- أفلا تحسبنَّ أنَّ صمتَ الرجال عجزٌ، أو أنَّ سكوتهم عن الإساءة دليلٌ على ضعفهم
- فبعض الصمت أبلغ من ألف كلمة، وبعض الرجال حين يصمتون لا يعجزون عن الرد، وإنما يترفعون عن الرد
- أن يبلغ الرجل من معرفتك مبلغًا يجعله قادرًا على جرحك، وأن يعرف عنك من الأسرار والتفاصيل ما يستطيع به أن يؤلمك، ثم يبلغ من خُلُقه مبلغًا أعظم، فيختار ألا يفعل
- فليس كل ما نعرفه يُقال، وليس كل ما نستطيع فعله ينبغي أن نفعله
أفلا تحسبنَّ أنَّ صمتَ الرجال عجزٌ، أو أنَّ سكوتهم عن الإساءة دليلٌ على ضعفهم؛ فبعض الصمت أبلغ من ألف كلمة، وبعض الرجال حين يصمتون لا يعجزون عن الرد، وإنما يترفعون عن الرد.
إنها المروءة في الخصومة؛ أن يبلغ الرجل من معرفتك مبلغًا يجعله قادرًا على جرحك، وأن يعرف عنك من الأسرار والتفاصيل ما يستطيع به أن يؤلمك، ثم يبلغ من خُلُقه مبلغًا أعظم، فيختار ألا يفعل.
فليس كل ما نعرفه يُقال، وليس كل ما نستطيع فعله ينبغي أن نفعله.
الرجل الحقيقي لا يستغل لحظة الخصومة ليكشف سترًا، ولا يحوّل الأسرار التي اؤتمن عليها إلى سلاح، ولا يجعل من معرفته بنقاط ضعف الآخرين وسيلة للانتقام أو التشهير.
قد يملك الرد، لكنه يختار الصمت.
وقد يملك الحجة، لكنه يختار العفو.
وقد يستطيع أن يكشف الكثير، لكنه يحفظ الود القديم، ويحترم العِشرة، ويصون ما كان بينه وبين الآخرين من مواقف وأيام.
وهنا تظهر معادن الرجال؛ فالأخلاق لا تُختبر في أوقات الرضا فقط، وإنما تظهر حقيقتها عند الغضب والاختلاف والخصومة.
أن تستطيع إيذاء من أساء إليك ثم تمتنع عن ذلك، فهذه قوة.
وأن تمتلك كلمةً قادرة على هدم إنسان ثم تبتلعها حفاظًا على كرامته، فهذه مروءة.
وأن تعرف الحقيقة كاملة ثم تختار ألا تستخدمها في غير موضعها، فذلك شرف لا يدرك قيمته إلا أصحاب النفوس الكبيرة.
فلا تفسروا صمت البعض على أنه خوف، ولا هدوءهم على أنه عجز؛ ربما كان خلف هذا الصمت الكثير من الكلام، لكن صاحبه اختار أن يحتفظ به احترامًا لنفسه قبل أن يكون احترامًا لغيره.
هناك رجال إذا خاصموا لم يفجروا، وإذا اختلفوا لم يظلموا، وإذا غضبوا لم يهتكوا سترًا، وإذا انتهت العلاقة أغلقوا الباب دون أن يخرجوا ما كان خلفه من أسرار.
وهؤلاء هم الذين تعلموا أن الانتصار الحقيقي ليس أن تجرح خصمك، وإنما أن تخرج من الخصومة محتفظًا بأخلاقك وكرامتك.
فاحفظوا للناس أسرارهم، ولا تجعلوا الخلاف سببًا لإسقاط المروءة؛ لأن الأيام دول، والقلوب تتغير، والخصومات تنتهي، لكن أثر الكلمة الجارحة قد يبقى طويلًا.
وفي النهاية، يبقى الصمت أحيانًا أرفع درجات القوة، حين يكون صاحبه قادرًا على الكلام لكنه اختار الصمت، وقادرًا على الانتقام لكنه اختار التسامح، وقادرًا على كشف المستور لكنه اختار الستر.
تلك ليست سلبية… بل أخلاق.
وليست هزيمة… بل مروءة.
وليست ضعفًا… بل قوة رجل يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يترفع.
كاتب/ نادر شطا








