رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن اِنْتِحَالُ الصِّفَةِ بَيْنَ اِسْتِغْلَالِ النُّفُوذِ الْكَاذِبِ وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى كَرَامَةِ النَّاسِ
- رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن اِنْتِحَالُ الصِّفَةِ بَيْنَ اِسْتِغْلَالِ النُّفُوذِ الْكَاذِبِ وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى كَرَامَةِ النَّاسِ
- بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
- مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
- رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن اِنْتِحَالُ الصِّفَةِ بَيْنَ اِسْتِغْلَالِ النُّفُوذِ الْكَاذِبِ وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى كَرَامَةِ النَّاسِ
بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
اِنْتِحَالُ الصِّفَةِ بَيْنَ اِسْتِغْلَالِ النُّفُوذِ الْكَاذِبِ وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى كَرَامَةِ النَّاسِ دِرَاسَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَقَانُونِيَّةٌ وَأَخْلَاقِيَّةٌ فِي ضَوْءِ وَاقِعَةِ سَيِّدَةٍ اِنْتَحَلَتْ صِفَةَ ضَابِطِ شُرْطَةٍ
الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، أَمَّا بَعْدُ.
إِنَّ الْمُجْتَمَعَاتِ لَا تَسْتَقِيمُ بِالْقَوَانِينِ وَحْدَهَا، وَإِنَّمَا تَسْتَقِيمُ كَذَلِكَ بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ وَاحْتِرَامِ الْحُقُوقِ وَصِيَانَةِ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ.
وَمِنَ الظَّوَاهِرِ الَّتِي تَسْتَحِقُّ الْوُقُوفَ عِنْدَهَا ظَاهِرَةُ اِنْتِحَالِ الصِّفَاتِ الرَّسْمِيَّةِ؛ حِينَ يَدَّعِي الْإِنْسَانُ مَنْصِبًا لَا يَمْلِكُهُ، أَوْ رُتْبَةً لَمْ يَحْصُلْ عَلَيْهَا، ثُمَّ يَسْتَخْدِمُ هَذَا الِادِّعَاءَ لِتَرْهِيبِ النَّاسِ أَوْ فَرْضِ رَأْيِهِ عَلَيْهِمْ.
وَقَدْ أَثَارَتْ وَاقِعَةُ سَيِّدَةٍ ادَّعَتْ أَنَّهَا «عَمِيدَةُ شُرْطَةٍ» دَاخِلَ أَتُوبِيسِ نَقْلٍ عَامٍّ، وَتَعَامَلَتْ مَعَ السَّائِقِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ الْمَزْعُومَةِ، وَقَذَفَتْهُ بِزُجَاجَةِ مِيَاهٍ، تَسَاؤُلَاتٍ مُهِمَّةً عَنْ حُدُودِ السُّلْطَةِ، وَحُرْمَةِ الِاعْتِدَاءِ عَلَى النَّاسِ، وَالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَالْقَانُونِيِّ لِانْتِحَالِ الصِّفَةِ.
وَنَحْنُ هُنَا لَا نُصْدِرُ حُكْمًا نِهَائِيًّا عَلَى شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، وَلَا نَجْزِمُ بِكُلِّ تَفَاصِيلِ الْوَاقِعَةِ قَبْلَ ثُبُوتِهَا، وَإِنَّمَا نُنَاقِشُ السُّلُوكَ الْمُعْلَنَ مِنْ حَيْثُ الْمَبْدَأُ، وَنُبَيِّنُ مَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَاتٍ شَرْعِيَّةٍ وَأَخْلَاقِيَّةٍ، وَمَا قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ مَسْؤُولِيَّةٍ قَانُونِيَّةٍ. وَسَنَتَنَاوَلُ ذَلِكَ فِي الْعَنَاصِرِ التَّالِيَةِ.
الْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: اِنْتِحَالُ الصِّفَةِ خَلَلٌ فِي الصِّدْقِ وَفَهْمِ الْحُقُوقِ
● أَوَّلًا: حِينَ تَتَحَوَّلُ الصِّفَةُ الْمَزْعُومَةُ إِلَى وَسِيلَةٍ لِلتَّرْهِيبِ .
