناءِ الإنسانِ الواعي، القادرِ على صيانةِ فكرِه، وخدمةِ مجتمعِه، والإسهامِ في استقرارِ وتقدمِ وطنِه.
مسؤولياتُ تحقيقِ الأمنِ الفكريِّ
● المبحثُ الأولُ: مسؤوليةُ الفردِ
▪️ مسؤوليةُ الفردِ في بناءِ الوعيِ
لا تتحقَّقُ حمايةُ الفكرِ بجهودِ المؤسساتِ وحدَها، مهما بلغتْ أهميتُها؛ فالفردُ شريكٌ أصيلٌ في بناءِ الوعيِ العامِّ، وكلما تحلَّى بالعلمِ والتثبُّتِ وحسنِ التقديرِ، أسهمَ في حمايةِ مجتمعِه من التضليلِ والاضطرابِ.
وتبدأُ هذه المسؤوليةُ من مراجعةِ الإنسانِ لأفكارِه ومصادرِ معلوماتِه، وحرصِه على التمييزِ بين الحقيقةِ والشائعةِ، وبين الرأيِ القائمِ على الدليلِ والدعوى التي تفتقرُ إلى البرهانِ، كما تظهرُ في ضبطِ اللسانِ والقلمِ، واحترامِ المخالفِ، والامتناعِ عن نشرِ ما يُثيرُ الكراهيةَ أو يُحرِّضُ على العنفِ، والمبادرةِ إلى تصحيحِ المفاهيمِ الخاطئةِ بالحكمةِ والرفقِ.
▪️ الأدلةُ القرآنيةُ
وقد قرَّرَ القرآنُ الكريمُ أنَّ الإصلاحَ يبدأُ من داخلِ الإنسانِ فقال:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ﴾ [الرعد، رقم: ١١].
وهي قاعدةٌ تؤكِّدُ أنَّ رِفعةَ المجتمعاتِ لا تنفصلُ عن إصلاحِ وعيِ أفرادِها وسلوكِهم.
كما حثَّ على التواصي بالحقِّ والصبرِ فقال:
﴿وَتَوَاصَوۡا۟ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡا۟ بِٱلصَّبۡرِ﴾ [العصر، رقم: ٣].
فليس الوعيُ مسؤوليةً فرديةً منعزلةً، بل هو أمانةٌ متبادلةٌ يتعاونُ فيها الناسُ على نشرِ المعرفةِ الصحيحةِ، والنصحِ، ومقاومةِ الخطأِ، والثباتِ على الحقِّ دون اندفاعٍ أو تعصُّبٍ.
▪️ الأدلةُ النبويةُ
وفي السنةِ النبويةِ تأكيدٌ لهذه المسؤوليةِ، قال رسولُ اللهِ ﷺ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» <رواه مسلم>.
والنصيحةُ تقتضي إرادةَ الخيرِ للناسِ، وإرشادَهم إلى الصوابِ، وتصحيحَ أخطائِهم بأسلوبٍ يجمعُ بين وضوحِ الحقِّ وحسنِ الخطابِ.
وقال ﷺ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ» <رواه مسلم>.
ويدلُّ الحديثُ على مشروعيةِ مقاومةِ الخطأِ بحسبِ الاستطاعةِ، مع مراعاةِ القدرةِ والضوابطِ الشرعيةِ، وتجنُّبِ أن يؤدِّيَ الإنكارُ إلى منكرٍ أكبرَ أو مفسدةٍ أشدَّ.
▪️ إجراءاتٌ عمليةٌ
وتتجلَّى مسؤوليةُ الفردِ بشأنِ تحقيقِ الأمنِ الفكريِّ من خلالِ إجراءاتٍ عمليةٍ، من أهمِّها: طلبُ العلمِ من مصادرِه الموثوقةِ، والرجوعُ إلى أهلِ الاختصاصِ فيما يجهلُه من القضايا الدينيةِ والفكريةِ، والتثبُّتُ قبل النشرِ والتعليقِ، وعدمُ تداولِ الأخبارِ أو المقاطعِ التي تُثيرُ الفتنةَ قبل التحقُّقِ من صحتِها وسياقِها، وضبطُ اللسانِ، والابتعادُ عن السبِّ والسخريةِ والتكفيرِ والتحريضِ على الآخرينَ، واحترامُ المخالفِ ومناقشةُ الأفكارِ بالدليلِ، والتمييزُ بين نقدِ الرأيِ والإساءةِ إلى صاحبِه، والمبادرةُ إلى تصحيحِ المفاهيمِ الخاطئةِ بالحكمةِ والرفقِ، وتجنُّبُ التشهيرِ والإحراجِ والتعاملِ المتعالي، وتعزيزُ الانتماءِ الإيجابيِّ بالمشاركةِ في خدمةِ المجتمعِ، واحترامُ الحقوقِ، والمحافظةُ على الممتلكاتِ العامةِ، والإسهامُ في نشرِ ثقافةِ التعاونِ والمسؤوليةِ.