لِمَاذَا يَدَّعِي بَعْضُ النَّاسِ صِفَةً لَا يَمْلِكُونَهَا؟ لِأَنَّهُمْ قَدْ يَعْجَزُونَ عَنْ إِقْنَاعِ الْآخَرِينَ بِالْحُجَّةِ، فَيُحَاوِلُونَ إِخْضَاعَهُمْ بِالْخَوْفِ، أَوْ يَسْتَبْدِلُونَ بِالْحَقِّ الْمَزْعُومِ قُوَّةً لَا يَمْلِكُونَهَا.
فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَنَا ضَابِطٌ، أَوْ أَنَا قَاضٍ، أَوْ أَنَا مَسْؤُولٌ كَبِيرٌ؛ وَكَأَنَّ مُجَرَّدَ ادِّعَاءِ الْمَنْصِبِ يَكْفِي لِإِسْكَاتِ النَّاسِ وَإِجْبَارِهِمْ عَلَى تَنْفِيذِ مَا يُرِيدُ.
لَكِنَّ الْحَقَّ لَا يَثْبُتُ بِارْتِفَاعِ الصَّوْتِ، وَالسُّلْطَةَ لَا تَنْشَأُ بِمُجَرَّدِ ادِّعَائِهَا، وَالْإِنْسَانَ لَا يَصْبَحُ صَاحِبَ اِخْتِصَاصٍ رَسْمِيٍّ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ أَعْلَنَ عَنْ نَفْسِهِ بِصِفَةٍ كَاذِبَةٍ.
● ثَانِيًا: الْوَظِيفَةُ الْعَامَّةُ أَمَانَةٌ وَلَيْسَتْ وَسِيلَةً لِلتَّفَاخُرِ
الْوَظَائِفُ الْعَامَّةُ مَسْؤُولِيَّاتٌ يُنَظِّمُهَا الْقَانُونُ، وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا وَاجِبَاتٌ وَاِخْتِصَاصَاتٌ مُحَدَّدَةٌ. فَالضَّابِطُ الْحَقِيقِيُّ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّمَا يَعْمَلُ فِي حُدُودِ سُلْطَتِهِ الْقَانُونِيَّةِ، وَيَلْتَزِمُ بِحُقُوقِ النَّاسِ.
وَكَذَلِكَ الطَّبِيبُ وَالْقَاضِي وَالْمُوَظَّفُ الْعَامُّ وَغَيْرُهُمْ.
فَإِذَا كَانَ صَاحِبُ الصِّفَةِ الْحَقِيقِيَّةِ مُقَيَّدًا بِالْقَانُونِ، فَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَلَّا يَتَدَخَّلَ فِي اِخْتِصَاصَاتِ الْوَظِيفَةِ مَنْ لَا يَمْلِكُ الصِّفَةَ أَصْلًا.
● ثَالِثًا: خَطَأُ الْآخَرِينَ لَا يُبِيحُ لَنَا الِاعْتِدَاءَ عَلَيْهِمْ
حَتَّى لَوْ اَفْتَرَضْنَا أَنَّ السَّائِقَ أَخْطَأَ فِي حَقِّ الرَّاكِبَةِ، فَإِنَّ خَطَأَهُ ـ إِنْ ثَبَتَ ـ لَا يُبِيحُ لَهَا أَنْ تَدَّعِيَ رُتْبَةً لَا تَمْلِكُهَا، وَلَا أَنْ تَعْتَدِيَ عَلَيْهِ.
فَمَنْ تَعَرَّضَ لِلظُّلْمِ فَلَهُ أَنْ يَطْلُبَ حَقَّهُ، وَأَنْ يُقَدِّمَ شَكْوَاهُ إِلَى الْجِهَةِ الْمُخْتَصَّةِ، لَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُعَالِجَ الْخَطَأَ بِخَطَأٍ آخَرَ.
وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ نُقَرِّرَ قَاعِدَةً وَاضِحَةً: لَيْسَ كُلُّ مَنْ غَضِبَ صَاحِبَ حَقٍّ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنِ ادَّعَى السُّلْطَةَ صَاحِبَ سُلْطَةٍ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ اِنْتَصَرَ لِلْحَقِيقَةِ.
الْعُنْصُرُ الثَّانِي: الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ لِانْتِحَالِ الصِّفَةِ
● أَوَّلًا: الْإِسْلَامُ يَأْمُرُ بِالصِّدْقِ وَيَنْهَى عَنِ الْكَذِبِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَكُونُوا مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١٩].
فَالصِّدْقُ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ أَوِ الشَّهَادَةِ أَمَامَ الْقَضَاءِ، بَلْ يَشْمَلُ صِدْقَ الْإِنْسَانِ فِي تَعْرِيفِ نَفْسِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ وَظِيفَتِهِ وَمَكَانَتِهِ، وَأَلَّا يَدَّعِيَ مَا لَيْسَ لَهُ.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الْأَحْزَابِ: ٧٠].
وَالْقَوْلُ السَّدِيدُ هُوَ الْقَوْلُ الْمُسْتَقِيمُ الْمُوَافِقُ لِلْحَقِّ، الَّذِي يَبْتَعِدُ عَنِ الْكَذِبِ وَالْبَاطِلِ وَالتَّضْلِيلِ.
فَمَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ ضَابِطُ شُرْطَةٍ وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَيَسْتَخْدِمُ هَذَا الِادِّعَاءَ لِيُؤَثِّرَ فِي النَّاسِ أَوْ يُخِيفَهُمْ، فَقَدْ خَالَفَ أَصْلَ الصِّدْقِ، وَوَقَعَ فِي الْخِدَاعِ الْمُحَرَّمِ بِحَسَبِ حَقِيقَةِ فِعْلِهِ وَآثَارِهِ.
● ثَانِيًا: الْغِشُّ وَالْخِدَاعُ مُحَرَّمَانِ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا». <رَوَاهُ مُسْلِمٌ.>
وَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ يَدُلُّ عَلَى قُبْحِ الْغِشِّ وَمُخَالَفَتِهِ لِهَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَالْغِشُّ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى التَّلَاعُبِ فِي السِّلَعِ وَالْأَمْوَالِ، بَلْ يَدْخُلُ فِي مَعْنَاهُ الْخِدَاعُ الَّذِي يَحْمِلُ الْإِنْسَانُ غَيْرَهُ عَلَى تَصْدِيقِهِ بِنَاءً عَلَى صُورَةٍ غَيْرِ حَقِيقِيَّةٍ.
فَإِذَا ادَّعَى شَخْصٌ صِفَةً رَسْمِيَّةً لِيَحْصُلَ عَلَى مَنْفَعَةٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا، أَوْ لِيَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى الْخُضُوعِ لَهُ، فَقَدِ اسْتَخْدَمَ الْكَذِبَ وَسِيلَةً لِلتَّأْثِيرِ فِي إِرَادَتِهِمْ.
وَلَا يَعْنِي الْحَدِيثُ أَنَّ كُلَّ مَنْ وَقَعَ فِي الْغِشِّ يَخْرُجُ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ مِنْ هَذَا السُّلُوكِ الْمُحَرَّمِ.
● ثَالِثًا: الِانْتِحَالُ قَدْ يَجْمَعُ أَكْثَرَ مِنْ مُخَالَفَةٍ
بِحَسَبِ صُورَةِ الْوَاقِعَةِ، قَدْ يَجْتَمِعُ فِي اِنْتِحَالِ الصِّفَةِ أَكْثَرُ مِنْ مَحْظُورٍ:
الْكَذِبُ: بِادِّعَاءِ رُتْبَةٍ أَوْ وَظِيفَةٍ غَيْرِ حَقِيقِيَّةٍ.
الْغِشُّ وَالْخِدَاعُ: بِإِيهَامِ النَّاسِ أَنَّ لِلْمُنْتَحِلِ سُلْطَةً لَا يَمْلِكُهَا.
الظُّلْمُ: إِذَا اسْتُعْمِلَ الِادِّعَاءُ لِلْإِضْرَارِ بِالْآخَرِينَ أَوْ الْحُصُولِ عَلَى حَقٍّ لَيْسَ لَهُ.
الِاعْتِدَاءُ: إِذَا اقْتَرَنَ ذَلِكَ بِتَهْدِيدٍ أَوْ إِكْرَاهٍ أَوْ أَذًى بَدَنِيٍّ.
وَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَجْتَمِعَ هَذِهِ الْأَوْصَافُ كُلُّهَا فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ؛ بَلْ يُنْظَرُ إِلَى حَقِيقَةِ الْفِعْلِ وَمُلَابَسَاتِهِ.