وأن يكونَ قدوةً في الوعيِ والسلوكِ، فلا يكتفي بالدعوةِ إلى التثبُّتِ وهو ينشرُ الشائعاتِ، ولا يدعو إلى الحوارِ وهو يمارسُ التعصبَ والإقصاءَ.
وبذلك يصبحُ الفردُ عنصرًا فاعلًا في تحقيقِ الأمنِ الفكريِّ؛ يزنُ ما يسمعُ بميزانِ العلمِ، وما يقولُ بميزانِ المسؤوليةِ، وما ينشرُ بميزانِ المصلحةِ العامةِ.
● المبحثُ الثاني: مسؤوليةُ الأسرةِ والمؤسساتِ
▪️ المنظومةُ المتكاملةُ
لا يتحقَّقُ الأمنُ الفكريُّ بمجردِ التحذيرِ من الأفكارِ المنحرفةِ أو مواجهةِ آثارِها بعد انتشارِها، بل يحتاجُ إلى منظومةٍ متكاملةٍ من التربيةِ والتوجيهِ والتوعيةِ، تبدأُ من الأسرةِ، وتمتدُّ إلى المدرسةِ والجامعةِ ودورِ العبادةِ والمؤسساتِ الثقافيةِ والإعلاميةِ وسائرِ مؤسساتِ المجتمعِ.
فالفكرُ السليمُ يُبنَى بالعلمِ والحوارِ، وتصحيحِ المفاهيمِ، وتنميةِ القدرةِ على التمييزِ والنقدِ، وتوفيرِ بيئةٍ تساعدُ الإنسانَ على السؤالِ والفهمِ واتخاذِ المواقفِ على بصيرةٍ.
ومن هنا، فإنَّ حمايةَ العقولِ مسؤوليةٌ مشتركةٌ، تتطلَّبُ تنسيقَ الجهودِ وتكاملَ الأدوارِ، حتى لا يجدَ أصحابُ الأفكارِ المنحرفةِ فراغًا تربويًّا أو معرفيًّا يستغلُّونَه في التأثيرِ على الأفرادِ واستقطابِهم.
▪️ الأدلةُ القرآنيةُ
وقد قرَّرَ القرآنُ الكريمُ مسؤوليةَ الإنسانِ عن رعايةِ أسرتِه وتوجيهِها فقال:
﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ قُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِیكُمۡ نَارࣰا﴾ [التحريم، رقم: ٦].
وهي دعوةٌ إلى التربيةِ الواعيةِ التي تجمعُ بين التعليمِ والتوجيهِ والقدوةِ الحسنةِ.
كما دعا إلى التعاونِ على ما يُصلِحُ الفردَ والمجتمعَ فقال:
﴿وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ﴾ [المائدة، رقم: ٢].
ويؤسِّسُ هذانِ التوجيهانِ لضرورةِ تضافرِ الجهودِ في بناءِ الوعيِ، بحيث تؤدِّي كلُّ مؤسسةٍ دورَها في نشرِ المعرفةِ الصحيحةِ، ومواجهةِ التضليلِ، وتعزيزِ القيمِ التي تحفظُ للإنسانِ دينَه وكرامتَه، وللمجتمعِ وحدتَه واستقرارَه.
▪️ الأدلةُ النبويةُ
وأكَّدتِ السنةُ النبويةُ أنَّ الرعايةَ أمانةٌ ومسؤوليةٌ يُسأَلُ عنها الإنسانُ فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» <متفق عليه>.
كما حذَّرَ من التفريطِ في هذه الأمانةِ فقال ﷺ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» <متفق عليه>.