كَمَا يَنْبَغِي التَّفْرِيقُ بَيْنَ مُجَرَّدِ اسْتِعْمَالِ اسْمٍ مُسْتَعَارٍ لَا يُقْصَدُ بِهِ خِدَاعُ النَّاسِ أَوْ الْإِضْرَارُ بِهِمْ، وَبَيْنَ اِنْتِحَالِ شَخْصِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ أَوْ صِفَةٍ رَسْمِيَّةٍ لِلتَّضْلِيلِ أَوْ تَحْقِيقِ مَصْلَحَةٍ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ.
الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: تَغْيِيرُ الْحَقَائِقِ وَالِاعْتِدَاءُ عَلَى كَرَامَةِ النَّاسِ
● أَوَّلًا: التَّحْذِيرُ مِنْ قَوْلِ الزُّورِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَٱجْتَنِبُوا۟ قَوْلَ ٱلزُّورِ﴾ [الْحَجِّ: ٣٠].
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ». وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ». فَمَا زَال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. <رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.>
وَهُنَا يَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ شَهَادَةِ الزُّورِ بِالْمَعْنَى الْخَاصِّ، وَهِيَ الشَّهَادَةُ الْكَاذِبَةُ، وَبَيْنَ اِنْتِحَالِ الصِّفَةِ؛ فَلَيْسَتْ كُلُّ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِ الِانْتِحَالِ شَهَادَةَ زُورٍ بِالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ، وَإِنِ اشْتَرَكَتْ بَعْضُ الصُّوَرِ مَعَهَا فِي الْكَذِبِ وَتَزْيِيفِ الْحَقِيقَةِ.
وَالْعِبْرَةُ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَجْعَلُ الْكَذِبَ وَسِيلَةً لِلْوُصُولِ إِلَى غَرَضِهِ، وَلَا يُبَرِّرُ الْوَسَائِلَ الْمُحَرَّمَةَ بِمُجَرَّدِ أَنَّهُ يُرِيدُ تَحْقِيقَ مَصْلَحَةٍ لِنَفْسِهِ.
● ثَانِيًا: كَرَامَةُ الْإِنْسَانِ مَصُونَةٌ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلْنَٰهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلْنَٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٧٠].
فَسَائِقُ الْحَافِلَةِ إِنْسَانٌ لَهُ كَرَامَتُهُ وَحُقُوقُهُ، وَالرَّاكِبَةُ كَذَلِكَ لَهَا كَرَامَتُهَا وَحُقُوقُهَا. وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْتَقِرَ الْآخَرَ بِسَبَبِ مِهْنَتِهِ أَوْ مَكَانَتِهِ الْاجْتِمَاعِيَّةِ.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ شَخْصًا قَذَفَ آخَرَ بِزُجَاجَةٍ عَلَى وَجْهِ الِاعْتِدَاءِ، فَإِنَّ الْفِعْلَ يُقَيَّمُ بِحَسَبِ ظُرُوفِهِ وَآثَارِهِ، وَلَا يَصْبَحُ مَشْرُوعًا لِمُجَرَّدِ أَنَّ صَاحِبَهُ كَانَ غَاضِبًا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي صِفَاتِ أَهْلِ الْإِحْسَانِ:
﴿وَٱلْكَٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٤].
وَكَظْمُ الْغَيْظِ لَا يَعْنِي التَّنَازُلَ عَنِ الْحُقُوقِ، وَإِنَّمَا يَعْنِي أَلَّا يَتَحَوَّلَ الْغَضَبُ إِلَى اِعْتِدَاءٍ، وَأَلَّا يُعَالِجَ الْإِنْسَانُ الظُّلْمَ بِظُلْمٍ جَدِيدٍ.