وتدلُّ هذه النصوصُ على أنَّ المسؤوليةَ لا تقتصرُ على توفيرِ الاحتياجاتِ الماديةِ، بل تشملُ الرعايةَ الفكريةَ والتربويةَ، وحمايةَ الناشئةِ من التضليلِ، وتقديمَ النصحِ والتوجيهِ على أساسٍ من العلمِ والرحمةِ والحكمةِ.
▪️ أدوارٌ متكاملةٌ
وتتجلَّى هذه المسؤوليةُ في أدوارٍ متكاملةٍ؛ فالأسرةُ تغرسُ القيمَ، وتفتحُ أبوابَ الحوارِ، وتتابعُ ما يتعرَّضُ له الأبناءُ من أفكارٍ ومؤثراتٍ دون تجسُّسٍ أو تضييقٍ يُفسِدُ الثقةَ بينهم، والمؤسساتُ التعليميةُ تنمِّي التفكيرَ الناقدَ، وتدرِّبُ الطلابَ على البحثِ والتحقُّقِ، وتتيحُ لهم مناقشةَ القضايا بموضوعيةٍ، ودورُ العبادةِ والمؤسساتُ الدينيةُ تقدِّمُ الفهمَ الصحيحَ للنصوصِ، وتواجهُ الغلوَّ والانحرافَ بالحجةِ والبيانِ، وتيسِّرُ الرجوعَ إلى العلماءِ المؤهَّلينَ، أما المؤسساتُ الإعلاميةُ والثقافيةُ، فعليها تحرِّي الدقةِ، ومقاومةُ الشائعاتِ وخطابِ الكراهيةِ، وتقديمُ محتوى يعزِّزُ الوعيَ والمسؤوليةَ، بدلًا من استغلالِ مخاوفِ الناسِ أو إثارةِ الانقساماتِ بينهم.
▪️ العملُ المؤسسيُّ المتكاملُ
ومن ثمَّ، فإنَّ بناءَ الأمنِ الفكريِّ يقتضي الانتقالَ من الجهودِ المتفرقةِ إلى العملِ المؤسسيِّ المتكاملِ، من خلالِ تبادلِ الخبراتِ، وتوحيدِ الرسائلِ التوعويةِ، ورصدِ المشكلاتِ الفكريةِ ومعالجتِها مبكرًا، وتدريبِ القائمينَ على التربيةِ والتعليمِ والإعلامِ على الحوارِ والتعاملِ الحكيمِ مع التساؤلاتِ والانحرافاتِ.
كما ينبغي أن تقومَ هذه الجهودُ على الجمعِ بين الوقايةِ والعلاجِ، وبين وضوحِ المبادئِ واحترامِ الإنسانِ، وألا تتحوَّلَ حمايةُ الفكرِ إلى تضييقٍ على السؤالِ أو مصادرةٍ للاختلافِ المعتبرِ، فالمجتمعُ الآمنُ فكريًّا هو الذي تتعاونُ مؤسساتُه على بناءِ إنسانٍ واعٍ، يمتلكُ المعرفةَ والبصيرةَ، ويستطيعُ مواجهةَ الأفكارِ المضلِّلةِ بالحجةِ، والإسهامَ في نهضةِ مجتمعِه واستقرارِه.
ثمراتُ الأمنِ الفكريِّ وأثرُه في المجتمعِ
: تحقيقُ الأمنِ والطمأنينةِ
يُعَدُّ الأمنُ الفكريُّ أساسًا مهمًّا لاستقرارِ المجتمعِ وتقدمِه؛ إذ يحمي العقولَ من الانحرافِ، ويعزِّزُ التماسُكَ الاجتماعيَّ، ويهيِّئُ بيئةً يسودُها التعاونُ والثقةُ واحترامُ الحقوقِ، فتتجهُ طاقاتُ الأفرادِ إلى البناءِ والإنتاجِ بدلًا من الصراعِ والانقسامِ.
ومن أهمِّ ثمراتِ الأمنِ الفكريِّ: تحقيقُ الأمنِ والطمأنينةِ، قال تعالى:
﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلࣰا قَرۡیَةࣰ كَانَتۡ ءَامِنَةࣰ مُّطۡمَئِنَّةࣰ یَأۡتِیهَا رِزۡقُهَا رَغَدࣰا مِّن كُلِّ مَكَانࣲ﴾ [النحل، رقم: ١١٢].
فتأمَّلْ كيف جعلَ اللهُ الأمنَ والطمأنينةَ مقترنينِ بالرزقِ الرغدِ؛ لأنَّهما أساسُ العمرانِ.
وقال النبيُّ ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» <رواه الترمذي>.
فالأمنُ الفكريُّ يحمي المجتمعَ من الفتنِ التي تهدِّدُ طمأنينتَه واستقرارَه.
● المبحثُ الثاني: تعزيزُ التماسُكِ الاجتماعيِّ
كما يسهمُ الأمنُ الفكريُّ في نشرِ ثقافةِ التعاونِ والتسامحِ، والحدِّ من التعصبِ والكراهيةِ، قال تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ﴾ [المائدة، رقم: ٢].
فتأمَّلْ كيف جعلَ اللهُ التعاونَ على البرِّ والتقوى أساسًا لبناءِ المجتمعِ المسلمِ.
وقال رسولُ اللهِ ﷺ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» <متفق عليه>.
فسلامةُ الفكرِ تدفعُ إلى احترامِ الآخرينَ وصيانةِ حقوقِهم، وتجعلُ من الاختلافِ سبيلًا للتفاهمِ لا التنازعِ.
وقال ﷺ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ» <رواه مسلم>.
فهذا التوجيهُ النبويُّ يؤسِّسُ لعلاقةٍ اجتماعيةٍ تقومُ على الاحترامِ والتكافلِ، ويمنعُ أن يتحوَّلَ الاختلافُ إلى مبررٍ للظلمِ أو التحقيرِ أو التخلي عن الحقوقِ.
● المبحثُ الثالثُ: تحقيقُ التنميةِ والازدهارِ
وتساعدُ الطمأنينةُ والاستقرارُ على ازدهارِ العلمِ والعملِ والإنتاجِ، وتوجيهِ الطاقاتِ إلى ما ينفعُ المجتمعَ، قال تعالى:
﴿وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰۤ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوۡا۟ لَفَتَحۡنَا عَلَیۡهِم بَرَكَٰتࣲ مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ [الأعراف، رقم: ٩٦].
فتأمَّلْ كيف ربطَ اللهُ بين الإيمانِ والتقوى وفتحِ البركاتِ من السماءِ والأرضِ.
وقال النبيُّ ﷺ: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» <رواه البخاري>.
وفيه تنبيهٌ إلى أهميةِ استثمارِ النعمِ فيما يعودُ بالنفعِ على الفردِ والمجتمعِ.
● المبحثُ الرابعُ: حمايةُ العقلِ وصيانةُ الحقوقِ
ويُنمِّي الأمنُ الفكريُّ قدرةَ الإنسانِ على التمييزِ بين الحقِّ والباطلِ، ومواجهةِ التضليلِ، ويعزِّزُ احترامَ كرامةِ الإنسانِ وحقوقِه، وقد حرَّمتِ الشريعةُ كلَّ ما يُفسِدُ العقلَ، قال تعالى:
﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَیۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسࣱ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّیۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [المائدة، رقم: ٩٠].
فتأمَّلْ كيف أمرَ اللهُ باجتنابِ كلِّ ما يُفسِدُ العقلَ؛ لأنَّ حفظَ العقلِ مقصدٌ من مقاصدِ الشريعةِ.
كما قرَّرتْ قاعدةَ منعِ الضررِ بقولِ النبيِّ ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» <رواه ابن ماجه>.
فالفكرُ السليمُ لا يبرِّرُ العدوانَ، ولا يجعلُ الاختلافَ ذريعةً لانتهاكِ الحقوقِ.
● المبحثُ الخامسُ: ترسيخُ الانتماءِ الإيجابيِّ ومواجهةُ الفتنِ
ويعزِّزُ الأمنُ الفكريُّ الانتماءَ الواعي للدينِ والوطنِ، ويحصِّنُ المجتمعَ من الشائعاتِ والتحريضِ وإثارةِ الانقساماتِ، قال تعالى:
﴿وَإِن تَصۡبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ لَا یَضُرُّكُمۡ كَیۡدُهُمۡ شَیۡـًٔاۗ﴾ [آل عمران، رقم: ١٢٠].
فتأمَّلْ كيف جعلَ اللهُ الصبرَ والتقوى حصنًا من كيدِ الأعداءِ.
وقال تعالى:
﴿وَلَا تَنَٰزَعُوا۟ فَتَفۡشَلُوا۟ وَتَذۡهَبَ رِیحُكُمۡۖ﴾ [الأنفال، رقم: ٤٦].
وفي ذلك تنبيهٌ إلى أنَّ تماسُكَ المجتمعِ ليس أمرًا ثانويًّا، بل ضرورةٌ لحفظِ قوتِه وقدرتِه على مواجهةِ التحدياتِ، وأنَّ إثارةَ الفرقةِ وإشعالَ العداواتِ تبدِّدانِ ما يملكُه من أسبابِ القوةِ والاستقرارِ.
ويتحقَّقُ الانتماءُ الصادقُ بالمشاركةِ في الإصلاحِ، واحترامِ الحقوقِ، والمحافظةِ على المصالحِ العامةِ، والنقدِ المسؤولِ الذي يقصدُ البناءَ لا الهدمَ.
صيانةُ وحدةِ المجتمعِ وثقافةُ الحوارِ
▪️ الاختلافُ سُنَّةٌ كونيةٌ
تُعَدُّ وحدةُ المجتمعِ وتماسُكُه من أبرزِ ثمارِ الأمنِ الفكريِّ؛ إذ يحولُ دون تحوُّلِ الاختلافِ في الآراءِ والاجتهاداتِ إلى خصوماتٍ تمزِّقُ الروابطَ، وتغذِّي الكراهيةَ، وتدفعُ إلى تبادلِ الاتهاماتِ والنيلِ من كرامةِ الآخرينَ.
فاختلافُ الناسِ في أفكارِهم واجتهاداتِهم أمرٌ لا تنفكُّ عنه الحياةُ الإنسانيةُ، وليس الخطرُ في وجودِ الاختلافِ ذاتِه، وإنما في إدارتِه بغيرِ علمٍ أو عدلٍ، وتحويلِه إلى تعصُّبٍ وإقصاءٍ وتنازعٍ.
ومن هنا، تبرزُ أهميةُ ترسيخِ ثقافةِ الحوارِ القائمِ على الحكمةِ وحسنِ الاستماعِ واحترامِ الكرامةِ الإنسانيةِ، والتمييزِ بين نقدِ الفكرةِ والإساءةِ إلى صاحبِها، والبحثِ عن المشتركاتِ التي تجمعُ أفرادَ المجتمعِ، مع حفظِ حقِّ الاختلافِ في المسائلِ التي تحتملُ الاجتهادَ، والالتزامِ بالثوابتِ والقيمِ التي تصونُ وحدتَه واستقرارَه.
▪️ الأدلةُ القرآنيةُ
وقد دعا القرآنُ الكريمُ إلى الاعتصامِ بأسبابِ الوحدةِ ونبذِ الفرقةِ فقال:
﴿وَٱعۡتَصِمُوا۟ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِیعࣰا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ۚ﴾ [آل عمران، رقم: ١٠٣].
فتأمَّلْ كيف أمرَ اللهُ بالاعتصامِ بحبلِه جميعًا، ونَهى عن التفرُّقِ؛ لأنَّ التفرُّقَ يُذهِبُ الريحَ ويُفقِدُ القوةَ.
وجعلَ الحكمةَ وحسنَ الخطابِ أصلًا في الدعوةِ والتواصلِ فقال:
﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِیلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُۚ﴾ [النحل، رقم: ١٢٥].
فتأمَّلْ كيف جمعَ اللهُ بين الحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ والجدالِ بالتي هي أحسنُ.
كما قرَّرَ مبدأَ العدلِ مع المخالفِ، ونهى عن أن يحملَ العداءُ الإنسانَ على الجورِ فقال:
﴿وَلَا یَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰۤ أَلَّا تَعۡدِلُوا۟ۚ ٱعۡدِلُوا۟ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ﴾ [المائدة، رقم: ٨].
فتأمَّلْ كيف أمرَ اللهُ بالعدلِ حتى مع المخالفِ؛ لأنَّ العدلَ أقربُ للتقوى.
▪️ الأدلةُ النبويةُ
وعزَّزتِ السنةُ النبويةُ هذه المعاني بتأكيدِ حرمةِ المسلمِ ووجوبِ صيانةِ كرامتِه فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ» <رواه مسلم>.
فهذا التوجيهُ النبويُّ يؤسِّسُ لعلاقةٍ اجتماعيةٍ تقومُ على الاحترامِ والتكافلِ، ويمنعُ أن يتحوَّلَ الاختلافُ إلى مبررٍ للظلمِ أو التحقيرِ أو التخلي عن الحقوقِ.
▪️ آدابُ الحوارِ
ومن ثمَّ، فإنَّ صيانةَ وحدةِ المجتمعِ وتعزيزَ ثقافةِ الحوارِ يقتضيان نشرَ آدابِ الاختلافِ في الأسرةِ والمدرسةِ والمؤسساتِ الدينيةِ والثقافيةِ والإعلاميةِ، وتدريبَ الأفرادِ على إدارةِ النقاشِ بهدوءٍ، والتمييزَ بين الخلافِ الفكريِّ المشروعِ والعداوةِ الشخصيةِ، ومواجهةَ خطابِ الكراهيةِ والتحريضِ، ولا سيما عبر وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ.
كما ينبغي تشجيعُ المبادراتِ التي تجمعُ فئاتِ المجتمعِ حولَ مصالحِه المشتركةِ، وتؤكِّدُ أنَّ التنوعَ في الآراءِ لا يُلغِي واجبَ التعاونِ، وأنَّ الاختلافَ لا يُسقِطُ الحقوقَ ولا يبرِّرُ الاعتداءَ على الكراماتِ؛ وبهذا يصبحُ الحوارُ وسيلةً لتصحيحِ الأفكارِ وتقريبِ وجهاتِ النظرِ، ويغدو الأمنُ الفكريُّ حصنًا لوحدةِ المجتمعِ، وركيزةً لاستقرارِه وقدرتِه على مواجهةِ التحدياتِ.
▪️ آيةُ النجوى
قال تعالى:
﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ إِذَا تَنَٰجَیۡتُمۡ فَلَا تَتَنَٰجَوۡا۟ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِیَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَٰجَوۡا۟ بِٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِیۤ إِلَیۡهِ تُحۡشَرُونَ﴾ [المجادلة، رقم: ٩].
فتأمَّلْ كيف وجَّهَ اللهُ المؤمنينَ إلى أن تكونَ نجواهم بالبرِّ والتقوى، لا بالإثمِ والعدوانِ.
▪️ آيةُ الحنيفيةِ
قال تعالى:
﴿حُنَفَاۤءَ لِلَّهِ غَیۡرَ مُشۡرِكِینَ بِهِۦۚ وَمَن یُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ فَتَخۡطَفُهُ ٱلطَّیۡرُ أَوۡ تَهۡوِی بِهِ ٱلرِّیحُ فِی مَكَانࣲ سَحِیقࣲ﴾ [الحج، رقم: ٣١].
فتأمَّلْ كيف صوَّرَ اللهُ حالَ المشركِ كمن خرَّ من السماءِ فتخطفه الطيرُ، أو تهوي به الريحُ في مكانٍ سحيقٍ.
▪️ آيةُ الصبغةِ
قال تعالى:
﴿صِبۡغَةَ ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةࣰ وَنَحۡنُ لَهُۥ عَٰبِدُونَ﴾ [البقرة، رقم: ١٣٨].
فتأمَّلْ كيف جعلَ اللهُ صبغتَه – وهي دينُه – أحسنَ الصبغاتِ.
▪️ آيةُ الإسلامِ
قال تعالى:
﴿أَفَغَیۡرَ دِینِ ٱللَّهِ یَبۡغُونَ وَلَهُۥٓ أَسۡلَمَ مَن فِی ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعࣰا وَكَرۡهࣰا وَإِلَیۡهِ یُرۡجَعُونَ﴾ [آل عمران، رقم: ٨٣].
فتأمَّلْ كيف أنَّ كلَّ من في السماواتِ والأرضِ مسلمٌ للهِ طوعًا أو كرهًا.
▪️ آيةُ الزبدِ
قال تعالى:
﴿فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَیَذۡهَبُ جُفَاۤءࣰۖ وَأَمَّا مَا یَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَیَمۡكُثُ فِی ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ یَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ﴾ [الرعد، رقم: ١٧].
فتأمَّلْ كيف جعلَ اللهُ الحقَّ الذي ينفعُ الناسَ باقيًا في الأرضِ، والباطلَ زبدًا يذهبُ جفاءً.
▪️ آيةُ الوصيةِ بالتقوى
قال تعالى:
﴿وَلَقَدۡ وَصَّیۡنَا ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَإِيَّاكُمۡ أَنِ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾ [النساء، رقم: ١٣١].
فتأمَّلْ كيف أنَّ الوصيةَ بالتقوى جامعةٌ بين الأممِ جميعًا.
▪️ آيةُ الأشهرِ الحرمِ
قال تعالى:
﴿فَلَا تَظۡلِمُوا۟ فِیهِنَّ أَنفُسَكُمۡ﴾ [التوبة، رقم: ٣٦].
قال أهلُ العلمِ: “أي: بالمعاصي والمحرمات”.
▪️ آيةُ دخولِ السلمِ
قال تعالى:
﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱدۡخُلُوا۟ فِی ٱلسِّلۡمِ كَافَّةࣰ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّیۡطَٰنِ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوࣱ مُّبِینࣱ فَإِن زَلَلۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡكُمُ ٱلۡبَیِّنَٰتُ فَٱعۡلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِیزٌ حَكِیمࣱ﴾ [البقرة، رقم: ٢٠٨ – ٢٠٩].
فتأمَّلْ كيف أمرَ اللهُ المؤمنينَ بالدخولِ في الإسلامِ كافةً، ونَهى عن اتباعِ خطواتِ الشيطانِ.
▪️ آيةُ النصرِ والفتحِ
قال تعالى:
﴿إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحࣰا مُّبِینࣰا لِّیَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَیُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَیۡكَ وَیَهۡدِیَكَ صِرَٰطࣰا مُّسۡتَقِیمࣰا وَیَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصۡرًا عَزِیزًا﴾ [الفتح، رقم: ١ – ٣].
فتأمَّلْ كيف ربطَ اللهُ بين النصرِ والهدايةِ والفتحِ المبينِ.
▪️ حديثُ الصلاةِ على النبيِّ ﷺ
وقال ﷺ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» <رواه مسلم>.
فتأمَّلْ كيف أنَّ الصلاةَ على النبيِّ ﷺ تُثمِرُ عشرَ صلواتٍ من اللهِ على العبدِ.
▪️ أبياتٌ في مدحِ النبيِّ ﷺ
«بلغ العلا بكماله *** كشف الدجى بجماله *** حسنت جميع خصاله *** صلوا عليه وآله»
«على الجوانح هبَّت نسمةُ الحرمِ *** وهامَ كلُّ فؤاد للضياء ظَمِي *** والناسُ مِنْ كلِّ فجٍّ قادمون سُرًى *** وكلُّهم في حِمَى الباري على قَدَمِ»
فتأمَّلْ كيف أنَّ حبَّ النبيِّ ﷺ يُحيي القلوبَ، ويُشرِقُ النفوسَ.
.
إنَّ الأمنَ الفكريَّ ليس ترفًا فكريًّا ولا مطلبًا ثانويًّا، بل هو ضرورةٌ دينيةٌ ووطنيةٌ ومجتمعيةٌ، وهو حصنُ المجتمعاتِ، وسرُّ نهضتِها، وسبيلُ استقرارِها. فاحرصوا على تعزيزِه في أنفسِكم وأسرِكم ومجتمعاتِكم، وكونوا سفراءَ للوعيِ والاعتدالِ والحوارِ، وحصِّنوا عقولَكم بالعلمِ، وقلوبَكم بالإيمانِ، وألسنتَكم بالتثبُّتِ، وسلوكَكم بالحكمةِ والرحمةِ.
وإنَّ أمتنا -وقد أكرمها اللهُ بالإسلامِ- لقادرةٌ على مواجهةِ التحدياتِ الفكريةِ إذا تمسَّكتْ بوحيِ ربِّها، واقتفَتْ أثرَ نبيِّها ﷺ، وسارتْ على منهجِ سلفِها الصالحِ، وتعاونتْ مؤسساتُها وأفرادُها على البرِّ والتقوى.
اللهمَّ يا مَنَّانُ يا بديعَ السماواتِ والأرضِ، يا ذا الجلالِ والإكرامِ، نسألُك بأسمائِك الحسنى وصفاتِك العلى أن تحفظَ علينا نعمةَ الأمنِ والإيمانِ، وأن تُديمَ علينا الأمنَ والأمانَ والاستقرارَ والاطمئنانَ في أوطانِنا وسائرِ بلادِ المسلمين.