الْعُنْصُرُ الرَّابِعُ: حُكْمُ اِنْتِحَالِ الشَّخْصِيَّاتِ؟
● اِنْتِحَالُ الشَّخْصِيَّةِ أَوْ الصِّفَةِ الرَّسْمِيَّةِ بِغَيْرِ حَقٍّ حَرَامٌ شَرْعًا؛ لِمَا قَدْ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الْكَذِبِ وَالْغِشِّ وَالْخِدَاعِ وَالظُّلْمِ وَالتَّعَدِّي عَلَى حُقُوقِ الْآخَرِينَ، وَيَشْتَدُّ إِثْمُهُ إِذَا اسْتُخْدِمَ لِتَرْوِيعِ النَّاسِ أَوْ اِبْتِزَازِهِمْ أَوْ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُنْتَحِلُ، وَقَدْ يَبْلُغُ حَدَّ الْكَبِيرَةِ بِحَسَبِ مَا يَقْتَرِنُ بِهِ مِنْ جَرَائِمَ وَمُحَرَّمَاتٍ. فَإِذَا اِنْتَحَلَ شَخْصٌ صِفَةَ ضَابِطِ شُرْطَةٍ، وَاسْتَعْمَلَهَا لِتَخْوِيفِ النَّاسِ أَوْ الِاعْتِدَاءِ عَلَيْهِمْ أَوْ حَمْلِهِمْ عَلَى الْخُضُوعِ لَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْكَذِبِ وَالْخِدَاعِ وَالْعُدْوَانِ، وَيَعْظُمُ إِثْمُهُ بِقَدْرِ مَا تَرَتَّبَ عَلَى فِعْلِهِ مِنْ ظُلْمٍ وَأَضْرَارٍ.
الْعُنْصُرُ الْخَامِسُ: اِنْتِحَالُ الصِّفَةِ فِي الْقَانُونِ الْمِصْرِيِّ .
● وَرَدَ فِي تَقْرِيرٍ بِمَوْقِعِ «صَدَى الْبَلَدِ»، بِتَارِيخِ ١١ مَايُو ٢٠٢٦م، أَنَّ الْعُقُوبَةَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهَا فِي الْمَادَّةِ ١٥٥ قَدْ تَصِلُ إِلَى الْحَبْسِ مُدَّةً لَا تَقِلُّ عَنْ سَنَتَيْنِ، كَمَا أَوْرَدَ التَّقْرِيرُ عُقُوبَاتٍ مُرْتَبِطَةً بِالْمَادَّةِ ١٥٦ وَصُوَرًا مُشَدَّدَةً فِي حَالَاتٍ مُعَيَّنَةٍ. <الْحَبْسُ سَنَتَيْنِ عُقُوبَةُ اِنْتِحَالِ صِفَةِ ضَابِطِ شُرْطَةٍ طَبْقًا لِلْقَانُونِ، صَدَى الْبَلَدِ، ١١ مَايُو ٢٠٢٦م.>
● ثَانِيًا: هَلْ مُجَرَّدُ قَوْلِ «أَنَا عَمِيدَةُ شُرْطَةٍ» يُحَدِّدُ الْعُقُوبَةَ؟
لَا يُمْكِنُ الْجَزْمُ بِالْعُقُوبَةِ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ وَحْدَهَا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَفَاصِيلِ الْوَاقِعَةِ، وَمِنْهَا:
هَلْ ثَبَتَ ادِّعَاءُ الصِّفَةِ الرَّسْمِيَّةِ؟
هَلْ تَدَخَّلَتِ الْمَرْأَةُ فِي عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْوَظِيفَةِ الْعَامَّةِ؟
هَلِ اسْتَخْدَمَتْ زِيًّا رَسْمِيًّا أَوْ عَلَامَةً مُمَيَّزَةً لِلْوَظِيفَةِ؟
هَلِ اقْتَرَنَ الْفِعْلُ بِتَهْدِيدٍ أَوْ اِعْتِدَاءٍ أَوْ اِحْتِيَالٍ؟
هَلْ تُوجَدُ أَفْعَالٌ أُخْرَى يُعَاقِبُ عَلَيْهَا الْقَانُونُ؟
فَقَدْ تَخْتَلِفُ الْأَوْصَافُ الْقَانُونِيَّةُ وَالْعُقُوبَاتُ بِاِخْتِلَافِ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ. وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَلَّا نَقُولَ إِنَّ الْعُقُوبَةَ سَنَتَانِ أَوْ ثَلَاثُ سَنَوَاتٍ عَلَى وَجْهِ الْقَطْعِ دُونَ سَنَدٍ قَانُونِيٍّ مُتَحَقِّقٍ.
إِنَّ وَاقِعَةَ «أَنَا عَمِيدَةُ شُرْطَةٍ» تُذَكِّرُنَا بِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ يُحَاوِلُونَ تَعْوِيضَ ضَعْفِ الْحُجَّةِ بِادِّعَاءِ السُّلْطَةِ، وَاسْتِبْدَالَ الْحِوَارِ بِالتَّهْدِيدِ، وَالْحُصُولَ عَلَى اِحْتِرَامِ الْآخَرِينَ بِالَقَبٍ لَا يَمْلِكُونَهُ.
لَكِنَّ الْحَقِيقَةَ أَنَّ الْكَرَامَةَ لَا تُصْنَعُ بِادِّعَاءِ الرُّتَبِ، وَأَنَّ الْحَقَّ لَا يَثْبُتُ بِارْتِفَاعِ الصَّوْتِ، وَأَنَّ السُّلْطَةَ لَا تَنْشَأُ بِمُجَرَّدِ الْإِعْلَانِ عَنْهَا.
لَقَدْ أَمَرَنَا الْإِسْلَامُ بِالصِّدْقِ، وَنَهَانَا عَنِ الْغِشِّ وَالظُّلْمِ، وَأَمَرَنَا بِصِيَانَةِ حُقُوقِ النَّاسِ وَكَرَامَتِهِمْ. كَمَا نَظَّمَ الْقَانُونُ مُمَارَسَةَ الْوَظَائِفِ الْعَامَّةِ، وَوَضَعَ أَحْكَامًا لِمُوَاجَهَةِ صُوَرٍ مِنْ اِنْتِحَالِ الصِّفَاتِ وَالْأَلْقَابِ، بِحَسَبِ النُّصُوصِ الْمُنْطَبِقَةِ عَلَى كُلِّ وَاقِعَةٍ.
فَلَيْسَ الْعَيْبُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ بَسِيطَ الْوَظِيفَةِ، وَإِنَّمَا الْعَيْبُ أَنْ يَتَّخِذَ مِنَ الْكَذِبِ وَسِيلَةً لِرَفْعِ مَكَانَتِهِ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ.
وَلَيْسَ الشَّرَفُ فِي أَنْ يَخَافَكَ النَّاسُ، وَإِنَّمَا الشَّرَفُ فِي أَنْ يَأْمَنَ النَّاسُ جَانِبَكَ.
وَلَيْسَ النَّجَاحُ فِي أَنْ تَفْرِضَ إِرَادَتَكَ عَلَى الْآخَرِينَ، وَإِنَّمَا فِي أَنْ تَعْرِفَ حَقَّكَ، وَتَحْفَظَ حَقَّ غَيْرِكَ، وَتَلْتَزِمَ بِالْعَدْلِ حَتَّى عِنْدَمَا تَغْضَبُ.
فَلْنَتَّقِ اللَّهَ فِي أَقْوَالِنَا وَأَفْعَالِنَا، وَلْنَعْلَمْ أَنَّ مَا نَمْلِكُهُ مِنْ أَلْقَابٍ وَمَظَاهِرَ يَزُولُ، أَمَّا حُقُوقُ الْعِبَادِ وَمَسْؤُولِيَّةُ الْإِنْسَانِ عَنْ ظُلْمِهِ وَكَذِبِهِ، فَلَيْسَتْ أَمْرًا هَيِّنًا عِنْدَ اللَّهِ.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الصِّدْقَ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ، وَطَهِّرْ أَلْسِنَتَنَا مِنَ الْكَذِبِ، وَقُلُوبَنَا مِنَ الْكِبْرِ، وَنُفُوسَنَا مِنَ الظُّلْمِ وَالِاعْتِدَاءِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَعْرِفُونَ الْحَقَّ فَيَتَّبِعُونَهُ، وَيَعْرِفُونَ الْبَاطِلَ فَيَجْتَنِبُونَهُ، وَارْزُقْنَا الْأَمَانَةَ وَالْعَدْلَ وَحُسْنَ الْخُلُقِ، وَأَعِنَّا عَلَى ضَبْطِ أَنْفُسِنَا عِنْدَ الْغَضَبِ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا وَأَهْلَهَا، وَوَفِّقْ أَصْحَابَ الْمَسْؤُولِيَّاتِ إِلَى أَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَاجْعَلْنَا مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَرُدَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَصْحَابِهَا، وَاهْدِنَا إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ








